إخوان الصفا المفترى عليهم بين الإعجاب والعجب

الجمعة 2013/09/27
رشيد الخيون يردّ في كتابه الجديد على ما شاب تاريخ هذه الجماعة

العرب- في محاولة فكرية لاستعادة زمن الإزدهار الثقافي والفكري في القرن الرابع الهجري في بغداد، يصدر قريبا للكاتب والباحث العراقي رشيد خيون عن دار "مدارك" كتاب جديد بعنوان "إخوان الصفاء المُفترى عليهم.. إعجاب وعجب".

"العرب" تنشر قطوفا من الدراسة، التي تضيء على إخوان الصفا بطريقة تكشف عن إنسانوية فكرهم، وترفعه عن الانتماء إلى أي من المذاهب الإسلامية. وقد لجأ الكاتب إلى هذه الاستعادة لإخوان الصفا، انطلاقا من شعوره بحاجة الثقافة العربية اليوم إلى تقديم نماذج من الإرث الفكري الكبير للإسلام ، بعيدا عن الغرضية السياسية، والتوظيف السياسي اللذين ميزا كثيرا من محاولات استلهام التراث الفكري للمسلمين.

تناول الباحث رشيد الخيون قضية اختلاف المؤرخين والباحثين في معرفة من هم إخوان الصفا، وليس لدينا سوى رسائلهم التي أسموها البستان، ولم نحصل سوى على بعض الأسماء التي ذكرها أبو حيان التوحيدي.

وإخوان الصفاء هم جماعة ظهرت بين نخيل البصرة، في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، تسمّوا بإخوان الصفا، وكتبوا 52 رسالة، فيها مِمّا نحتاج إليه هذه الأيام، مِن انفتاح لنا أن نسميه "ليبرالية"، ونظرة في الطبيعة والمجتمع لنا أن نسميها "علم". حارت في رسائلهم الأذهان واختلفت في وجودهم الروايات، شتموا كثيراً ولم يشتموا أحداً. إنهم فكروا وكتبوا بالبصرة، لكن قبل ألف عام. فتأمل خزي الحاضر.


حكم رمزي


في هذه الطبعة يرد العنوان "إخوان الصَّفا المُفترى عًليْهم… إعجاب وعجب"، وكان المقترح مِن النَّاشر صاحب الدَّار، باعتبار أن الكتاب في فصوله الأربعة جاء رداً على ما شاب تاريخ هذه الجماعة.

بدءاً مِن إنكار وجودهم ومحاولات إنكار حقهم في تأليف الرَّسائل، ونسبتها إلى أكثر مِن شخصية، إلى زجهم في صراعات سياسية مذهبية، وتكفيرهم وتفسيقهم، ورميهم بالشعوذة ورداءة التَّأليف، إلى جانب ما ورد في كتابنا هذا، في الفصل الثَّاني، من توضيح إهمال ظلالهم على مقدمة ابن خلدون (ت 808 هـ)، حتى بنى مجداً معرفياً بفضل ما أخذه مِن رسائلهم دون الإشارة إليهم ولو بكلمة.

وعن آرائهم وأفكارهم أوضح الخيون أن الحكم الذي يريدون هو حكم رمزي أي حكم أهل الخير الذين يترأسهم الحكماء. تلك الدولة هي غايتهم القصوى، لا ينالونها عبر ثورة أو خروج على السلطان بإشهار السيوف، وإنما عبر تهيئة المجتمع، ونقله إلى مستوى الحكمة والمعرفة التامة رغم أنهم لم يعطوا شكلا واضحا لهذه الدولة، هل هي خلافة بالبيعة أم وراثية في الإمامة سوى أنها دولة العدل الاجتماعي المطلق؟ وأشار إلى أن رسائل إخوان الصفا تركت ظلالها على مقدمة ابن خلدون رغم أنه لم يشر إلى رسائلهم حول الدولة والمجتمع.


