إخوان سوريا.. هل يحضرون أنفسهم لاستلام الحكم؟

الاثنين 2013/10/21
إخوان سوريا يعملون على توسيع قاعدتهم الجماهيرية استعدادا لما بعد الأسد

دمشق - بالرغم من عودة جماعة الإخوان في سوريا كقوة سياسية كبيرة منذ اندلاع الثورة قبل أكثر من سنتين ونصف إلا أنه لا يمكن لأي طرف تحديد مدى قوة وشعبية الجماعة داخل سوريا، ولا يمكن الحكم على قوتهم بعد سقوط النظام، خاصة وأن ظروفهم تختلف عن ظروف إخوان مصر، فهم حلفاء أساسيون لتركيا التي يحكمها إسلاميون، وحلفاء لحركة حماس ولحركات إسلامية في لبنان والعراق، أي أن جميع دول جوار سوريا عدا الأردن حلفاء للإخوان ومن المتوقع أن يقدّموا لهم في الوقت المناسب دعما كبيرا لاستلام السلطة بغض النظر عن موقف دول عربية أخرى كالسعودية ومصر.

غالبية قوى المعارضة السورية من غير جماعة الإخوان المسلمين تقول إن شعبية الإخوان المسلمين على الأرض في سوريا متواضعة خاصة بعد نحو أربعة عقود من حظر الجماعة فيها، وتؤكد على أنه لا يمكن لهم تأسيس قاعدة شعبية خلال عامين، خاصة وأن هذه الحركة تعمل من المنفى منذ أكثر من 30 عاما بعد أن حظرها الرئيس السابق حافظ الأسد وأصدر القانون 49 الذي يقضي بالإعدام لكل من ينتسب لهذه الجماعة، والذي مازال ساريا حتى اليوم.

الجماعة التي عملت خلال عقود في المنفى، تبذل كل إمكانياتها لتوسع قاعدتها الجماهيرية وقيادتها للمعارضة، وخاصة المجلس الوطني وائتلاف قوى الثورة والمعارضة، ويساعدها في تحقيق التقدم في هذا الاتجاه ضعف التيارات المدنية الديمقراطية واليسارية وانقسامها وقلة خبرتها السياسية وانتهازية بعضها أحيانا، والتي تحاول أحيانا أن تعيش على أخطاء الإخوان أكثر مما تعتمد على أدائها الذاتي.

استمرت جماعة الإخوان بسوريا في تلميع تنظيمها وتطويره ومنحه بعض المواصفات الديمقراطية، فقد أقامت تحالفا جديدا مع التيار الديمقراطي في المعارضة السورية، وأعلنت تأسيس أول مكتب علني لها في حلب شمال سوريا بعد ثلاثة عقود من العمل السياسي السري في المنافي، كما أعلنت عن نيتها تأسيس حزب سياسي علني لا يحمل اسم الجماعة ولا يخضع لها.

وحول نيّة جماعة الإخوان المسلمين في سوريا تشكيل حزب سياسي، قال د. زهير سالم، الناطق الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين في سوريا لصحيفة «العرب»: «إن مشروع الحزب السياسي الذي أعلنت الجماعة عنه منذ أعوام من مرحلة ما قبل الثورة، ما زال مطروحا بجدية على الأجندة الإخوانية، وهناك فريق إخواني على أعلى المستويات التنظيمية (نائب مراقب عام) متخصص في متابعة إخراج الفكرة إلى الواقع، وربما من المفيد أن نضيف بأن الجماعة، وتفاعلا منها مع معطيات الثورة والواقع، قد طوّرت فكرة هذا الحزب -بحيث لا يكون حزب «واجهة» أو حزب «ذراع سياسي»- إلى حامل وطني مفتوح ومستقل للأفكار والأهداف في إطار مدني متعدد ومفتوح بمرجعية إسلامية، وقد خطت الجماعة على طريق الإعلان عن هذا الحزب خطوات مهمة في تقرير الأدبيات وتجميع المشاركين واختيار بعض القيادات، وربما ينتظرون بعض الظروف السياسية المساعدة للإعلان عن هذا الحزب».

