إخوان السعودية.. الجماعة قبل الوطن والدولة

الجمعة 2013/10/04
آل الشيخ لم يسلم من التطاول الإخواني تهديدا ومحاولات تصفية

الرياض ـ تداولت مصادر إعلامية سعودية وعربية خبر محاولة اغتيال عبد اللطيف آل الشيخ رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم سارعت الهيئة ذاتها إلى تكذيب خبر الاغتيال، لكن الخبر ونفيه، لم يخفيا جبل الجليد المخفي تحت علاقة المؤسسة- ذائعة الصيت- مع تنظيم ديني سياسي مركّب: إخواني وسروري في آن.

لن نتقدم هنا للدفاع هن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أولا لأنها هيئة تواجه انتقادات سعودية واسعة، رسمية وشعبية، فضلا عن الحرص السعودي الرسمي على تطويرها والخروج من عتاقة ميّزتها طيلة عقود، ولعلّ تعيين عبداللطيف آل الشيخ على رأسها العام الماضي يدخل في هذا الإطار.

لكن اهتمامنا سينصبّ على سلوك معارض لعملها ولأدائها، مع تأكيد أحقية معارضتها. لكن المعارضة والنقد وكشف النقائص والهنّات يجب أن تنتمي إلى جنس العمل الفكري السياسي، لا أن تذهب إلى آفاق أخرى تصل محاولة الاغتيال أو التهديد بذلك.

وسواء ثبتت عملية الاغتيال مثلما تداولت ذلك عديد المصادر الإعلامية وأساسا صحيفة الوطن السعودية، أو تأكد عدم صحته، مثلما نفته هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك لا ينفي تسريب معلومات موثقة منذ أغسطس الماضي، تشير إلى نية وعزم الجناح السروري داخل التيار الإخواني، تصفية رئيس الهيئة. ودواعي ذلك ترتبط بالإصلاحات التي بدأ آل الشيخ إجرائها على الهيئة أداء وتنظيما ودورا، ومنها قراره عزل قياديين داخل الجهاز القويّ، ينتميان للتيار المشار إليه، فضلا عن قراره منع المطاردات رسميا، وإلغاء عمل المتعاونين.

الثابت أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تمثل مادة خصبة للسجال السياسي والإعلامي في المملكة السعودية، والأكيد أن طوائف واسعة من المجتمع السعودي تنتقد عملها وترى أنه ظل حبيس العقود الماضية، بل يوجد من يطالب بإلغائها، لكن ذلك كله ينتمي لقاموس غير قاموس الاغتيال أو التهديد به. فالاختلاف مع هيئة أو جهاز أو حتى المطالبة بحذفه، لا تعني تصفية القائم عليه. ولاشكّ أن الجهات المتهمة بالضلوع في محاولة الاغتيال الفاشلة، لم تفعل ذلك نقدا لعمل الجهاز أو بحثا عن تطويره، بل احتجاجا على عزل «إطاراتها» من داخله أولا، ورفضا أو إعاقة لحملة إصلاحات عارمة بدأ آل الشيخ تنفيذها منذ تعيينه على رأس الهيئة في 14 كانون الثاني من عام 2012.

للتيار السروري حكاية طويلة مع المملكة السعودية (نظاما ومجتمعا)، فقد برز هذا التيار وقدم نفسه مزيجا بين الإخوان والسلفية إلى حد أن باحثا سعوديا عرفه قائلا: «محمد سرور زين العابدين جمع بين عباءة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبين بنطال سيد قطب، حتى غدت هذه الشخصية أهم مرجع حركي للشباب الحركي السعودي، من خلال إمساكه بكتاب التوحيد باليد اليمنى، والظلال باليد اليسرى أو من خلال قيامه بعقد قران بين السلفية والقطبية».

كبر الشباب الصحوي السروري، وانتصر «لبنطال سيد قطب» وعاد إلى الخيمة الإخوانية. وهي خيمة آوتهم بعد تعرض الطرفين لضربات موجعة؛ الأولى ارتبطت في المخيال الجمعي السعودي بحادثة الحرم المكي (بقيادة جهيمان العتيبي عام 1979) والثانية كانت بعد حرب الخليج ارتباطا بموقف السروريين من مشاركة المملكة في الحرب ضد العراق.