مشعوذون أم علماء


كما اختلف المؤرخون في وصفهم هل هم مشعوذون أم علماء فلك وطب وطبيعة وغيرها. وأضاف الخيون أن السؤال لماذا هذا الكتمان في إعلان أسمائهم؟ البعض فسره بأنه من مخافة سلطان زمانهم، مع أن ليس في رسائلهم خروج عليه، وقيل هو حفاظا على تنظيمهم السري، ولا أجد لديهم تنظيما، مثلما حاول معاصرون تأويل ما ورد في الرسائل على أنه تنظيم سري ثوري شبيه بالأحزاب السرية اليوم، كما قالوا في سبب الكتمان: خشية أن تقع الرسائل بيد من لا يفهمها، ولا يقدر مضمونها، فيساء فهمها، وهم يرون أن الكلام على قدر العقول، والرسائل كتبها أناس على مستوى من العلم والحكمة.

ما تناوله إخوان الصّفا وخِلان الوفا من قضايا، قد تتوجس منها شرائح مازالت تعيش عنعنات الماضي بل ثقافة الكهوف المظلمة منه، فكرية وفقهية على حدٍ سواء، مؤثرة في عصرنا الحاضر إلى درجة الطّعن في دين من يتناول شأن هؤلاء بالإعجاب؟!

أي ما جاء في رسائلهم من أفكار وإيماءات في النّظر إلى ظواهر الطّبيعة بعقول مبصرة في ذلك الزَّمن الغابر، القرن 4 هـ /10 مـ، ودفاعهم عن الفلسفة أو الحكمة، التَّي وصل الحال آنذاك، وحتى اليوم، إلى منعها وتحريمها، وكم قتيل سُفك دمه دونها، ولمحمد مهدي الجواهري ما يُطرب العصور كافة، عندما قال في مبصر المعرة وفيلسوفها أبي العلاء، وهو ما يقترب مِن هذه الجماعة، إن بالمباشرة أو غير المباشرة (قصيدة قف بالمعرة 1944): "لثورة الفكر تأريخ يحدّثنا/ بأنّ ألفَ مسيح دونها صُلِبا".


الدفاع عن التنجيم


وبعد الإعجاب يأتي العَجب مما تضمنته رسالتَّهم في السّحر والعزائم، ودفاعهم عن التَّنجيم والمنجمين، كون ما قرأناه في هذه الرِّسالة جاء نقيضاً لِما ورد من علمية وواقعية وعقلانية في بقية رسائلهم، في النّظر إلى ظواهر الكون الطّبيعية منها والاجتماعية، قياساً بزمانهم وزماننا أيضاً فهو الآخر مازال مشوباً بالرداءة، كذلك كان طعنهم في الجدل والمناظرة يثير العجب والتَّعجب في الوقت نفسه! أي كيف لمحبي الفلسفة إلى هذا الحد من الانفتاح العقلي يعترضون على المناظرة؟ وهل هناك فلسفة وفكر وعلم بلا جدل؟!

هذا إلى جانب ما ورد من خزعبلات في آخر رسالة من رسائلهم، والتَّي اختصت في السّحر والطّلاسم وغيرهما، وسماح القرن العاشر الميلادي، والبصرة بالذّات، بوجود أناس يفكرون بكل هذا التَّفكير المتنور، ليضاء به جانب من ظلمة عصرنا.

ويتأكد بعد البحث في رسائل إخوان الصَّفا وخِلان الوفاء قبل إنجاز هذا الكتاب، وهذا عذر الخيون في وسمه بـ"الإعجاب والعجب" بعد عبارة "المفترى عليهم"، يقول:" فمهما بلغ عجبي وتعجبي إلا أن الانحياز يبقى لجرأتهم وأفكارهم في نبذ التعصب قائماً. أقصد الإعجاب بما ورد في الرّسائل مِن نصوص علمية ومواقف منحازة للحرية، وفي ذلك الزّمن (القرن الرّابع الهجري)".

وما يثير الدهشة والعجب أيضاً من خزعبلات وشعوذات زماننا الحاضر (القرن الخامس عشر الهجري)، أن هناك أناسا مازالوا ينظرون إلى الأرض على أنها مسطحة، وهي واقفة لا تدور، وأن تداوي الأمراض المستعصية وغير المستعصية بطرد الجن من الأبدان مازال جارياً، ويذاع هذا التقهقر عبر أرقى التَّكنولوجيات، أي الأقمار الصّناعية، فهناك فضائيات خاصة بهذا الغث، ووسائل الاتصال الإلكترونية مشغولة به.