وفي ما إن كانت الجماعة مازالت ملتزمة ببرنامجها السياسي الذي أصدرته عام 2004 والذي يدعو إلى إقامة دولة دستورية مدنية ترفض حكم رجال الدين والتسلط والدكتاتورية والشمولية وحكم الحزب الواحد، وينادي بدولة مواطنة تمثيلية تعددية تداولية مؤسساتية قانونية، قال سالم، مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية «إن مشروع الجماعة السياسي (2004) ومن قبله ميثاق الشرف الوطني (2001) وكذلك وثيقة العهد والميثاق الوطني (2012)، كل هذه الوثائق هي تعبير عن رؤية إسلامية وفكرية وحضارية للجماعة ربما تميزها عن بعض الطروحات الإسلامية الأخرى، وتقرّبها أكثر من الشعب السوري الذي هو مدني ومنفتح بطبعه»، وأضاف «لا أذيع عليكم سراً أنه في إطار المداولات الداخلية، إن العديد من الإخوان الذين كانت لهم تحفظاتهم على الوثائق المذكورة في حينها لسبب أو لآخر، أصبحوا اليوم أكثر قناعة وتمسكا بضرورة وبجدوى وبفائدة هذه الوثائق، ونحن نصرّ على أنه ليس في الإسلام رجال دين، ولا كنيسة ولا كهنوت، ودائما نطالب بحكم مدني يتشاور فيه الناس على أمرهم ليحققوا الأصلح لشعوبهم ولمجتمعاتهم»، وتابع «إننا ننادي ليس بالدولة المدنية فقط، بل بالمجتمع المدني الموحد الذي يسقط فيه مفهوم الأقلية والأكثرية الموروثة ببعدها الطائفي المقيت ونبشر بمجتمع (أسنان المشط) في الحقوق والواجبات».

في سوريا: لم يتغير شيء منذ اتفاق الأسلحة الكيمياوية
لندن – قال جراح بريطاني بارز إن المجتمع الدولي يتعين عليه إقامة «ممرات إنسانية» بين سوريا والدول المجاورة لها لتقديم الدعم لنظام مستشفيات فقد آلاف الأطباء وستنفد منه «سريعا» سبل الحفاظ على الحياة، وفقا لتقرير إخباري نشر اليوم الأحد.

ونقلت صحيفة «ذي اندنبندنت» البريطانية عن جراح الأوعية الدموية البريطاني الشهير ديفيد نوت، والذي عاد الأسبوع الماضي من جولة لستة أسابيع في شمال سوريا، قوله إن الأطباء والعاملين الآخرين في مجال الرعاية الصحية يتعرضون للاستهداف من قبل النظام وأن المؤن الطبية تتعطل جراء «المسلحين الإسلاميين الذين يخوضون حربا متزايدة مع نظام بشار الأسد والجيش السوري الحر»، بحسب التقرير.

وأشار التقرير إلى أن «نوت» عمل 18 ساعة لعدة أيام في مستشفى ميداني بمنطقة خاضعة لسيطرة مسلحي المعارضة على مسافة كيلومتر واحد من خط الجبهة الأمامي خلال بعثة إغاثة مع منظمة «إغاثة سوريا» الخيرية.

وقال نوت، الذي أجرى عمليات جراحية مع جراحين سوريين تحت القصف وبأقل معدات، إن المستشفى كان يشهد يوميا أكثر من 12 ضحية إطلاق نار؛ معظمهم مدنيون استهدفتهم نيران قناصة النظام.

وذكر نوت أنه «لا يوجد كثير من الأطباء حاليا في هذا الجزء من البلاد، وأن عددا قليلا هم جراحون مدربون. المتبقون هناك هم من يريدون حقا مساعدة الناس… وهذا هو السبب في أن غالبية الناس يحتضرون؛ الجراحون غير مدربين على مواجهة الكوارث، وكيفية التعامل مع النزيف الشديد».

