إخوان قطر: بيتنا من زجاج ونرمي الناس بالحجر

الأربعاء 2013/10/09
جاسم سلطان عراب «مراجعات» إخوان قطر تفطن إلى أن الدولة لا تحتاج إلى هذا التنظيم

الدوحة ـ من النقاط المعتّمة في تاريخ التيارات الإخوانية في الوطن العربي، تجربة الإخوان المسلمين في قطر. وتعتيمها لا يعني فقط غياب المعلومات فهذا من صنوف النقصان التي يمكن تسديدها، ولكن عتمة الفكرة تحيل إلى التباس ماكر: كيف يغيبُ تيار ديني بحجم جماعة الإخوان عن بلد عرفُ لدى الجميع بدعم الجماعة؟ أي لماذا يغيب الإخوان عن فضاء يدعمهم ويسندهم ويرعاهم؟ ألم يكن حريا بدولة قطر أن تبدأ بنفسها وتؤسس فرعا إخوانيا على أراضيها ومنها «تنشر» أفكاره نحو سائر بلاد الأرض؟

لتبين هذا الإشكال وربطه بتاريخ الإخوان في قطر، سنعتمد دراسة الكاتب المصري مصطفى عاشور «تجربة الإخوان المسلمين في قطر» الواردة في كتاب «الإخوان المسلمون والسلفيون في الخليج» الذي أصدره مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي في يوليو 2010.

أكد البحث المشار إليه أن تجربة الإخوان المسلمين في قطر تعتبر من التجارب الفريدة في سياق حركة الإخوان المسلمين منذ نشأت في الاسماعيلية عام 1928. تجربة تستقي فرادتها من ملامح عديدة أولها إعلان إخوان قطر حلّ تنظيمهم عام 1999 والتحول إلى تيار داخل المجتمع القطري والتخلص من ربقة الضغط التنظيمي، ولم يأت هذا القرار إثرا صدام أو اختلاف مع النظام الحاكم في قطر أو جاء على خلفية أزمة داخل التنظيم كما عاشته بعض التيارات الإخوانية الأخرى ولكنه جاء «إدراكا لطبيعة وخصوصية الواقع الخليجي والقطري تحديدا». أما ثاني الملامح فيكمنُ في المسار الذي عاشته التجربة وخصوصياتها. هنا تلوح صعوبة أخرى أشار إليها البحث موضوع القراءة، وهي ندرة المعلومات المتوفرة عن إخوان قطر، سواء على مستوى التجربة ككل، أو على مستوى «التفكير» الذي سبق قرار الحلّ.

أشار الباحث مصطفى عاشور في دراسته «تجربة الإخوان المسلمين في قطر» إلى أن الوجود الإخواني في قطر عرف ثلاث فترات؛ بدأت في منتصف الخمسينات مع هجرة عديد العناصر الإخوانية الدعوية إلى قطر بفعل الضغط الناصري، والفترة الثانية تميزت بتأثر بعض الطلبة القطريين بالتجرية الإخوانية من خلال احتكاكهم بالإخوان في مصر في حقبة السبعينات ومن بينهم جاسم سلطان (صاحب قرار حل التنظيم)، أما الفترة الثالثة فكانت مع توافد الإخوان السوريين على قطر بداية الثمانينات بعد الصدام الشهير بينهم وبين النظام السوري. واندمج هؤلاء في مشروع فكري كبير تمثل في مجلة الأمة القطرية التي ترأسها الإخواني السوري «عمر عبيد حسنة» وكانت المجلة بمثابة المعبّر عن المضمون الفكري لمشروع الإخوان.

استطاع «إخوان البدايات» أن يقيموا علاقات جيدة مع الأسرة الحاكمة في قطر، وتولوا عددا من المساجد الكبيرة بل شارك بعضهم في تأسيس بعض الكليات الشرعية وهنا نذكر مثال يوسف القرضاوي الذي ساهم في إنشاء الكلية الشرعية وأشرف على وضع مناهجها، وهنا نشير إلى تشابه كبير بين الأثر الإخواني في قطر مع مثيله في بقية الأقطار الخليجية حيث اشتركت كل العناصر الإخوانية في الانطلاق من البعد التعليمي والدعوي. وبتصاعد عدد الإطارات التعليمية والتربوية في قطر، توصل هؤلاء إلى التأثير في بنية المجتمع القطري التي مثلت آنذاك أرضية خصبة جاهزة لتقبل بذور الفكر الإخواني، حيث أن المجتمع القطري مازال يعيش نقاء فطريا تهيمن عليه الروابط القبلية، فضلا عن تشابهه مع حالة الريف المصري الذي جاءت منه أغلب العناصر الإخوانية.

هذا التأثير انعكس بتطور نمو العاطفة الإسلامية لدى بعض الشباب القطري الذي فتح أعينه على كتب سيد قطب وفتحي يكن ومحمد الغزالي وغيرهم، وتعزز ذلك لاحقا مع عودة عدد من الطلبة القطريين من الدراسة في مصر وكان من بينهم جاسم بن سلطان الذي درس الطب في الجامعات المصرية وتزامن وجوده مع ولادة الحركة الإسلامية في الجامعة المصرية، ما مكنه من التعرف على قيادات طلابية من الإسلاميين. وشهد بدايات اتصال القيادات الإخوانية الخارجة لتوها من السجون المصرية مع الجماعة الإسلامية والطلابية، وعاصر كذلك بدايات نموّ تيار العنف في مصر. وراكم بذلك «خبرات» انعكست في تكوينه ورؤيته وفي مساهمته في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في قطر لاحقا.