لكن توتر علاقة السروريين مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم تنطلق من هذا فقط، بل ترتبت على إحساس رموز التيار، بأن مسؤول الهيئة الجديد بدأ بسحب البساط من تحت أقدامهم، بعزل قياداتهم وسحب «تمثيليتهم» داخل الهيئة، وأيضا بإيقاف عمل المتعاونين ومنع المطاردات رسميا، وهما ملفان تشير مصادر سعودية على أنهما كانا يستغلان للتسلط على الناس والإساءة للدولة، إضافة إلى أنهما كانا يدران مداخيل معتبرة لهؤلاء.

وهنا أشارت مصادر سعودية (حسب ما ورد في صحيفة الوطن السعودية) إلى أن بعض رموز التيار السروري داخل الهيئة كانوا يقومون بجمع تبرعات بعشرات الملايين باسم الهيئة لكنها تذهب لقضاء مصالحهم الخاصة.

محاولة آل الشيخ «تطويق» ومحاصرة نفوذ التيارات الإخوانية السرورية داخل الهيئة، يمثل صدى لما نجح النظام السعودي في القيام به منذ سنوات، وتمثل في محاصرة هؤلاء في مناطق نفوذهم وأساسها التعليم والمساجد والجمعيات الخيرية فضلا عن الفضائيات التي هيمنوا عليها ووظفوها طويلا لخدمة أطروحاتهم.

ومن الأكيد أن تشديد الحصار على هذه التيارات سيجعلهم يدافعون بضراوة عن قلاعهم الأخيرة، ومنها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يضاف إلى ذلك بعد آخر خارجي يتمثل في أن التيارات الإخوانية السعودية، لم تغفر للملكة السعودية وقوفها ومساندتها للهبة الشعبية في مصر في 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين في مصر.

والتيارات الإخوانية السعودية تتفق في هذا الصدد مع كل التيارات الإخوانية العربية والإسلامية التي أبدت ولاء للتنظيم الإخواني الأم على حساب الانتماء لأوطانها.

عندما نربط كلّ ما تقدم بالسجل الإخواني الحافل بالعنف والقتل والاغتيال، فإننا لا نجد هذه الحادثة غريبة أو جديدة على «الفعل الإخواني» الذي لم يتوقف عن إنتاج العنف؛ فعلا وتبريرا ووصما بالعار وتأثيما وتكفيرا.

ولعل ذلك ينبع من مناهل فكرية ترتبط بإرث سيد قطب ومحمد قطب الفكري والإيديولوجي (في ما يعرف بجاهلية المجتمعات) ومن مناهل عيانية تاريخية تنطلق من تاريخ الجماعة الأم التي لم تنتظر أكثر من عقدين بعد تأسيسها لتنطلق في التصفية وقتل الخصوم، والدليل على ذلك أن الجماعة تأسست عام 1928 ودشنت تاريخها الحافل بالاغتيال بتصفية أحمد الخازندار في 22 آذار 1948 ثم النقراشي باشا في كانون الأول من العام نفسه.

نعود إلى مسألة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لنشير إلى أن نقد قصورها وعللها وهناتها، أو حتى ماهية وجودها لا يعني ضرورة التحول للاغتيال أو التهديد، فلاشك أنه توجد طرق شتى لممارسة نقد أجهزة من هذا القبيل.

لكن المريب في المسألة أن التيار الذي تنسب إليه محاولة الاغتيال لم يقم بذلك، رغبة في تحسين أداء الهيئة بل كان ذلك لمصالح وغايات تعتمل في نفوس من دبّر وخطط وحاول تنفيذ الاغتيال.

حادثة عبداللطيف آل الشيخ، تقدمُ قرينة أخرى على أنه لا يوجد بلد عربي إسلامي واحد معفى من أذى الإخوان المسلمين ومن لفّ لفهم، ومهما تغيّرت الأرضيات الاجتماعية والدينية والفكرية وتفاوتت بين بلد وآخر، إلا أن نزوع واستعداد الإخوان إلى الذهاب بعيدا في العنف هو نفسه.

وتكفي عودة سريعة إلى التاريخ المعاصر لكل أقطارنا العربية، لتبيّن أنه لا يكاد يوجد بلد واحد سلمَ من فعل الإخوان العنيف، وحتى الأقطار التي تمكنت من تفادي وتجنب عربدة الإخوان على أراضيها، فإنها عانت من أذى فعلهم خارجا في إطار «الجهاد العالمي» أو ما شابه ذلك.

والحادثة تقيم الدليل أيضا أن الإخوان وبقية التيارات الإسلامية، لم ترق يوما إلى مستوى الحركات التي تقدم الاقتراح والتصور والفكرة، بل ظلت دائما حركات «احتجاج» تستند في احتجاجها على العنف والتصفية.

13