إخوان سوريا يتنصلون من دورهم في عجز المعارضة

جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، يسحل خلفها سجلّ عريض من الانتهازية السياسية والمراوغات والتحالفات المؤقتة التي تصب في صالح تنظيمها بمعزل عن الشأن الوطني العام، وأعضاؤها اليوم يؤكدون على ذلك عبر بيانهم المتضمن لنيتهم الانسحاب من كل مؤسسات العمل الوطني، مجاراة للسياسة التركية والتغييرات الجديدة في المنطقة.
الأربعاء 2016/09/28
مسيرات الجمع كانت بدايات تسرب الإخوان إلى الثورة السورية

الانتهازية ضرورة في السياسة إلى درجة ما، لكنها دون شك مصيبة على الثورة التي تتطلب دوماً مراجعةً واعترافاً جريئاً بالأخطاء، وتحمّلاً للمسؤولية. إخوان سوريا في بيانهم الأخير أعلنوا نيّتهم الانسحاب من كل “مؤسسات العمل الوطني”، والتي هم العصب الرئيسي فيها، والتفرغ “للعمل الثوري والإنساني” حسب بيانهم.

الإخوان رفضوا في بيانهم الطائفية والتقسيم، وأعلنوا التزامهم بكل ما سبق من عهود ومواثيق تؤكد على “الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، المبنية على قواعد المواطنة المتساوية، وعلى دستور مدني يعبر عن إرادة الأكثرية السياسية”، إضافة إلى التأكيد على الالتزام بوثيقة “المبادئ الخمسة” التي أقرتها “القوى الإسلامية الوطنية” برعاية المجلس الإسلامي السوري، وهي تؤكد على شرط إسقاط النظام بكل أركانه قبل البدء بالحل السياسي، ووحدة سوريا وضد المحاصصة أياً كان نوعها.

هذا الكلام البرّاق، والضبابي أيضاً، يناقض سلوكهم خلال الثورة وما قبلها؛ فالإخوان سيطروا على معظم أدوات الميديا وصفحات الفيسبوك التي تدعم الثورة، والتي لاقت كل الدعم والتمويل بحيث همّشت صفحات أخرى، ومنها صفحة “الثورة السورية ضد بشار الأسد”، والتي كانت تحرض على الطائفية والعنف وتدعو إلى التدخل الخارجي، في وقت مبكر من الثورة، مثلاً عبر تبنّيها إطلاق أسماء أيام الجمع.

كل الكيانات المعارضة التي شارك فيها الإخوان يتم فيها التمثيل على أساس طائفي وليس على أساس سياسي، الأمر الذي يناقض تأكيدات بيانهم الأخير. وهم من كانوا وراء المؤتمرات الطائفية التي تخصّ المسيحيين والعلويين والتركمان وغيرهم، حيث سيكون لهم نصيب تمثيل الأغلبية السنية، كما يتوهمون.

كل الكيانات المعارضة التي شارك فيها الإخوان يتم فيها التمثيل على أساس طائفي وليس على أساس سياسي

والإخوان كذلك كانوا، مع حلفائهم في إعلان دمشق، الأساسَ في تشكيلات المعارضة الرئيسية التي أُنشِئَت ونشطت في الخارج، كالمجلس والائتلاف الوطنيين، وقبلها عَقَدت مؤتمرات طائفية بامتياز في أنطاليا وبروكسل وغيرهما. كان الأساس الذي قامت عليه كل هذه الكيانات المعارضة هو محاكاة التجربة الليبية والعراقية، باستدراج تدخل خارجي يطيح بالنظام، وبالثورة طبعاً، وينصِّب هذه الكيانات محله. لكن الظرف الدولي لم يكن في وارد التدخل مطلقاً، الأمر الذي صَدَم الإخوان، إذ ألقوا اللّوم على المجتمع الدولي ودول “أصدقاء سوريا” عبر بيانهم الأخير.

الأغرب والأكثر تناقضاً في البيان الإخواني هو “إدانة العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية مهما تكن غايتها ومشروعيتها”، إدانة عنف النظام بعد خمس سنوات ونصف السنة من القتل الهمجي الذي بات أمراً مفروغاً منه، ولا يحتاج إلى بند في بيان سياسي، ولكن العمل العسكري كان ضرورة للثورة بعد عام من قيامها، لحمايتها أولاً، وكأداة لتحقيق الغرض السياسي المتمثل في إسقاط النظام. الإخوان هنا يكذبون، فهم دعموا فصائل بعينها عبر شراء ولاءاتها، في حمص والغوطة الشرقية مثلاً.

قد يكون سبب هذا التنصل من استخدام العنف عقدة العمل المسلح في الثمانينات من القرن الماضي، والتي يرفض الإخوان إلى الآن فتح ملفاتها، مشترطين بدء النظام بذلك. وقد يكون الكلام موجهاً للمجتمع الدولي، للقول بأن الجماعة غير عنفية، وتستحق الدعمَ وحجزَ مكان هام في سوريا ما بعد التسوية السياسية، بعد إدراكها أن المسألة خرجت كليّا من أيدي السوريين، واتفاق حكومة العدالة والتنمية التركية، الداعمة لهم، مع روسيا على السراء والضراء. وللسبب نفسه تقول الجماعة في بيانها إنَّ دورها دعوي تعليمي وتنويري، وهو دور رائد في “نشر الوسطية والاعتدال، ومحاربة الغلو والتطرف”، خاصة أن كلاً من التنظيمين الإسلاميين داعش وفتح الشام/ النصرة، على لائحة الإرهاب ومستهدَفَان من قبل التحالف الدولي.

وللجماعة ماضٍ سابق في عدم الصدقية، وفي الانتهازية، فقد أوقفت نشاطها السياسي ضد النظام في حرب غزة 2008 بسبب دعم النظام لحركة حماس وقتها، الأمر الذي لم تفعله في حرب تموز 2006، وتحالفت مع عبدالحليم خدام إثر انشقاقه عن النظام في جبهة الخلاص بعد تركها إعلان دمشق في 2006، وحاولت التواصل مع النظام في بداية الثورة للتسوية معه، وكانت قد سعت إلى مصالحته قبل ذلك عبر وساطات تركية وقطرية، قوبلت برفض النظام.

الإخوان يخففون لهجة الأسلمة في بياناتهم السياسية، إذ يدركون أن التركيبة السورية تميل إلى العلمانية وتتخوف من التسلط الديني، لكنهم يستثمرون في العواطف الدينية فيقولون في بيانهم إن “إرادة الشعب من إرادة الله، ولن تقهر”. وهم يتحملون مسؤولية تشجيع وقبول الجهاديين ضمن الثورة والذين شكلوا جبهة النصرة، وكذلك قبول الجهاديين الأجانب.

لقد أدركوا متأخرين أن الحل السوري روسيّ بامتياز، وأن أميركا تدعمه، وتركيا لن ترفضه، وسيُفرَض على البقية، الحل الذي لا مكان فيه للإخوان، فقد خسروا كل مراهناتهم، لذا ينسحبون مزايدين على الشعب بأنهم، حسب بيانهم، ليسوا “مَعبَراً لجريمة تصفية الثورة، ولا جسراً لمرور الإرادات الشريرة للروس والإيرانيين”.

13