إخوان ليبيا يشددون قبضتهم على المصرف المركزي بموافقة البرلمان

مجلس النواب وقع مرة أخرى في مصيدة الإخوان بتفريطه في صلاحياته الأصلية كمؤسسة تشريعية وتحوله إلى جهة خاضعة لتوجهات مجلس الدولة.
الجمعة 2020/10/02
من سيستحوذ أولا على مدخرات الدولة

تشي محاولات تيار الإسلام السياسي في ليبيا السيطرة على المصرف المركزي عبر بسط أجندته على المشهد المعقد الذي تعيشه البلاد، بأن حالة من الانقسامات ستطفو من جديد على سطح الأزمة بين الفرقاء، كون الخطوة تتعارض في مضمونها مع اتفاقات حوار بوزنيقة لنزع فتيل التوتر، وهو ما أثبت للمراقبين بما لا يدع مجالا للشك في مدى قدرة الإخوان على المناورة والخداع بالاعتماد على توصيات حلفائهم وخاصة في قطر وتركيا.

تونس- يسعى إخوان ليبيا إلى تشديد قبضتهم مرة أخرى على المصرف المركزي وفق مخرجات حوار أبوزنيقة بالمغرب، في الوقت الذي يتعرض فيه وفد مجلس النواب إلى انتقادات واسعة بسبب وقوعه مجددا في فخ قوى الإسلام السياسي وذلك بالنظر لما حصل في مفاوضات الصخيرات، والتي أفضت إلى اتفاق ديسمبر 2015.

وقد تبين أن وفد مجلس الدولة الاستشاري يقود المفاوضات بكثير من الحنكة ومن الاعتماد على خبراء ومستشارين متعددي الجنسيات ويعملون من خلف الأضواء، في حين يتحرك وفد البرلمان بنزعات منفردة تخص رئيس المجلس عقيلة صالح والمقربين منه.

ولعل أبرز دليل على هذا الوضع هو ما تم التوصل إليه بخصوص إدارة المصرف المركزي، فقد أكد محمد صوان رئيس حزب العدالة والبناء على الحصول على تزكية من مجلس الدولة، الذي يسيطر عليه قيادات الإخوان، لافتا إلى أن “الأغلبية داخل مجلس إدارة المصرف ستكون من نصيبهم”.

وقبل ذلك أعلن رئيس مجلس الدولة الاستشاري والقيادي في حزب العدالة والبناء خالد المشري، أنه تم الاتفاق على أن يكون المحافظ الجديد للمركزي من شرق البلاد، شريطة أن يتكفل المجلس الخاضع للإخوان بتعيين نائب المحافظ ويكون له دور في اختيار أعضاء مجلس الإدارة، وذلك في تجاوز واضح لصلاحيات البرلمان.

مؤامرة جديدة

عبدالسلام نصية: مقترح مجلس الدولة  لا يتماشى والمادة 15 من الاتفاق السياسي
عبدالسلام نصية: مقترح مجلس الدولة  لا يتماشى والمادة 15 من الاتفاق السياسي

يتضح من كلام المشري خلال مقابلة تلفزيونية قال فيها إنه تم الاتفاق مع وفد مجلس النواب على أن تكون حصة البرلمان ثلاثة مقاعد في مجلس إدارة المركزي على أن يتم عرض أسماء المكلفين بها على مجلس الدولة أولا للموافقة، ما يعني أن اختيارات السلطة التشريعية الوحيدة المعترف بها دوليا أصبحت تخضع لمراقبة مجلس الدولة.

وهذا الكيان تم تشكيله لإعادة تدوير جماعة الإخوان بعد هزيمتهم في انتخابات يونيو عام 2014 وانقلابهم على نتائجها من خلال ما سمي آنذاك بعملية “فجر ليبيا” الإرهابية التي أدت إلى الانقسام السياسي الحاصل إلى الآن في البلد، ما يعني أنها مؤامرة جديدة يهدف من ورائها إخوان ليبيا إلى السيطرة على منبع الأموال.

وأكد المشري في المقابلة أنه تم الاتفاق على أن يتم تسمية المحافظ و3 أعضاء من مجلس الإدارة من طرف مجلس النواب، بينما نائب المحافظ و4 من أعضاء مجلس الإدارة يسميهم مجلس الدولة، من خلال مراحل ومعايير وضوابط محددة.

وحول وظيفة المحافظ، سيختار مجلس النواب عددا معينا من المرشحين للمنصب ثم سيعرض أسماءهم على مجلس الدولة، الذي يقوم بتقليص العدد إلى ثلاثة فقط ليختار من بينهم مجلس النواب من يراه صالحا.

وبرر رئيس مجلس الدولة ذلك التمشي كونه يتسق مع معايير تشمل ضمانات لاختيار غالبية أعضاء مجلس إدارة المصرف المركزي بحيث لا يستطيع المحافظ أن يتغول أو ينفرد بالقرار وتمرير أمور غير منطقية أو مقبولة لأن المحافظ في ظل قانون المركزي لا يستطيع لوحده أن يفعل أي شيء يتعلق بالسياسات العامة للمصرف التي تدار من قبل مجلس الإدارة.

ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق سيعطي جماعة الإخوان سيطرة شبه مطلقة على المصرف، نظرا لأن المادة 19 من قانون المصارف تجيز لنائب محافظ المركزي عقد اجتماع لمجلس الإدارة شرط حضور غالبية الأعضاء، وبالتالي يجوز للنائب وأربعة أعضاء فقط إصدار القرارات في غياب المحافظ، وهم يمتلكون النصاب القانوني لتمريرها.

