إخوان ليبيا والحليف الأميركي

الأربعاء 2014/04/30

لا يبدو أن الإخوان المسلمين في ليبيا قد استوعبوا ما يحدث في العالم بعد، فهم ما زالوا مصرين على الاستمرار في لعبة الاستحواذ على كافة تفاصيل الحياة السياسية الليبية، من خلال سيطرتهم على المؤتمر الوطني العام (البرلمان) الذي انتهت ولايته القانونية في السابع من فبراير الماضي، وباتت قراراته غير شرعية وفقا للإعلان الدستوري الصادر في شهر أغسطس عام 2011 إبان الثورة المسلحة ضد القذافي.

وإن كان الإخوان، ومعهم العديد من التيارات الراديكالية الأخرى، قد تعرضوا لضربة قاصمة خلال فرز نتائج انتخابات المؤتمر الوطني العام، والتي رجحت كفة القوى الليبرالية، فإن قانون العزل السياسي كان أشبه بطوق نجاة ألقي إليهم فتمسكوا به، وأقصوا أو عزلوا بموجبه عشرات الشخصيات الوطنية التي كان لها دور فاعل في الثورة، بحجة أنها عملت في يوم من الأيام تحت عباءة نظام القذافي، وقد أتاح لهم تحالفهم المعلن، وليس الخفي، مع بعض القوى القاعدية المسلحة أن يمتلكوا أداة ترويع حقيقية تمكنت على مدى عام ونصف من ممارسة ضغط من أجل إخلاء الساحة.

لكن أية عودة إلى صندوق الاقتراع كانت تظهر حجمهم الحقيقي في الساحة الليبية، وهذا ما حدث من خلال فرز نتائج انتخابات اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور أو ما يعرف بلجنة الستين، والتي أظهرت تفوقا واضحا للقوى الليبرالية وللمرشحين المستقلين غير المرتبطين بالتيارات الدينية، وخاصة في العاصمة طرابلس التي تخضع كليا لسيطرتهم وفي مدينة بنغازي أيضاً، وهو ما شكل ضربة قوية للإخوان، وأفقدهم إمكانية صوغ دستور البلاد المرتقب على هواهم، لكنهم تمكنوا من الالتفاف على هذه النتائج من خلال الضغط في بعض الدوائر، باستخدام الميليشيات المسلحة، مما تسبب في تعطيل الانتخابات وترك عددا من المقاعد شاغرة، ووفقا للقانون فإن الأعضاء الذين لم يتم انتخابهم سوف يتم تعيينهم بالتزكية من قبل المؤتمر الوطني العام، مما يعني بالضرورة ترجيح كفتهم على اعتبار أنهم وحلفاءهم يسيطرون على غالبية المقاعد في المؤتمر.

ومن وراء هذا الحراك المضطرب تلعب سفيرة الولايات المتحدة الأميركية السيدة ديبورا كي جونز دور الوكيلة الإعلانية المتنقلة في محاولة منها للحفاظ على آخر قلاع الإخوان المسلمين في دول شمـال أفريقـيا بعد الهزيمة التي تعرضوا لها في مصر، واضطرارهم إلى مجاراة الشارع الغاضب والقوى السياسية الفاعلة في تونس، وكذلك انحسار دورهم في المملكة المغربية.

ويبدو أن ليبيا بكل تناقضاتها السياسية ستشكل الرهان الأخير لواشنطن على إمكانية التحالف مع تيار الإسلام السياسي المتمثل في جماعة الأخوان المسلمين قبل أن تنقلب هي الأخرى عليه وتصنفه ضمن الجماعات الإرهابية، كما حدث ويحدث في المملكة المتحدة وفرنسا، وكندا، وقبل ذلك بطبيعة الحال في المملكة العربية السعودية، ومصر وكذا في الإمارات العربية المتحدة.

ولعل وقوف الولايات المتحدة، وعلى أعلى مستوياتها، إلى جانب سلطة المؤتمر، على اعتبار أنه يمثل مؤسسة ديمقراطية منتخبة، حسب وجهة نظرها، وخاصة في خلافه، المؤتمر، مع رئاسة المكتب السياسي لإقليم برقة، يجعل من الإدارة الأميركية عدوا محتملا للشعب الليبي، لوقوفها إلى جهة الحاكم ضد المحكوم، وهي التي لم تستفد من تجاربها السابقة ابتداء من تجربتها الهزيلة في إيران، وصولا إلى موقفها من انتفاضة 30 يونيو ضد الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، وقد نصح بريجنسكي الإدارة الأميركية في بداية انتفاضات الشعوب العربية ضد حكامها بأن تنحاز إلى الشعوب كي لا تخسر ما خسرته في إيران، ولكن يبدو أن واشنطن لا تتعلم، ولذلك فهي مصرة على لعب دور الناصح والمدافع عن الحاكمين في ليبيا اليوم، مبتعدة عن حركة الشارع الغاضب ضد سياسة المؤتمر الإخواني الذي لا تخفي دعمها له، معتبرة إياه الممثل الوحيـد للشرعية، وحامي حمـى الديمقراطيـة.

والآن وقد وصلت ليبيا إلى عنق الزجاجة، وخاصة بعد الهبوط الاضطراري الذي قاد طائرات محملة بقيادات إخوانية لتحط رحالها في الأرض الليبية بعد أن ضاقت عليها الكثير من الدول، وكذلك بعد أن تسلل أكثر من زعيم قاعدي إلى شرق البلاد، درنة خاصة، وبدأوا بتأسيس إمارة إسلامية مصغرة، أطلقت شعارها التقليدي بتطبيق الشريعة، طبعا وغير بعيد عن درنة تصول حركة أنصار الشريعة في بنغازي، وهي المصنفة أميركيا على أنها حركة إرهابية، وقد رصدت واشنطن مكافأة لا يستهان بها لمن يدلي بمعلومات عن متزعمها سفيان بن قمو، فما الذي تفعله واشنطن عبر سفيرتها في المرابع الليبية، وهل تصل إلى مكتب السفيرة تقارير حقيقية عما وصلت إليه الأمور، أم أنها تكتفي بالمعلومات التي تحصل عليها من حلفائها المقربين في حزب الوطن الذي يقوده عبد الحكيم بلحاج الذي صنفته بلادها في يوم من الأيام إرهابيا خطيرا؟ أم أن إنضاج الثمرة الليبية وإغراقها في مستنقع الإرهاب مقدمة لعودة الأساطيل ما دامت الحرب على الإرهاب تلقى رواجا في الشارع الغربي؟


كاتب سوري

9