إخوان ليبيا: من "المصالحة" مع النظام إلى "إحراج" التعاطي مع الثورة

الأربعاء 2013/09/04
إخوان ليبيا لم يتوصلوا لحسم جدل الحزب والجماعة

تعتبر «حركة الإخوان المسلمين» في ليبيا من بين أهم القوى السياسية المعارضة لنظام القذافي بكل تعقيداته وغرابته، كما كانت من أكثر الأطراف السياسية التي تعرضت للمنع والملاحقة، ورغم كل ذلك دخلت الحركة في حوار ومصالحة مع عدوّها اللدود غير أن الأحداث التي انطلقت من بنغازي عام 2011 أفضت إلى إيقاف «فترة الودّ» بين الطرفين.

إخوان دون تنظيم

نشـأ تيار «الإخوان» في ليبيا خلال الخمسينيات، ورغم المنع القانوني لقيام الأحزاب والنشاط السياسي عامة، تمكن التيار من ضمّ مئات من المتعاطفين. أما تأسيس الحزب فكان سنة 1968.

فبعد عقد عدة اجتماعات في طرابلس تم الاتفاق بين المجتمعين على تكوين لجنة قيادية للحركة في طرابلس، في الوقت الذي أسس فيه جماعة بنغازي تنظيما مماثلا. ورغم ذلك لم يكن لإخوان ليبيا، في هذه المرحلة، رؤية سياسية واضحة ولا برنامج حزبي شامل واقتصر نشاطهم على الجانب الثقافي الديني الدعوي والاجتماعي، أما التنظيم بمفهومه الحديث فكان غائبا تقريبا وبعد الانقلاب العسكري الذي قام به القذافي سنة 1969 توقف نشاط «الجماعة» تلقائيا

من التعاون الظرفي إلى القطيعة

ظلت العلاقات بين المؤسسات الدينية الرسمية وبين نظام القذافي، خلال السنوات الأولى من حكم هذا الأخير طيبة وكانت بعض الإشارات والمبادرات التي أطلقها النظام مطمئنة للإخوان ملبية بعض مما كانوا يطالبون به فالانقلاب العسكري حمل شعار «فلسطين لنا» وقام النظام بتنفيذ سياسة تعريب واسعة كما أضاف بعض العقوبات التي ينص عليها القرآن الكريم إلى القانون الوضعي المُعتمد في البلاد وإحداث «جمعية الدعوة الإسلامية»عام 1972 وتخصيص أموال ضخمة لها وتقديم تبرعات مالية سخية لإقامة المساجد والمدارس لتعليم العربية ومبادئ الإسلام. لم تعارض «حركة الإخوان» نظام القذافي في بداية عهده بل تعاونت معه فشارك بعض الأعضاء من الإخوان إلى حدود عام 1973، في الوزارات التي شُكلت. وبعد صدور قانون تجريم الحزبية وخطاب زوارة عام 1973 بدأ تطبيق قانون تجريم التجمعات والأحزاب، وأرغمت القيادات الإخوانية على الخروج في برنامج تلفزيوني والإعلان عن حل نفسها.

من المواجهة إلى المصالحة

عاد أوائل الثمانينات عدد من الطلبة من المنتسبين للإخوان إلى ليبيا، واستأنف البعض من هؤلاء نشاطه التنظيمي بشكل سري فأعادوا هيكلة التنظيم ولعبوا دورا في إحياء الحركة أمثال؛ عماد البناني، عبد المنعم المجراب، الأمين بلحاج، وغيرهم.

وفي هذه الأثناء توسعت حملة النظام ضد الإسلام السياسي فضاعف من مراقبة المساجد والجوامع وقام بجلب عدد كبير من الأئمة من مصر، وبالتوازي مع ذلك عمل على توظيف الإسلام لخدمة أفكاره ومواقفه السياسية فأسس معهدا جديدا لتعليم الإسلام وافتتح في 26 سبتمبر 1989 في بنغازي مؤتمرا ضمّ عددا هاما من علماء المسلمين بهدف بعث «إدارة للثورة الإسلامية العالمية»، كما سمح للزوايا بالنشاط في المناسبات الدينية وتحفيظ القرآن الكريم، وتأتي كل هذه الإجراءات بهدف قطع الطريق أمام الإسلام السياسي بكل مكوناته وعندما لم يفلح في ذلك تحركت آلة القمع فقام بإعدام 7 من أعضاء إحدى المجموعات الإسلامية في بنغازي شنقا وذلك في آذار 1987 ودعا القذافي السكان لملاحقة أفراد الجماعات الإسلامية الذين وصفهم بـ»الزنادقة»والكفار».

