إخوان الأردن يقتفون أثر سيد قطب لأسلمة المجتمع

الإخوان المسلمون في الأردن حتى وإن تظاهروا بتمايزهم عن الحركة الإخوانية الأم في الأطروحات وعلاقتهم بالواقع الاجتماعي من حيث ارتباطهم بالمعيشي القريب، فإنهم لا يخرجون عن فكرة أسلمة المجتمع وإعادة تشكيله وفق منظور وأنموذج دولة المدينة، محاولين إسقاط التاريخ على واقع مغاير قد لا يحتمل تطبيق هذه الرؤية من حيث الزمن والوقائع.
الجمعة 2015/06/19
هل يلقى إخوان الأردن نفس مصير حركتهم الأم في مصر

دبي - ينبثق الإدراك البنيويّ المجتمعي عند جماعة الإخوان المسلمين في الأردن من منظور إسلامي شامل؛ يأخذ بمتلازمة الحيّزين “الديني” و”السياسي” معا استلالا للإصلاح في الأمة وتطبيق تعاليم الإسلام وأحكامه، تبعا لمفهومها الكليّ للإسلام بوصفه نظاما حياتيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا متكاملا.

فالقرآن هو الدستور المؤسس لموضوع الترابط بين الديني والسياسي في الإسلام، والإسلام بوصفه دينا متكاملا له أنظمته وحدوده وأحكامه المنظمة للعلاقات بين الشعوب، والمتضمّنة لمبادئ وأسس الحرب والسلام والحقوق الإنسانية، وتشمل القوانين الإسلامية تلك المتعلقة بالنظام الاجتماعي المتكامل كمظلة ينضوي تحتها الفرد والأسرة والمجتمع واحتياجاتهم، والدولة وحاجاتها وعلاقاتها، حيث تهدف في المحصلة إلى تربية الإنسان على أن تحرص الدولة في ممارساتها، كما في تشريعاتها -وفقا لمنظوري البنا وسيد قطب- على “القيام بنشر الأخلاق القائمة على الشريعة الإسلامية”.

إلا أن الدولة ومواطنيها، وفق منظور قطب وأبي الأعلى المودودي، يحتكمان إلى مبدأ “الحاكمية” القائل بمطلق سلطة الله تعالى في الكون، وبالتالي لا حاكمية فيه لأمير أو رعية، فالله وحده هو المشرع ابتداء، فيما ينحصر عمل البشر في تطبيق التشريع الإلهي، أي الخضوع لله تعالى ولتشريعاته في جميع شؤون الحياة.

يعبّر ذلك عن إشكالية العلاقة بين المقدس والدنيوي وبين النص والعقل؛ إزاء حركات ترى، في تبنّيها للحقبة النبوية وما تلاها من خلافة راشدة وقياس المرحلة الحالية عليها (والتي يقصرها قطب على العهدين الأولين في مسألة تكفيره للأمّة وليس المجتمع والدولة فقط)، أن ما أحاط بمرحلة الإسلام في المدينة وما تلاها هو الأقرب للعصر الذي تعيش فيه الآن، وأن العنف أو الجهاد حسب مفهومها، هو الوسيلة لإعادة أسلمتها وتأسيسها من جديد على القواعد نفسها التي أسست عليها دولة المدينة، بينما تنظر أخرى، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، إلى الأفراد والمجتمعات والدول الإسلامية على حقيقتهم مسلمين غير ناقصي العقيدة، ولكنها تهدف إلى إعادة تنظيمهم حسب الشريعة الإسلامية.

وعلى الرغم مما حظيت به جماعة الإخوان، منذ تأسيسها، من علاقة خاصة بالنظام اتسمت بقدر كبير من التعايش والاستقرار، فإنها لم تخلُ من تكدّرات آنية.

قراءات مختلفة لمسار علاقة النظام مع إخوان الأردن، تتراوح بين اتخاذ قرار رسمي بحظر الجماعة، وهو الأمر الذي يستبعده سياسيون، أو فتح حوار معها والذي إن تحقق لن يأذن بالانفتاح

اتسمت العلاقة في عهد الملك عبدالله الثاني بأزمات متتالية، إزاء غياب القنوات السياسية وقواعد التفاهم السياسي السابقة، مقابل إدارة ملف الجماعة من خلال الأجهزة الأمنية، وسط قلق رسمي من النفوذ المتزايد لحركة “حماس” داخلها. وقد انعكس رصيد الاحتقان من خلال ما اعتبرته الجماعة تدخلا رسميا مضادا لها في الانتخابات البلدية والنيابية عام 2007، ممّا عزّز خطاب التيار المتشدد داخلها أمام تراجع حضور المعتدلين، ومن ثم اتخاذ قرار مقاطعة الانتخابات النيابية لعامي 2010 و2013 على التوالي.

لم تخلُ تلك المرحلة من إرهاصات التوتر الذي بلغت حدته مع قرار الحكومة وضع اليد على جمعية المركز الإسلامي الخيرية عام 2006، وإحالة ملفها إلى القضاء بحجة وجود مخالفات وتجاوزات في عملها، فما تزال القضية منظورة أمام المحاكم ولم يبت فيها حتى الآن، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين رحّبت بقرار الحكومة، مطلع نوفمبر 2012، بتعيين القيادي الإخواني جميل الدهيسات رئيسا للهيئة الإدارية المؤقتة للجمعية.

غير أن سلسلة القرارات التي اتخذتها الحكومة الحالية، مؤخرا، بحل جمعيات خيرية ومنها جمعية الزهراء في محافظة الزرقاء، التي تضمّ بين صفوفها أعضاء منتسبين للجماعة، وذلك “تطبيقا لأحكام المادة 20 من قانون الجمعيات” الخيرية وليس “تهديدا لجماعة الإخوان المسلمين”، وفق مسؤول في وزارة التنمية الاجتماعية، قد أثارت انتقادات واسعة من جماعة الإخوان لما اعتبرته “سلسلة متوالية لاستهدافها ومحاصرتها وتجفيف منابعها”. حيث تزامن ذلك مع توجه الحكومة لفتح ملف النقابات المهنية عبر إقرار قانون موحد ينظم عملها وإدارة الانتخابات فيها، والذي جاء في ظل نتائج انتخابات نقابات المهندسين والمعلمين والصيادلة التي أسفرت عن سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على أغلبية مقاعدها.

أفرز ذلك قراءات مختلفة لمسار علاقة النظام مع إخوان الأردن، تتراوح بين اتخاذ قرار رسمي بحظر الجماعة، وهو الأمر الذي يستبعده سياسيون، أو فتح حوار معها والذي إن تحقق لن يأذن بالانفتاح أو يعيد العلاقة إلى عهدها الأول، مقابل تركها رسميا إلى حين تأثرها سلبيا بمتغيرات المنطقة وخلافاتها الداخلية الحادة، التي وقفت كأحد الأسباب وراء قرار “المجموعة الإصلاحية” من داخل أوساطها بإعلان المبادرة الوطنية للبناء، التي باتت تعرف بـ”مبادرة زمزم”، وتم إشهارها علنا خلال حفل أقيم في 5/10/2013، بوصفها “أول خطوة عملية على طريق تشكيل حالة أردنية وطنية أصيلة بمرجعية إسلامية تسهم في بناء الدولة الأردنية المدنية الحديثة”.

13