في منتصف السبعينات وتحديدا عام 1975 شرعت مجموعة (لا تتجاوز المئة عنصر) من الشباب القطري في بناء تنظيم خاص للإخوان في قطر، وتركز نشاط المجموعة- النواة والتنظيم الوليد على النشاط الدعوي والتربوي، امتدادا لما مارسته العناصر الإخوانية الوافدة من مصر. وبعد مضيّ 5 سنوات على تشكيل التنظيم البسيط، وصل بعض الخريجين الجدد من الخارج بين 1980 و1981 وانضموا إلى مجموعة التأسيس، ومن هنا بدأت تطرح إشكاليات ترتبط بالجدوى والحاجة إلى إنشاء تنظيم إخواني في قطر، ومدى قدرة هؤلاء على تحمل تبعات مثل هذا التنظيم «في ظل انتفاء الأسباب السياسية والاجتماعية الداعية لظهوره».

ورد في الموسوعة التاريخية للإخوان المسلمين حديث مشابه لما أورده بحث مصطفى عاشور، حيث جاء في الموسوعة أنه «بعد خمس سنوات من تشكيل النظيم الجديد.. بدأت تطرح الأسئلة الجدية داخل المجموعة: من نحن؟ وإلى أين نسير؟ وهل هناك مشروع نحمله ونتحمّل حمله؟ وهل هذا ما نريد؟ وماهي مصلحة المجتمع القطري في كل ذلك؟ وهل هذا الثوب مناسب ارتداؤه في قطر؟ المجموعة تعاملت مع هذه التساؤلات بكل رصانة وجدية وحزم وقررت تفويض أفراد منها للقيادة بدراسة هذه الأسئلة دراسة تفصيلية.. واستغرقت دراسة الأسئلة والإجابة عليها وتنزيل فكر (المؤسس) البنا على تجربة الإخوان في مصر وخارجها عدة سنوات، وانتهت الدراسة ربما 1991 أو قريبا من ذلك».

يشير مصطفى عاشور إلى أن الإخوان القطريين درسوا جماعة الإخوان بوصفها منظمة تحمل اسم «منظمة الإخوان»، فأنجزوا تشريحا فكريا وتنظيميا للجماعة من حيث الهيكل، ونظم الاتصال والتعاون البيني داخل المنظمة، والقيادة، والثقافة السائدة داخل المنظمة، والجمهور المخاطب، وتكاليف الصراع الذي دخلته، وتوصلوا إلى قرار عام 1999 ينصّ على «حلّ التنظيم» وتم إعلام الجماعة الأم في مصر بذلك.

لم يعمر التنظيم الإخواني في قطر طويلا، فبين التأسيس (1975) وقرار الحلّ (1999) لم تعرف الجماعة صدامات مع السلطة على شاكلة ما عرفته بعض التنظيمات الإخوانية الأخرى (الفرعين المصري والسوري مثالا)، ومع ذلك سارعت إلى إصدار قرار حل نفسها، بعد أن أجرت ما قيل أنه «قراءات» في الواقع والتنظيم.

لكن في القرار مفارقات عديدة، فالقرار الذي أحيط بتشجيع رسمي وبامتعاض إخواني خارجي في البداية، تزامن مع بدء دولة قطر لحملة دعم واسعة ومحمومة أحيانا للتنظيمات الإخوانية المبثوثة في كل أنحاء العالم، وكان الدعم ماليا وإعلاميا مع فتح كل منابر قناة الجزيرة لقادة الإخوان. ما يعزز المفارقة أن عرّاب مراجعات إخوان قطر وأحد رموزها جاسم سلطان قال مبررا لقرار الحلّ «في التجربة الخاصة بنا وجدنا أن الدولة لا تحتاج إلى هذا النمط من التنظيم، والمجتمع لا يحتاج لهذا النمط، وهذا أمر غير معمم في كل المجتمعات، فكل مجتمع له ظروفه».

وإذا عرفنا بأن التنظيمات الإخوانية (عن بكرة أبيها) تنادي وتدعو وترنو إلى حلم الخلافة الإسلامية، وترفع شعارها المركزي «الإسلام هو الحل»، فإن السؤال الذي يمثل أمام الذهن هو: هل زالت كل أسباب وجود ظاهرة الإخوان في قطر؟ أي هل تحققت الشريعة وتحول شعار «الإسلام هو الحل» إلى واقع عياني؟

بناء على ما تقدم، نخلص إلى أن ميلاد تنظيم الإخوان في قطر كان طبيعيا بالنظر للسياق التاريخي والسياسي الذي فرضه وانتجه، لكن قرار حله وما رافقه من تبريرات كان قرارا سياسيا، أو اتفاقا بين السلطة والتنظيم. يعزز هذا التصور مجموعة من القرائن أولها ما أشرنا إليه من مواصلة دولة قطر تبني ودعم وإسناد كل الجماعات الإخوانية، وأيضا نزوع قطري معتاد ومعروف بالنظر خارجا، حيث تنتصب «منصتها الإعلامية» قناة الجزيرة لتغطي وتبث كل الفعاليات التي تحدث في شتى زوايا العالم، ما عدا قطر التي تحتضن المقر الرسمي. وهذا النزوع القطري لا يقتصر فقط على البعد الإعلامي بل يشمل أيضا المسائل السياسية والحقوقية والرياضية وغيرها.

عندما تبينَ لدولة قطر أن لا حاجة ولا جدوى من وجود تنظيم إخواني على أرضها، تمّ حل التنظيم بقرار قيل أنه داخليّ وناتج عن مراجعات، ولكن ذلك كان تدشينا لمرحلة جديدة غريبة قوامها: ندعم الإخوان المسلمين في الدنيا، أما عندنا فرداء الجماعة لا يناسبنا، لارتفاع الحرارة أو لـ"غاية في نفس الأمير".

13