إخوان بريطانيا ينتصرون في أوهامهم على تقرير لم يصدر بعد

الاثنين 2014/09/22
مظاهرة أمام مقر التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين في 113 شارع كريكل وود شمال لندن، تطالب بطرد الجماعة من المدينة

لندن - نتائج التحقيق البريطاني المتعلّق بفتح ملف جماعة الإخوان المسلمين، الذي أعلن عنه رئيس الوزراء ديفيد كامرون في أبريل الماضي، لم تصدر بعد، وهو ما حدا بعناصر الجماعة إلى نشر إشاعات مفادها أن بريطانيا فشلت في مساعيها القاضية بتصنيف التنظيم “إرهابيا”، غير أن المنطلقات والأهداف التي قام على أساسها التقرير تفيد بأن الغاية لم تكن أبدا منوطة بهذا الهدف فحسب، بل هي تتعداه إلى ما هو أعمق، وتلامس أبعاد التهديد الاستراتيجي الذي يمكن أن تمثّله ظاهرة الإسلام السياسي ككل.

منذ أن أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، في أبريل الماضي، عن التحقيق الحكومي المتعلق بتنظيم الإخوان المسلمين، سرت شائعات كثيرة حول نتائجه. وقد اعتبر أعضاء التنظيم المصريون المقيمون في لندن وعدد من مؤيديهم في بريطانيا، أنّ التحقيق حيلة ملفقة من كاميرون تهدف إلى استرضاء حكومات منطقة الخليج، قصد تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ”منظمة إرهابية”.

وفي الآونة الأخيرة، فسرت بعض الإشاعات تأجيل الحكومة لعمليّة الكشف عن نتائج التحقيق بعجزها عن العثور على أيّ دليل يربط التنظيم بالإرهاب. وغالبا ما يعمد عناصر الإخوان إلى نشر هذه الإشاعات الخاطئة، والتي تستند إلى إدراك وتفسير خاطئ لأهداف التقرير وتطوّره.


ماهي الغاية من التقرير؟


من المستبعد جداً أن ينجح التحقيق في تصنيف تنظيم الإخوان المسلمين كـ”منظمة إرهابية”، ولكن قد يخمّن بعض المراقبين -من المُلمّين بقانون مكافحة الإرهاب البريطاني والصفات المميزة لتنظيم الإخوان المسلمين- أن التقرير يطمح خاصة إلى حظر نشاط التنظيم على التراب البريطاني. إلّا أنّ المتطلبات القانونية البريطانية لتحقيق هذه الخطوة تبقى صارمة جداً، فعلى مدى العقد الماضي باءت معظم محاولات الحكومة البريطانية لحظر جماعات أكثر تطرفاً من جماعة الإخوان المسلمين –على غرار التنظيمات السلفية المتطرفة- بالفشل، سواء بسبب القانون البريطاني نفسه، أو التدقيق الصارم الذي تفرضه المحاكم البريطانية.

لكن الحكومة البريطانية –التي وضعت أهدافا مختلفة تماما لتقريرها- كانت مدركة لهذه الديناميكيات منذ البداية. فبغض النظر عن الأسباب التي تحفّز التحقيق، فإنّ جذوره تعود إلى خطاب كاميرون الذي ألقاه بمونيخ عام 2011، حيث صرح رئيس الوزراء البريطاني، حينها، باقتناعه أنّ أُسس الإرهاب الذي يُمثّله تنظيم القاعدة ينبع من التطرف الذي تُمثّله جماعات أخرى على غرار جماعة الإخوان المسلمين. وقد شكّل هذا الخطاب سياسة حكومة كاميرون بهذا الشأن، إذ أنّها ترى في الإخوان منبعا لأيديولوجية سامة تجد في الإرهاب أبرز تجلياتها، إن لم تكن الوحيدة. لذلك فالهدف الحقيقي من هذا التحقيق البريطاني لا يكمن في تصنيف تنظيم الإخوان كـ”منظمة إرهابية”، بل في إجراء دراسة استقصائية على نطاق حكومي حول مجموعة مازالت تمثّل كيانا غامضا في نظر معظم المسؤولين البريطانيين، على الرغم من احتلالها لمركز شديد الأهمية، سواء على الصعيد العالمي أو على الصعيد المحلي.