وتابع إن «المستشفى التي عملت فيها ليس بها غطاء رأس أو قناع لجراح يرتديه؛ لذا فإن حاجة ماسة لمثل هذه التجهيزات متأكدة لأن كلها تنفد سريعا.. الحصول على الامدادات عبر خطوط المواجهة هو المشكلة الكبرى. هناك حاجة إلى إقامة نوع من الممرات الإنسانية، سواء من قبل الأمم المتحدة أو حتى الحكومة البريطانية.. نحتاج لقناة إنسانية لكي يتسنى وصول المساعدات عبرها».

وأشارت الصحيفة أن الدعوة تأتي وسط إحباط متزايد بين منظمات الإغاثة جراء إخفاق المجتمع الدولي في معالجة الأزمة الإنسانية التي تواجه سوريا.

وأضافت أنه على الرغم من أن وصول مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة والمكلفين بتدمير ترسانة الأسلحة الكيمياوية السورية، أنهى أزمة دبلوماسية بين دول غربية تدعم مقاتلي المعارضة، وروسيا حليفة الأسد؛ إلا أنها لم تفعل سوى النزر اليسير لمساعدة ملايين المدنيين العالقين في الصراع، بحسب التقرير.

لكن المعارض السوري اليساري هيثم مناع، رئيس هيئة التنسيق السورية المعارضة في المهجر كان حاداً تجاه طروحات الإخوان وقال لـ»العرب»: «إذا كان المرشد العام للإخوان المسلمين أو من يدعمه من الخارج هو الذي سيحدد مصير سوريا فإن ذلك سيكون مصيبة على الثورة السورية، وبالأساس فإن تدخّل هؤلاء هو الذي أطال عمر الدكتاتورية في سورية، ولو بقينا على شعاراتنا ونضالاتنا السلمية لما خرج القرار من يد السوريين إلى يد غيرهم من الدول والجماعات الإسلامية المسلحة والإخوان، لقد شوّهوا الصورة التمثيلية للشعب السوري، واليوم نقول للعالم كله إن التغيير لن يتم إلا بأيدي أبناء البلد، ولا توجد ثورات للتصدير وليس هناك قوات غريبة تصنع تغييراً؛ هذا الأمر لم يكن موجوداً عبر التاريخ».

يشير مناع بشكل غير مباشر إلى قوة الإخوان التي قد تؤهلهم إلى حكم سوريا وينتقدها، لكن القيادة المشتركة للجيش السوري الحر والحراك الثوري اتهمت الإخوان بشكل مباشر بأن لها ذراعاً عسكرياً، وقال فهد المصري، الناطق باسم القيادة المشتركة لـ»العرب»: «إخوان سوريا مستمرون في مشروعهم بتشكيل كتائب ثورية مسلّحة خاصة بهم، وتوسع نفوذها في شمال ووسط سوريا.. وكتائبهم هذه تخزّن السلاح والذخيرة ولا تستخدمها الآن رغم حاجة الثوار إليها وتخبئها إلى ما بعد سقوط النظام حيث ستبرز الحاجة لها لفرض النفوذ».

ورغم أن جماعة الإخوان المسلمين تدّعي عدم امتلاكها -أي تشكيلها- لأي فصيل مسلح، إلا أن القيادة المشتركة تؤكد على أن للجماعة الكثير من الكتائب المسلحة التي ترفض الانضمام إلى الجيش السوري الحر وتقبل أحيانا التنسيق معه، وعلى رأسها جناح عسكري يحمل اسم (هيئة حماية المدنيين) ويحظى بدعم ورعاية جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والثاني يحمل اسم (هيئة دروع الثورة) ويحظى بدعم ورعاية الإخوان المسلمين في تركيا.

