إخوان العالم يراقبون بلديات تونس

الانفتاح المبالغ فيه والذي تبديه حركة النهضة في سياساتها الدعائية والانتخابية، يعزز بقوة مطامح جامحة من أجل العودة إلى قيادة الحكم.
الثلاثاء 2018/04/24
تحدي كبير لتثبيت أقدام حزب حركة النهضة في السلطة

غيّر الإسلاميون في تونس الكثير من جلدهم على مدار سنوات قليلة وتحديدا منذ سقوطهم السريع في انتخابات عام 2014، بعد تجربة حكم مرتبكة في بداية الربيع العربي.

مع ذلك يتصدر حزب حركة النهضة، حامل لواء الاسلاميين في تونس، قائمة الأحزاب الأكثر احتراما لمبدأ التناصف بين الجنسين في القائمات الانتخابية المرشحة للانتخابات البلدية (المحلية)، بل إن الحزب لم يتورع في التخلي عن شرط الحجاب الضمني والدفع بمرشحات سافرات وسراويل الجينز الممزق أحيانا في عدد من الدوائر المحسوبة على العلمانيين.

وهذه مفارقة تزداد رمزية كون حزب حركة نداء تونس الذي يقود الائتلاف الحكومي ويسوق لنفسه كمؤتمن على حقوق المرأة ووريث لفكر الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، جاء متأخرا في ملعبه عن النهضة الاسلامية، ونظريا ما كان يتوجب عليه خسارة هذه النقطة بالذات لأنها تمنح لخصمه الأيديولوجي نقاطا سياسية مضاعفة.

والنهضة الإسلامية أيضا فسحت المجال لتسويق صورة التنوع الإثني والديني على قائماتها الانتخابية، بأن رشحت مواطنا يهوديا ضمن إحدى قائماتها في مدينة المنستير، وهي التي عرفت تاريخيا بمعقل البورقيببيين، لتوجه ضربة ثانية لم تكن متوقعة للندائيين في ملعبهم مرة أخرى.

ربما لا يدخل هذا التغيير ضمن قناعات سياسية راسخة للإسلاميين، لكنه يؤشر في مطلق الأحوال عن استعداد غير مشروط لمجاراة المرحلة والتعاطي مع الاستحقاقات بأكثر براغماتية. لن يضر الحزب في شيء إذا تقدم خطوتين وتأخر بخطوة في سبيل التمكن وتفادي السيناريوهات الكارثية التي حفت بالحركات الرديفة في دول أخرى.

ومنطقيا هناك عوامل عديدة يمكن أن تبرر هذا النزوع السياسي إلى التغيير وتقديم التنازلات، والقبول في ما سبق بفصل الوظيفة الدعوية للحزب وإدراجه في دائرة الأحزاب السياسية المؤمنة (حتى إن كان ظاهريا أو مؤقتا) بالجمهورية ومدنية الدولة.

لا يمكن التغافل بأي شكل عن وقع الارتدادات الإقليمية التي أحدثتها الإطاحة بحكم الإخواني محمد مرسي في مصر، وتقلص الزخم الذي أحاط بالحركات الإسلامية الصاعدة حديثا إلى الحكم والقيادة (المغرب وليبيا)، كما لا يمكن تجاهل كابوس الانقلاب العسكري الفاشل ضد حكم حزب العدالة والتنمية في تركيا والحصار الخليجي المطبق على قطر، المتهمة الأولى دوليا بدعم الجماعات الإسلامية.

ولا يمكن التغاضي أيضا عن مخلفات أعمال العنف والإرهاب التي دمرت دولا وشردت شعوبا في المنطقة العربية بعد سنوات أولى من الاندفاع والتهليل بموجة الربيع العربي، كنسخة جاهزة للتصدير إلى جميع الدول. لم تكن حركة النهضة والتنظيمات الإخوانية المرادفة والدول الداعمة لها، بمنأى عن المسؤولية السياسية في كل ما حدث من تدمير ممنهج.

وفي الواقع فإن سياسة الإسلاميين في الوقت الراهن هي أقرب إلى وضعية المشي على حبل مشدود، حيث يتوجب على زعيم الحزب راشد الغنوشي أن يبقي على حالة الاطمئنان بين الشركاء والخصوم في آن واحد، والأهم من ذلك البقاء شريكا في الحكم، وهي وضعية تقدم للحزب ضمانة سياسية وطوق نجاة من أي هزات غير متوقعة.

ولا يتعلق الأمر بطمأنة الداخل فقط إذ تلقى على عاتق النهضة الإسلامية مهمة إعلاء محور الدول والتنظيمات الإقليمية الملهمة لها، والتي تدور في فلكها، بتونس باعتبارها منصة اختبار يعتد بها دوليا قياسا إلى ما آل إليه الربيع العربي في مناطق أخرى.

لكل ذلك ينظر إلى الحزب الإسلامي اليوم كحامل مشعل للحركات الإسلامية المتموقعة في السلطة في العالم.

والتحدي الأكبر أمامه هو تثبيت أقدامه في السلطة، إن كان عبر صناديق الاقتراع أو عبر تحالفات وائتلافات حتى مع الخصوم.

وانطلاقا من الانتخابات البلدية فإن هناك أكثر من دور يتوجب على حركة النهضة لعبه. يتعلق الأمر في المقام الأول باستعادة ثقة الشارع التونسي ومعها الأصوات المهدورة في انتخابات 2014، ثم الاستحواذ على النصيب الأكبر من المجالس البلدية القريبة من المواطنين، بما يسمح للحزب بأن يستعد بأفضل طريقة ممكنة للانتخابات التشريعية والرئاسية بعد عام واحد.

ولأن الغاية تبرر الوسيلة فإن الانفتاح المبالغ فيه والذي تبديه حركة النهضة في سياساتها الدعائية والانتخابية، يعزز بقوة مطامح جامحة من أجل العودة إلى قيادة الحكم. فنجاح الإسلاميين في مختبر الديمقراطية الناشئة بتونس، حتى وإن كان نسبيا، من شأنه أن يمنح التنظيمات الشبيهة في المنطقة صك المشروعية للبقاء وإعادة التموقع برداء جديد.

7