إخوان ليبيا ينتهجون ثقافة الإنكار للتملص من الفشل

الإخوان على يقين من فشلهم وبأنهم مرفوضون شعبيا في الداخل لكنهم ينكرون ذلك.
الخميس 2019/11/14
حديث الإخوان لم يعد يثير الإعجاب ولا التعاطف

تميل التيارات العقائدية، وخاصة منها الحاملة لمشروع ديني ملغم كمشروع الإسلام السياسي، إلى ثقافة الإنكار، كوسيلة لنفي الواقع وتبرير الممارسات غير السوية. ويمثل إخوان ليبيا في هذا الإطار نموذجا لجماعة دينية تبيع الوهم للجماهير، بحديث عاطفي غير عقلاني، ينكر عزلتها الدولية ويرفض الاعتراف بمسؤوليتها عن الاغتيالات والتصفيات والإقصاء ونشر ثقافة الحقد والفساد وتدمير الاقتصاد التي انتشرت في ليبيا بعد سقوط النظام السابق.

يبدو أن إخوان ليبيا لا يستوعبون الدرس، وإذا استوعبوه فإنهم كغيرهم من جماعات الإسلام السياسي، يميلون إلى ثقافة الإنكار: إنكار الواقع وإنكار الحقيقة، ثم إنكار الوعي والنتائج، وصولا إلى ما هو أخطر وهو إنكار الإنكار، كوسيلة مرضية للدفاع عن النفس والتقوقع حول سلوك وممارسات ومفردات سرعان ما يثبت الوقت أنها فاشلة.

خلال الأسابيع الماضية، صدرت تصريحات عدة عن قيادات إخوانية وميليشياوية تصب في اتجاه واحد، وهو أن العالم تخلى عن المجلس الرئاسي وحكومته، وبات ينظر إليهما كعضو ميت من المفترض بتره حتى لا يبقى عبئا على الجسد المرهق بتبعات الحرب والخراب والإرهاب والفساد.

منذ ثمانية أعوام وإخوان ليبيا يدركون أن “حفلة” ما بين 2011 و2013 قد انتهت ولن تعود، لكنهم يكابرون، هم على يقين بأنهم مرفوضون شعبيا في الداخل، وأن لا أحد يتعاطف معهم في الخارج باستثناء المحور إياه، وبعض الجهات الغربية التي لا تزال تعتقد أنه يمكن استعمالهم كحصان طروادة للسيطرة على ثروات البلاد ومقدراتها.

حديث الإخوان المزعوم عن الحرية والديمقراطية والمدنية وحقوق الإنسان، لم يعد يثير الإعجاب ولا التعاطف، عموما يدرك العالم أن التيارات العقائدية، وخاصة منها الحاملة لمشروع ديني ملغّم كمشروع الإسلام السياسي، لا يمكن أن تكون ديمقراطية، هي فقط تناور بتلك الشعارات من أجل كسب مساحات للتغلغل في الحكم والسيطرة على المجتمعات قبل الانقلاب على أي مسار ديمقراطي. التجارب السابقة أكدت ذلك، وما يحدث في العراق حاليا ليس بعيدا، ففي العام 2003 أدى التدخل الأجنبي إلى إسقاط نظام وطني بزعم أنه دكتاتوري، وتمت كتابة دستور جديد وتنظيم انتخابات تعددية، ورفعت شعارات الديمقراطية، لكن النتيجة كانت أكثر من كارثية.

فالإسلام السياسي الشيعي قاد البلد إلى التهلكة، الوضع بين العراق وليبيا لا يختلف كثيرا، حيث أدى التدخل الخارجي إلى إسقاط النظام ومن ثمة سيطرة تيارات دينية بواسطة ميليشيات مسلحة أوغلت في الاغتيالات والتصفيات والإقصاء ونشرت الحقد الأعمى مع فساد غير مسبوق وتدمير للبنى الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للشعب.

بعد الإطاحة بالنظام السابق، شهدت ليبيا وضعا شاذا في المنطقة عندما وصل تنظيم القاعدة إلى الحكم من خلال تحالفه مع الإخوان، كان ذلك التحالف واحدا من أبرز مخرجات الربيع العربي قبل إطلاقه من مخابر الدوحة وبلغراد وزغرب وغيرها، تحت إشراف أجهزة مخابرات غربية، على أن يتجسد قتالا ضد الأنظمة ثم تقاسما للسلطة، لذلك عرفت ليبيا انتشار الميليشيات التي حكمت بالحديد والنار، وأحرقت الأخضر واليابس، ومارست كل أشكال الإرهاب الفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتكفيري، وافتتح قادتها سجونا ومعتقلات للحساب الخاص، ونفذوا عمليات القتل على الهوية والنهب والسلب والتشريد وجرائم العقاب الجماعي ضد المدن والقرى والقبائل الليبية.

لا أحد يتعاطف مع الاخوان
لا أحد يتعاطف مع الاخوان 

ذلك الوضع هو الذي دفع بالجيش الوطني لجمع شتاته وإطلاق عملية الكرامة في ربيع 2014، ليحقق ما يرعب الإخوان: القضاء على الإرهاب وبسط الأمن في مناطق سيطرته، والحفاظ على منابع الثروة، وترسيخ المصالحة الوطنية، وبناء مؤسسة وطنية فاعلة مندمجة ضمن مشروع الاعتدال العربي، تحظى باحترام دولي.

ولتحرير العاصمة من سلطة الميليشيات كان لا بد من إطلاق طوفان الكرامة الذي اقترب من تحقيق أهدافه بجرف أوكار التطرف والفساد والكراهية في طرابلس، وما تبقى من أوكار العصابات الإجرامية في المنطقة الغربية، الأمر الذي جعل الإخوان وحلفاءهم يتحركون على مختلف الأصعدة، ليس في أفواههم ولا على ألسنتهم إلا زعمهم بأن ما يحدث هو انقلاب عسكري على الدولة المدنية، وهم يقصدون دولة الميليشيات طبعا.

غاب عن الإخوان أن الجيش أطلق عملية طوفان الكرامة منذ سبعة أشهر، وأن العالم على إطلاع تام على كل ما يدور على الأرض، وليس هناك من يندد بموقفه سوى قطر وتركيا وتيارات الإسلام السياسي، حتى مجلس الأمن اختار الصمت، والمنظمات الإقليمية بدت وكأنها تساند المشير حفتر في خطته لتحرير البلاد، فيما إخوان ليبيا مصدومون بسبب الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه، وهم يعترفون بأنهم كلما حاولوا جس نبض طرف أجنبي، وجدوا جوابه ملتبسا بابتسامة غامضة: لا نرى حلا إلا في مؤسسة عسكرية قوية قادرة على بسط نفوذ الدولة على أراضيها وحدودها وثرواتها ومجتمعها.

ومع ذلك، لا يزال أعضاء المجلس الرئاسي والدائرة الإخوانية عموما ينكرون الواقع ويكابرون في مواجهته، هم يعلمون جيدا أن دورهم انتهى وأن الجيش سينهي مهمته بتحرير العاصمة، ولكنهم لا يرون مانعا بالدفع بالمزيد من الشباب المغرر به إلى محاور القتال، وتبديد المزيد من الثروة لإرضاء نزوات أمير حرب مجنون أو رجل أعمال معاد لبلاده أو محور إقليمي أثبت فشله.

إن ثقافة الإنكار لم تعد تنفع إخوان ليبيا في شيء لذلك عليهم أن يصارحوا أنفسهم بأن العالم تخلى عنهم، والشعب يرفضهم، والجيش مقبل على تحرير العاصمة من شرورهم.

13