التقرير دقق في إمكانية أن تشكّل جماعة الإخوان المسلمين وعلى نطاق أوسع الإسلام السياسي تهديدا استراتيجيا لبريطانيا.


هل يدرك المسؤولون حقيقة الإخوان؟


خلافا للمعتقد المتداول في العالم العربي، فإنّ أروقة السلطة في لندن لا تعجّ بالمسؤولين المُدركين لماهية جماعة الإخوان المسلمين وأيديولوجيتها وأهدافها وأسلوب عملها. بل هم ينحصرون في بعض الاستثناءات الملحوظة، وغالبا ما تستند آرائهم في هذا الصدد إلى آراء بعض المعلقين من خلايا التفكير البريطاني أو الجامعات، الذين يكونون إمّا أعضاء تابعين للتنظيم نفسه أو على علاقات مالية وطيدة به وبمختلف مُموّليه. ولذلك تنسج آراؤهم المتعاطفة والمؤثرة صورة مثالية عن التنظيم، وتُروج لاعتداله مُنكرة تطرّف آرائه وأعماله.ومن جهة أخرى، فقد تمّ تهميش معظم نقاد التنظيم، الذين غالبا ما يفتقرون إلى أيّ دعم من المؤسسات الممولة.


كيف تم تقسيم محاور التحقيق؟


تدرك الحكومة البريطانية الحالية جيدا هذه الديناميكيات، وتسعى بجدّ إلى تصحيحها. لذلك، بادرت إلى تقسيم التحقيق إلى شقين؛ يسعى الأول، برئاسة وزارة الخارجية، إلى تحليل طبيعة أنشطة مختلف منظمات الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في العالم العربي. فجماعة الإخوان المسلمين ليست تنظيما متجانسا، ولكنّها تملك فروعا لها في 90 بلدا، ممّا يجعل التدقيق في أنشطتها عملية معقدة بشكل خاص، باعتبار أنّ لكل فرع تاريخه وطريقة عمله. ومن الواضح أن مشاركة بعض هذه الفروع في أعمال العنف تستقطب اهتماما خاصا. في بعض البلدان، تبقى صلة الفروع بتنظيم الإخوان المسلمين واضحة، كماهو الحال، على سبيل المثال، مع حماس (التي يعرّفها ميثاقها نفسه بأنها “فرع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين”)، أو في الآونة الأخيرة، الفرع الليبي للتنظيم، الذي شارك في صراع عنيف، إلى جانب حلفائه من السلفية، ضد الميليشيات المتناحرة. أمّا في بلدان أخرى، فتبقى صلة الفروع بالعنف غير مباشرة أو منعدمة. وتجعل هذه التعقيدات من تصنيف التنظيم بأكمله كـ”منظمة إرهابية” (كما هو الحال بالنسبة لحماس) أمرا يكاد يكون مستحيلاً في المملكة المتحدة.

أمّا الشق الثاني من التقرير فقد عمد إلى التدقيق في أنشطة التنظيم داخل بريطانيا التي تُمثّل تاريخيا أحد المحاور الرئيسية لأنشطة الإخوان في الغرب. إذ توفّر المملكة المتحدة سياسات لجوء سياسي مُتساهلة، ممّا خوّل لأعضاءمن فروع مختلفة من جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، الاستقرار في بريطانيا، على مدى العقود الخمسة الأخيرة. ففي أواخر فترة التسعينات من القرن الماضي، كان الأمناء العامون للفروع؛السورية والعراقية والتونسية للإخوان المسلمين يعيشون في لندن.