وحول هذه النقطة، قال المصري: «يضم الجناحان أكثر من 42 لواءً وكتيبة، وبعض هذه التشكيلات العسكرية لا وجود لها على الأرض، وتم ابتكارها من أجل الحصول على دعم مالي وعسكري أكثر من قطر وغيرها؛ كما أن تشكيل وحجم الألوية والكتائب التابعة للإخوان لا يشابه الحجم المتعارف عليه عسكريا، فبعض كتائب الإخوان تضم عشرة مقاتلين، وبعض الألوية تضم أقل من مئة مقاتل، وهي محاولة من الإخوان لتضخيم حجم القوات العسكرية التي تقاتل إلى جانبها».

لكن العديد من المعارضين السوريين غير الإسلاميين يخشون أن تنقلب هذه القوى الإسلامية المسلحة التي تملك قدرات مالية جيدة على رفاق السلاح بعد سقوط النظام، أو أن تسوّق نفسها كمخلّص وحيد للشعب السوري وصانع لثورته، أو أن تحاول فرض نفسها كحاكم لسوريا.

لكن زهير سالم يرد على هذه الاتهامات وينفيها، قائلا «أولاً، الجماعة لم تكن من المندفعين أو المؤيدين لعسكرة الثورة، وتمسكنا لأشهر طويلة بخيار سلمية الثورة، ولكن بشار الأسد استطاع أن يجر الثورة إلى الميدان الصعب بإصراره على اختيار العنف المبالغ فيه أسلوباً ومنهجاً، كما أن لامبالاة المجتمع الدولي وصمته ومد الحبل للأسد ليتمادى في العنف والقسوة كل ذلك كان العامل الثاني في دفع السوريين لحمل السلاح، فحمل السلاح لم يكن خيارا للسوريين بل كان مركب اضطرار»، وأضاف «لم تشكّل الجماعة أي فصيل عسكري تابع لها، لأنها لا تمتلك الإمكانات المسهلة لذلك، وإن كنا على مستوى القناعات بأن المتغيرات على الأرض تفرض في كل يوم تحديات جديدة؛ إستراتيجيتنا تقوم على أن السياق الوطني هو المقدم على الحزبي في هذه الأيام».

من المؤكد مبدئيا أنه من المستحيل استثناء الإخوان المسلمين من أي اتفاقيات مستقبلية في سوريا، لكن في نفس الوقت يوحي بعض قياديي الإخوان بأنهم يحضّرون أنفسهم للحظة الحكم، وهو ما يؤكده ملهم الدروبي، أحد قياديي الإخوان في سوريا الذي قال: «لدينا مجموعة من الخطط الخاصة بالاقتصاد والمحاكم والسياسة»؛ لكن بالمقابل لا يوجد أي ضمان لنجاحهم في السلطة كما نجحوا في التحالف مع المعارضة المختلفة معها إيديولوجيا، بل وكما نجحوا في بعض الأوقات بقيادة المعارضة.

ومهما كانت صورة المستقبل السياسي لسوريا، فإن ضمانة السوريين -بعد ثورة مأساوية خلّفت مئة ألف قتيل على الأقل- أن يضم المستقبل كل أطياف الشعب بمن فيهم الإخوان المسلمون، ولا أن يتسيد طرف واحد المشهد السياسي والقيادي؛ وربما هذا هو الخطأ الذي شهده العالم العربي في النموذج المصري ومن قبله النموذج الليبي.

رغم عمل الإخوان جنبا إلى جنب مع المعارضة الديمقراطية والليبرالية واليسارية ونشاطهم السياسي والعسكري المشترك الهادف لإسقاط النظام، إلا أن قوى المعارضة السورية علمانية وإسلامية لم تناقش حتى الآن تحديد سمات الدولة المنشودة بشكل حقيقي، بل اكتفت بالتوافق على مفردات يفهمها كل طرف على طريقته وبما ينسجم مع إيديولوجيته ومصالحه.

ومن الضروري جدا أن تجتمع كافة قوى المعارضة السورية لوضع عقد اجتماعي وصيغة للدولة المدنية الديمقراطية المطلوبة وإلا فإن التوافق الهش القائم بينها معرّض للانهيار في أي لحظة.

7