إخوان ليبيا يستطلعون موقف الرئيس التونسي الجديد

استقبال سعيد لخالد المشري يفتح التكهنات بشأن رؤية تونس لحل الأزمة الليبية، والانحياز إلى الحكومة المدعومة من الإسلاميين يؤكد مواصلة نفس الخيار الدبلوماسي.
الخميس 2019/10/31
جس نبض لموقف قيس سعيد

دفع استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد لرئيس المجلس الدولة الليبي خالد المشري إلى طرح تساؤلات من جديد بشأن مدى انحياز الدبلوماسية التونسية للإسلاميين في ليبيا والتعامل معهم أكثر من التعامل مع سلطات الشرق، لاسيما وأن تحركاته الدبلوماسية تجاه أزمة الدولة المجاورة لبلاده بدأها بلقاء شخصية منتمية إلى التيار الإسلامي.

 تونس – شكلت زيارة رئيس مجلس الدولة الليبي خالد المشري إلى تونس ولقاؤه بالرئيس الجديد قيس سعيد فرصة لاستطلاع موقفه بشأن الأزمة الليبية.

وأظهر اللقاء الذي جرى، الثلاثاء، مؤشرات سياسية تنبئ بأن تونس ستواصل السير وفق نفس التمشي الدبلوماسي الذي انتهجه الرئيس الراحل  محمد الباجي قائد السبسي تجاه أزمة الدولة الجارة، والذي ينبني على التعامل بكثرة مع حكومة الوفاق الواقعة تحت سيطرة الإسلاميين، مقابل تعامل محدود مع مجلس النواب والجيش تحت مبررات الانحياز للشرعية الدولية.

وجاء اللقاء الأخير، ليترجم المواقف التي أعلنها قيس سعيد تجاه الأزمة الليبية وألمح إلى بدئه في تطبيق خياراته الدبلوماسية التي أعلنها خلال المناظرة التلفزيونية فترة إجراء الانتخابات الرئاسية في تونس وترتكز على الاصطفاف وراء الشرعية الدولية والاحتماء بها دون محاولة الجلوس إلى الطرفين على نفس طاولة الحوار.

تصريحات قيس سعيد السابقة أكد فيها أن تعامل بلاده مع الملف الليبي سيؤسس على قاعدة الاحتماء بالشرعية الدولية حيث قال خلال المناظرة التلفزيونية إن “هناك شرعية دولية، وتونس ستكون عضوا غير دائم بمجلس الأمن في يناير المقبل والمهم هو الاحتماء بالشرعية الدولية”.

وورد في بيان صادر عن رئاسة الجمهورية التونسية أن قيس سعيد شدد على “ثوابت الموقف التونسي من المسألة الليبية، وتمسك تونس بالشرعية الدولية لإيجاد تسوية سياسية شاملة تخدم مصلحة الشعب الليبي وتحافظ على سيادته ووحدة أراضيه وتعيد الأمن والاستقرار لهذا البلد الشقيق”.

وأكد التزام تونس بالعمل من أجل أن تكون قوة اقتراح، وطرفا مساهما في إيجاد حلول ناجعة وفاعلة للأزمة الليبية معتبرا أن البلدين تعترضهما نفس التحديات الأمنية.

وخالد المشري هو شخصية ليبية استقالت منذ أشهر فقط من تنظيم جماعة الإخوان المسلمين المصنف في بعض الدول العربية منظمة إرهابية، وهو عضو مؤسس بحزب العدالة والتنمية ومن الأذرع السياسية لتنظيم الإخوان.

ويثير غموض قيس سعيد والدوائر المحيطة به تساؤلات كثيرة حول توجهاته الدبلوماسية والفكرية ومدى تقاربه مع التيارات الإسلامية لاسيما وأن حركة النهضة الإسلامية وائتلاف الكرامة المحافظ في تونس يعلنان دعمهما له وتوافقهما معه في عدة خيارات سياسية.