أنشطة الإخوان تسببت في ظهور انقسامات وتوترات بين المسلمين والتيار الرئيسي للمجتمع البريطاني


كيف تمدّد الإخوان في بريطانيا؟


أنشأت كل مجموعة “وطنية”، تابعة للإخوان، هياكل واسعة لها داخل المملكة المتحدة، وبادرت بجمع الأموال، ونشر مختلف المؤلفات، وتنظيم الأحداث، والضغط، والقيام بمجموعة واسعة من الأنشطة التي تهدف أساسا إلى دعم قضيّتهم. فقد اتّخذ أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين وصلوا إلى المملكة المتحدة منهجين متعارضين للإقامة بها؛ ففي حين فضّل البعض الانعزال والتركيز أساسا على دعم النضال الجاري في بلدانهم الأصلية، اختار البعض الآخر في نهاية المطاف تركيز جزء كبير من طاقاته على مجتمعات المسلمين البريطانيين، وعلى نطاق أوسع، المجتمع البريطاني ككل، وإن لم يعن ذلك تجاهلهم للصراعات التي كانت دائرة في بلدانهم الأصلية، وفي المنطقة ككل.

وفي منتصف التسعينات، بدأت المجموعة الثانية في إنشاء منظمات جديدة، أهمّها “رابطة المسلمين في بريطانيا” التي تهدف أساسا إلى التأثير على طبيعة النقاش الدائر حول الإسلام داخل المجتمعات الإسلامية البريطانية، ودوائر السياسة والجمهور البريطاني بصفة عامة.

وقد قامت الكيانات المتعددة، التي أنشأها نشطاء الإخوان على مدى السنوات العشرين الماضية، بتعزيز هذه الجهود شأن؛ منابر الفكر والتعبئة، الجمعيات الخيرية، القنوات التلفزيونية والعديد من أشكال النشاط السياسي الأخرى. وقد نجحت هذه المبادرات في نشر الفكر الإسلامي –الذي غالباً ما يتمّ صقله لملائمة البيئة البريطانية- بشأن القضايا العالمية والمحلية.


أي خطر يمثله الإخوان على بريطانيا؟


حذر بعض المسؤولين البريطانيين، وكذلك عدد من المراقبين، منذ فترة طويلة، من الآثار السلبية التي يمكن أن تترتّب عن أنشطة شبكات الإخوان المسلمين في البلاد على المجتمع البريطاني.

حيث أشاروا إلى أنّ هذه الشبكات قامت بنشر شعار “نحن ضدّهم” داخل المجتمعات الإسلامية البريطانية، وهو ما تسبّب في ظهور انقسامات وتوترات بين المسلمين البريطانيين والتيار الرئيسي للمجتمع البريطاني.ومن جهة أخرى أوضحوا كذلكأنّ جماعة الإخوان المسلمين، وإن لم تشارك مباشرة في أيّ أعمال عنف داخل المملكة المتحدة، إلّا أنّها قامت بنشر أيديولوجية كوّنت أرضا خصبة داخل المجتمعات المسلمة البريطانية لبروز المجموعات الجهادية، وهي ظاهرة مثيرة للقلق هذه الأيام، في ظلّ مواجهة بريطانيا لواقع مشاركة مئات من شبانها في القتال في صفوف “الدولة الإسلامية” في كلّ من سوريا والعراق. هذه الديناميكيات المحلية، وإن لم يدركها الجمهور العربي جيدا، إلّا أنّها على نفس قدر أهمية الديناميكيات التي تجري في منطقة الشرق الأوسط، على مستوى تأثيرها على الحكومة البريطانية للمبادرة بتنفيذ عملية التحقيق في أنشطة الإخوان المسلمين.

خلاصة القول، من غير المحتمل أن ينجح التحقيق في نهاية المطاف في تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ”منظمة إرهابية”، إلّا أنّ هذا العجز يبقى انتصارا واهيا للمجموعة ومن يؤيّدها، باعتبار أنّ طموحات التقرير لم تشمل أبدا هذا الهدف منذ البداية. فقد دقّق التقرير في الواقع ، بدلاً من التركيز على مسألة الإرهاب فحسب، في إمكانية أن تشكّل جماعة الإخوان المسلمين- وعلى نطاق أوسع الإسلام السياسي- تهديدا استراتيجيا لبريطانيا. وفي هذا الصدد، هناك الكثير من المؤشرات التي تبين أنّ التقرير سيحمل إجابة بالإيجاب في ما يتعلق بهذه النقطة تحديدا.

7