إخوان الجزائر يطوقون أزمة داخلية عميقة لتلافي انشقاقات جديدة

تحاول أحزاب إسلامية جزائرية تكوين أكبر ائتلاف لها في البلاد، لكن خلافاتها غير المعلنة وتباين المواقف حضرت بشكل بارز في ختام المؤتمر الاستثنائي التوافقي لترسيم الوحدة بين حركة مجتمع السلم وجبهة التغيير.
الثلاثاء 2017/07/25
ديمقراطية مزيفة

الجزائر - يشير غياب البعض من قيادات حركة مجتمع السلم، أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر، عن المؤتمر الأخير للائتلاف وترؤسها من قبل عبدالمجيد مناصرة خلفا لعبدالرزاق مقري إلى وجود خلافات عميقة غير معلنة حول مشروع الوحدة بين شطري تيار الإخوان (حركة حمس وجبهة التغيير). ولم يقتصر الغياب عن المؤتمر عن قيادات جناح الحمائم، لكنه امتد إلى شخصيات ظلت محسوبة على الجناح الراديكالي.

وبدأت الحركتان خطوات الوحدة بتحالف سياسي دخلتا به غمار الانتخابات التشريعية في مايو الماضي، والتي أبقت إخوان الجزائر قوة سياسية ثالثة بعد حزبي السلطة (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي) بمجموع 36 مقعدا، ليدخلا بعدها مرحلة ذوبان جبهة التغيير في الحركة الأم حمس ثم التداول على منصب القيادة قبل الذهاب إلى المؤتمر القادم لانتخاب أمين عام جديد.

ولم يخف اتحاد الحزبين مشكلات إسلاميي الجزائر، إذ تنزعج شخصيات من حمس من مشروع الائتلاف. كما أن هناك قيادات سابقة ليست راضية عن الخط السياسي للحركة. وانتقل موقع حركة مجتمع السلم من الشراكة مع السلطة إلى المعارضة، إذ تم رفض المشاركة في الحكومة التي حضر لها رئيس الوزراء السابق عبدالمالك سلال قبل أن يخلفه عبدالمجيد تبون.

وكانت قيادة حمس من بين أول الأطراف الحزبية التي بدأ معها سلال سلسلة المشاورات حول تشكيل الحكومة، إلا أن الرد بالرفض جاء سريعا من عبدالرزاق مقري وهيئة مجلس الشورى، وعللت حمس موقفها بـ “ظروف وملابسات التزوير والسطو على إرادة الناخبين، ومصير برنامجها الانتخابي في حكومة تنفذ برنامج رئيس جمهورية تعارضه”.

وفي مؤتمر الوحدة، انتخب الوزير السابق عبدالمجيد مناصرة (1997 - 2002) رئيسا لحركة حمس لمدة 6 أشهر ثم يعود المنصب إلى عبدالرزاق مقري في الستة أشهر الموالية لينظم بعد ذلك مؤتمرا وطنيا يزكي قيادة جديدة لأكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر.

قيادات بارزة في ائتلاف الأحزاب الإسلامية في الجزائر كانت من بين أبرز الوجوه الغائبة عن مؤتمر الوحدة الأخير

وكان من بين أبرز الوجوه الغائبة عن مؤتمر الوحدة الرئيس الأسبق لمجتمع السلم أبوجرة سلطاني ورئيس مجلس الشورى السابق عبدالرحمان سعيدي، إلى جانب القياديين نعمان لعور وزين الدين طبال المكلفين على التوالي برئاسة الكتلة البرلمانية والعلاقات العامة في الحركة.

وصرح سعيدي بأن غيابه عن مؤتمر الوحدة بين جبهة التغيير وحركة مجتمع السلم يمثل “احتجاجا على التمييع الذي تعرض له القانون الأساسي وأن النسخة الحالية للقانون ستثبط من عمل رئيس الحركة الجديد، لأنه سيجد نفسه أمام صعوبات جمة”.

وأضاف “لقد حصل خلط كبير بين ما هو سياسي وما هو تنظيمي؛ فمثلا قرار المشاركة في الحكومة يعالجه أحد البنود بالعودة إلى المؤتمر، وهذا غير منطقي” لأن المؤتمر سواء كان عاديا أو استثنائيا يتطلب وقتا وجهدا من أجل تنظيمه، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة الاستحقاقات السياسية.

ونفى سعيدي أن يكون غياب شخصيات سياسية عديدة عن مؤتمر الوحدة قد تم بالتشاور أو التنسيق، مؤكدا أن القرار كان بمبادرات فردية “ولا يتعلق الأمر بالشخصيات المعروفة إعلاميا بل هناك مناضلون وكوادر تغيبوا عن المؤتمر”.

وشدد على أن رئيس الحركة الجديد “سيكون مكبلا بالقانون الأساسي وهو ما سيحد من هامش المناورة لديه وستتأكد حمس من أن التصورات التي طرحتها لم تؤخذ بعين الاعتبار”، لا سيما في ما يتعلق بتحول المؤتمر إلى آلية للمصادقة على القرارات بدل مناقشتها والتشاور حولها.

وتعرضت حركة حمس منذ رحيل مؤسسها محفوظ نحناح في العام 2006، إلى عدة انشقاقات بسبب الخلافات الداخلية حول الخط السياسي للحركة بين ما يعرف بـ “الحمائم” وبين “الصقور”، فضلا عن غياب شخصية ذات كاريزما تعوض الفراغ الذي تركه المؤسس.

وكان الوزير السابق عمار غول، أول المغادرين لحمس حيث اتجه إلى تأسيس حزب تجمع أمل الجزائر (تاج). كما أسس عبدالمجيد مناصرة حركة التغيير. أما مصطفى بلمهدي فأسس مع قياديين آخرين حركة البناء الوطني التي تحالفت في الانتخابات التشريعية الأخيرة مع الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء، وهو تيار إخواني مواز.

وشارك الإخوان في مسار السلطة منذ العام 1995، حيث فضلت السلطة العسكرية آنذاك بقيادة الرئيس السابق اليامين زروال استقطاب ما كان يعرف بـ”حركة المجتمع الإسلامي” (حماس) لتكون بديلا لتغلغل جبهة الإنقاذ الإسلامية في الشارع الجزائري مطلع تسعينات القرن الماضي.

ودخل زعيم الحركة محفوظ في الانتخابات الرئاسية في 1995، رغم علمه المسبق بانحياز مؤسسات الجيش والأمن والإدارة لصالح مرشح السلطة آنذاك زروال. لكن برغماتية الإخوان دفعتهم إلى القبول بالواقع مقابل التموقع في المؤسسات الجديدة كالبرلمان والحكومة.

وظلت حمس أحد شركاء السلطة وأحد أطراف التحالف السياسي الذي دعم الرئيس بوتفليقة منذ قدومه في 1999 إلى غاية العام 2011، قبل أن ينقلب التيار المتشدد في الحركة على القيادة السابقة ويقفز بها من مركب السلطة إلى خندق المعارضة. وبعث إسلاميو الجزائر أواصر التواصل مع الحركات الاخوانية في القاهرة وتونس وتركيا، تحسبا لهبوب رياح الربيع العربي على الجزائر، كما حدث مع إسلاميي مصر وتونس.

4