ورأى مراقبون تونسيون أنه كان من الأجدر لقيس سعيد  أن يستهل تحركاته الدبلوماسية في ما يخص ملف ليبيا بلقاء يجمعه مع رئيس حكومة الوفاق فايز السراج أو مبعوث الأمم المتحدة لدى ليبيا غسان سلامة.

وفي هذا السياق، قال الصحافي التونسي محمد بوعود، لـ”العرب” إن اللقاء الذي جمع الرئيس التونسي بأحد قادة الإخوان في ليبيا يؤشر إلى أن تونس ستواصل الانحياز إلى الحكومة المدعومة من الإسلاميين دون تغييرها جهودها الدبلوماسية تجاه أزمة ليبيا.

واعتبر محمد بوعود أن السياسة الدبلوماسية  لا تتعامل مع الأطراف الليبية على قدر المساواة، ملاحظا أن الموقف التونسي كان منحازا إلى الحكومة التي يترأسها فايز السراج أكثر من التعامل مع الأطراف الأخرى . وعرج محمد بوعود على كثرة الزيارات التي أداها  المشري لقصر قرطاج مذكرا بأن السبسي استقبله هو الآخر.

محمد بوعود: زيارة المشري لتونس هدفها التعرف على موقف قيس سعيد
محمد بوعود: زيارة المشري لتونس هدفها التعرف على موقف قيس سعيد

كما لاحظ أن زيارة المشري للرئيس المنتخب الجديد جاءت لاستطلاع موقفه من الملف الليبي باعتبار أن تونس من أبرز الدول المجاورة التي يمكنها أن تساهم في إيجاد مخارج لأزمة هذا البلد.

وكان الراحل السبسي،  قد استقبل بدوره في شهر مايو من عام 2018 خالد المشري بقصر قرطاج وأكد له على ضرورة أن يكون مسار المصالحة والتسوية في ليبيا تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة.

وقال السبسي للمشري أنذاك أنّ تونس ليست لديها أيّ أجندة سوى عودة ليبيا إلى وضعها الطبيعي وتفرّغ أبنائها لبناء الدولة وتركيز مؤسساتها في كنف الأمن والاستقرار والوئام وأكد له أنّ بلاده على استعداد دائم لمساعدة الأشقاء الليبيين على الحوار لإيجاد تسوية سياسية شاملة للأزمة القائمة في بلدهم.

ومثلما أثار لقاء السبسي مع زعيم تيار الإخوان في ليبيا، علي الصلابي، لغطا في تونس، جدّد استقبال قيس سعيد لخالد المشري جدلا في المشهد الإعلامي بتونس، ونوهت تقارير إعلامية محلية بأن الرئيس التونسي الجديد فتح باب القصر الرئاسي على مصراعيه أمام قيادات الإخوان المسلمين في ليبيا .

وكان بإمكان تونس لعب أدوار أكثر جدية في ما يخص الملف الليبي نظرا لارتفاع منسوب ثقة الليبيين في مسؤولي هذا البلد، لكن ظل موقفها الدبلوماسي يراوح مكانه ويقتصر على التعامل مع الملف الليبي بمنطق التواصل مع الطرف الأقرب جغرافيا إلى البلاد دون أن يتم الأخذ بعين الاعتبار المخاطر الأمنية التي تحدق بها في حال سيطرت الجماعات الإرهابية على المناطق الليبية المتاخمة لها بتواطؤ من إسلاميي ليبيا.

وانتهت المبادرة التي اقترحها السبسي إلى مجرد عقد لقاءات ترتيبية وتحضيرية دون البدء في تقديم مقترحات أو جمع ممثلي مجلس النواب الليبي مع قادة حكومة الوفاق الليبية على طاولة الحوار.

وتتركز مصالح تونس مع ليبيا مع الجزء الغربي القريب منها عكس المنطقة الشرقية البعيدة عنها جغرافيا كما أن علاقاتها أقوى منذ التاريخ مع هذا الغرب سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية أو حتى العلاقات الاجتماعية بين مواطني البلدين.

4