لكن تنظيم الإخوان المسلمين العالمي بالإضافة إلى بعض العلماء وبعض الأحزاب الإسلامية، مارست ضغوطا على النظام الليبي للإفراج عن المعتقلين من الإخوان، وتوسط القرضاوي لهم عند القذافي للإفراج عنهم.

ويبدو أن سيف الإسلام القذافي وعبر «جمعية القذافي للأعمال الخيرية» التي تبنت بعض قضايا حقوق الإنسان والمساجين، لعب دورا رئيسيا في عملية الإفراج عن المعتقلين الإسلاميين بكل تياراتهم، وذلك في إطار السياسة الجديدة التي بدأ يتوخاها النظام مع الغرب عامة والولايات المتحدة الأميركية خاصة.

وبعد سلسلة من الحوارات مع عدد من قياديي الإخوان في الخارج ومع المعتقلين، تمّ الاتفاق على الإفراج عن الإخوان المعتقلين والمسجونين وذلك في آذار2006 على ألا يقوموا بأي نشاط سياسي أو اجتماعي بالتوازي مع إعلان قادة الإخوان المسلمين السابقين داخل ليبيا، وقيادات «الجماعة الليبية المقاتلة»، تأييدهم لمشروع سيف الإسلام القذافي، المعروف بمشروع «ليبيا الغد»، ودعمهم له.


الاخوان وثورة 17 فبراير


كان موقف «الجماعة» حرجا عند اندلاع الانتفاضة إذ كانوا متصالحين مع النظام ويمثلون جزءا من مشروع الإصلاح الذي طرحه سيف الإسلام غير أنهم وبعد تردد قرروا المشاركة في الانتفاضة وذلك بهدف «رفع سقف المطالب وليس تغيير النظام». ثم غيروا موقفهم عندما ارتفع منسوب العنف بعد 17 فبراير فقرروا الكفّ عن مطالبهم القديمة والانحياز للشعب، ومع ذلك فإن «جماعة الإخوان» لم تشارك في العمل العسكري كجماعة، بل كأفراد حيث يقول الأمين بلحاج القيادي في جماعة الإخوان: «منا من ذهب للإغاثة ومنا من ذهب إلى الجبهة ومنا من ذهب إلى الإعلام. لم نتخذ قراراً كجماعة أن ندخل الحرب أولا ندخل وتُرك الأمر للأفراد».

وبعد سقوط النظام عقدت الحركة مؤتمرها في بنغازي في 17 تشرين الثاني 2011 وتم اختيار بشير الكبتي مراقبا جديدا، كما أعيد تنظيم الحركة فتم الترفيع في عدد أعضاء المجلس الاستشاري من 11 إلى 30 عضوا. من أهم القرارات التي اتخذها المؤتمر تشكيل حزب سياسي مفتوح لغير أعضاء «الجماعة» للمساهمة في عملية التحول الديمقراطي.

حزب الإخوان أم إخوان الحزب

طرح مؤتمر «الإخوان» الأخير خيارين، يتمثل الأول في تحول «الجماعة» إلى حزب سياسي كما حدث في تونس، في حين تمثل الخيار الثاني في اندماج «الجماعة» في حزب بالشراكة مع آخرين، يكون منفصلا عن «الجماعة» تنظيميا وتكون العضوية فيه مفتوحة بما في ذلك «الإخوان»، ولكن بشكل فردي وبشرطين إثنين «أن يكون حزبا سياسيا وطنيا، وذا مرجعية إسلامية». وقد صوت 60 بالمئة من أعضاء المؤتمر لإقامة حزب سياسي مستقل. وتم اعتماد اسم «حزب العدالة والبناء» يوم 3 آذار 2012.

تنفي «حركة الإخوان» أن يكون «حزب العدالة والبناء» الذراع السياسي للحركة باعتبار أن المنتسبين إليه من «الجماعة» انضموا بشكل فردي وهم يمثلون أنفسهم لا «الجماعة» والحزب مستقل عن «الجماعة، ويضم أطيافا عديدة من غير «الإخوان» خاصة وأن «مجلس شورى الإخوان» أقرّ مبدأ فصل «حزب العدالة والبناء» تنظيميا عن «الجماعة».

تجربة إخوان ليبيا تشتركُ مع كل التيارات الإخوانية الأخرى في عديد السمات مثل الالتباس بين الحزب والجماعة، واعتماد التقية السياسية التي تقوم على إخفاء الهوية الإيديولوجية إلى حين، فضلا عن التسويق لاعتماد الدولة المدنية في تصوّر مهجّن يركّز في الآن نفسه على الإيمان بضرورة اعتماد الشريعة، لكن للتجربة الإخوانية الليبية خصوصياتها النابعة من طبيعة المجتمع الليبي وأثر التاريخ والجغرافيا.

13