كما أن عدد من سيتم تعيينهم من قبل مجلس الدولة سيمنحهم حق رفض أو إلغاء أي قرارات لا تخدم مصالح التيار، الذي يمثلونه وهو المحسوب على الإسلام السياسي والقريب من تركيا.

وبالنظر إلى هذه المعطيات، فإنه في حالة حصول أي أزمة جديدة بين شرق البلاد وغربها، فإن المصرف المركزي سيكون كما كان خلال السنوات الماضية تحت سيطرة ذات مراكز النفوذ في غرب البلاد، وبالتالي قد تتزايد احتمالات العودة إلى المربع الأول من الأزمة، التي تفجرت قبل نحو عشر سنوات، وأن أي خلل في نشاط المركزي سيجعل البلاد تدخل متاهة جديدة من المشاكل لا أحد يستطيع معرفة متى ستنتهي.

بداية أزمة جديدة

مشهد سياسي معقّد
مشهد سياسي معقّد

يعتقد مراقبون أن مثل هذه الخطوة قد تعقد المشهد السياسي الليبي المعقد أصلا على الرغم من أن هناك جهودا كبيرة إقليميا ودوليا لفض النزاعات بين الطرفين وإنهاء حالة الحرب وجعل الفرقاء يتفقون على نسيان الماضي والدخول في مرحلة جديدة.

ويستند عضو مجلس النواب عبدالسلام نصية على مخرجات المادة 15 من الاتفاق السياسي الليبي، والتي نصت على أن يتم اختيار محافظ المركزي فقط بالتشاور بين مجلس النواب ومجلس الدولة، أما نائب المحافظ وأعضاء مجلس الإدارة فإن تعيينهم اختصاص أصيل لمجلس النواب وفقا للقانون رقم واحد لسنة 2005 وتعديلاته.

واعتبر نصية أنه إذا صح هذا الاتفاق فإنه مخالف لكل الاتفاقات السابقة، ومن هنا لا يحق لأي عضو من أعضاء مجلس النواب التنازل عن حق يكفله القانون والاتفاق السياسي لأعضاء مجلس النواب.

وهناك أرضية قانونية قديمة يفترض أن يعمل عليها الفرقاء السياسيون المنقسمون بين الشرق والغرب، فوفق المادة 19 من قانون المصارف للعام 2005 يجتمع مجلس الإدارة بدعوة من المحافظ أو من نائبه عند غيابه في مقر المصرف مرة على الأقل كُلَّ شهر ويجوز اجتماعه بناء على طلب أغلبية أعضائه.

كما تشير المادة ذاتها إلى أنه لا يكون اجتماع المجلس صحيحا من الناحية القانونية إلا إذا حضره أكثر من نصف الأعضاء بمن فيهم محافظ المركزي أو نائبه، كما يجب أن تصدر قرارات مجلس إدارة المصرف بالأغلبية المطلقة لعدد أصوات الأعضاء الحاضرين وعند التساوي يرجح الجانـب، الذي منه الرئيس.

ولمجلس إدارة المركزي أيضا أن يدعو لحضور اجتماعاته من يرى الاستعانة بهم من ذوي الخبرة أو من موظفي المصرف دون أن يكون لهـم حـقُّ التصويت ويجوز أن ينعقد المجلس خارج مقر المصرف بشرط أن يكون هذا الاجتماع داخل البلاد.

لكن هذا القانون تم اتخاذه والتصديق عليه عندما كانت الدولة قائمة كوحدة واحدة، وغير منقسمة على ذاتها كما هو الحال في الوقت الحالي، وغير خاضعة للتجاذبات والصراعات ومحاولات اقتناص الفرص لنهب الثروة واللعب بالمقدرات من قبل الجهات الداخلية والخارجية.

طريقة تحديد اختيار الأعضاء ستعطي جماعة الإخوان سيطرة شبه مطلقة على المصرف المركزي

وهذا الأمر يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الفرقاء السياسيين على تنفيذ وإقرار القوانين المتعلقة بأهم مؤسسة مالية في الدولة النفطية، للوصول إلى حالة من التوافق، وبالتالي رسم معالم إنهاء التوتر القائم الذي لن يعود بالنفع على أي أحد في ليبيا.

ويعتقد المهتمون بالشأن الليبي أن مجلس النواب وقع مرة أخرى في مصيدة الإخوان، بتفريطه في صلاحياته الأصلية كمؤسسة تشريعية، وتحوله إلى جهة خاضعة لتوجهات مجلس الدولة الذي لا يمتلك حق التشريع واتخاذ القرارات، وإنما توصل إليه بفرض سياسات الأمر الواقع خلال السنوات الماضية.

ووجد تيار الإسلام السياسي في ليبيا في تلك السياسات دعما من جهات إقليمية وخارجية لا يهمها إلا العمل على التمكين للإسلام السياسي ضمن أجندات الصراع على المصالح الاقتصادية والتفريط في ثروات البلاد والتبعية للقرار الأجنبي.

ومهما يكن من أمر فإن جماعة الإخوان انتصرت في حوار أبوزنيقة، وأثبتت قدرتها على المناورة والخداع بالاعتماد على توصيات حلفائها وخاصة في قطر وتركيا، وعلى الاستشارات التي تحصل عليها من مراكز البحوث والدراسات في العواصم الغربية، في حين اكتفى مجلس النواب التائه في أجندات المصالح الذاتية بالموافقة، التي ستدفع بالبلاد إلى مرحلة أخرى من الخلافات والصراعات.

7