لولا التوحيدي

أهل الصفا هل هم مشعوذون أم علماء فلك


إخوان الصّفا وخلان الوفا يضيفون لهذا الاسم، الذي اشتهروا به، في أول سطر من فهرست الرّسائل: "وأهل العدل وأبناء الحمد، وهم جماعة عراقية بصرية، ظهرت في القرن الرّابع الهجري، حسب شهادة أغلب مجايلهم، مِن أبرز أدباء عصرهم، مثل أبي حيان التَّوحيدي (ت 414هـ)، وشاعت رسائلهم، وذاع صيتهم في الوراقين، أي أسواق الكتب، بلا أسماء المؤلفين".

وقد أكثرَ القائلون في سبب هذا الكتمان، منه مخافة سلاطين زمانهم، مع أنه ليس في رسائلهم فعل يفسر بالثورة أو الخروج، وإذا قلنا إن سبب كتمانهم كان الحفاظ على تنظيمهم السّري، فأنا لا أجد لديهم تنظيماً، مثلما حاول معاصرون تأويل ما ورد في الرّسائل على أنه تنظيم سري ثوري شبيه بالأحزاب السّرية اليوم.

لقد أفصحوا عن سبب الكتمان، مبطلين التوقعات كافة، وهو الخشية من أن تقع الرّسائل بيد من لا يفهمها، ولا يقدر مضمونها، فيُساء لها، وهم يرون أن يكون الكلام على قدر العقول، والرّسائل كتبها أناس على مستوى من العلم والحكمة.

صحيح أن الظاهر مِن هذا التعليل أنهم يقصدون العامة مِن النَّاس، لكن هذا لا يمنع أن يتضمن خشيتهم مِن السُّلطان أو القاضي أو الفقيه، الذي لا يفهم ما في الرسائل فيرفع ضدهم سيف التكفير!

ولولا رواية التَّوحيدي، في "المقابسات" و"الإمتاع والمؤانسة" لضاع خبر هذه الجماعة، وما كان له أن يخبر عنهم لولا سؤال ابن سعدان (ت 375هـ)، وهو وزير صمصام الدّولة بن عضد الدّولة البويهي، العام 373هـ، لما بادره بسؤال وتشكيك عن زيد بن رفاعة، بما يعني أن الوزير كان له علم بهذه الجماعة.

ومع ظهور أسماء إخوان الصّفا، حسب رواية التَّوحيدي، إلا أن مؤرخين وكتاب نسبوها إلى أسماء عدة، ومنهم من صحح خطأه بعد الاطلاع على معلومة التَّوحيدي. فنسبت إلى المعتزلة، وإلى أحد الأئمة العلويين، ولم ينته الأمر عند القدماء الذّين ربما لم يطلع بعضهم على ما كتبه التَّوحيدي، إنما ظل الحال حتى عصرنا الحالي، وهناك مَن نسبها إلى أحد الأئمة الإسماعيليين أحمد بن عبدالله، فقد جاء في الطّبعة الهندية (1887) ما نصه: "كتاب إخوان الصّفا وخلان الوفا للإمام قطب الأقطاب مولانا أحمد بن عبدالله، رحمه الله تعالى، وهو على أربعة أقسام".

لكننا من خلال قراءة الرّسائل لا نقف على مذهب لهم، بل نجد مذهبهم اللامذهبية، ولو كانوا على مذهب الإسماعيلية لبان ذلك في عبارة أو إشارة، على العكس نلاحظهم ينفون عن أنفسهم الانتماء إلى أي مذهب كان، فهم يقدمون أنفسهم حركةً فكريةً ودعوةً ثقافيةً، لا يدعون الثّورة ولا الحق بالإمامة، فهم أنصار الفلسفة إلى أبعد ما يكون، يعتبرون الأنبياء، ويعبرون عنهم بالشّريعة، والحكماء أي الفلاسفة، فهم المنقذون للإنسانية مِن الجهل والظّلم، حتى القربان فسروه بقربان ديني شرعي وقربان فلسفي.

15