إخوان مصر: إما نحكم أو نحرق البلد

الخميس 2013/08/15
الجماعة تسعى لتحقيق أهدافها حتى ولو أدى الأمر إلى حرق البلاد

القاهرة - تقود بقع الدم الى المشرحة المرتجلة التي أقيمت تحت خيمة قرب مقر قيادة انصار الرئيس المعزول محمد مرسي في رابعة العدوية. هنا وضعت جثث رجال قتل بعضهم بالرصاص إثر اشتباكات مع قوات الأمن المصرية. وحول هذا "المستشفى الميداني" المرتجل، تنهمر القنابل المسيلة للدموع، وتختلط رشقات الأسلحة النارية بهتافات الاسلاميين التي تبثها مكبرات الصوت من المنصة المجاورة.

ومن على هذه المنصة، خطب أئمة وقادة التحالف ضد الانقلاب حتى ساعة متقدمة من الليل، في آلاف الشبان، مطالبين إياهم بالاستمرار في الاعتصام ومواجهة الأمن من أجل "الشرعية" وعودة الرئيس محمد مرسي الذي أقاله الجيش في الثالث من تموز-يوليو. وعلى بعد أمتار قليلة تنتشر السنة اللهب وتغطي سماء القاهرة سحب الدخان نتيجة الحرائق التي أشعلها أنصار الرئيس المعزل محمد مرسي خلال يوم دام عاشت على وقعه مصر. صباح أمس 14 أغسطس بدأت الأجهزة الأمنية باتخاذ الإجراءات اللازمة لفض الاعتصام في ميدان رابعة العدوية. وقامت قوات الأمن بإزالة الحواجز الموجودة على مداخل ميدان رابعة العدوية من اتجاه شارع الطيران وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع على المعتصمين عقب مناشدة قوات الأمن المعتصمين الخروج من الميدان ووفرت لهم ممرات للخروج الآمن.

لكن، أنصار جماعة الإخوان المسلمين، أحسوا أن فشل الاعتصام يعني سقوط آخر أوراق التوت وانهيار آمالهم في عودتهم إلى السلطة في مصر، حتى ولو تم ذلك على جثث المصريين. ونقلت تقارير مصرية أن تنظيم الإخوان أصدر تعليمات لأنصاره بالقاهرة والمحافظات بتنفيذ خطة "الشلل الكامل" للطرق، بالإضافة إلى إنهاك وزارة الداخلية وتشتيت مجهوداتها.

ونقلت شاهدة عيان من محيط ميدان رابعة العدوية أن أنصار الإخوان من على المنصة كانوا ينادون على المعتصمين في مكبرات الصوت لحثهم على عدم الخروج قائلين "اثبتوا ورابطوا وموتوا واقفين في مواقعكم"، "لا تتركوا المكان للخونة والزناديق"، "الشهادة.. الشهادة في سبيل الله والإسلام".

وأردفت: "قوات الأمن ناشدت المعتصمين الخروج، ووفرت لهم ممرات للخروج الآمن ولكني لم أر سوى أعداد ضئيلة جدا غادرت المكان ولا يزال هناك عدد كبير من السيدات والأطفال.

وقالت متساكنة أخرى في ميدان رابعة العدوية: "إنني سعيدة جدا بفض الاعتصام.. كلما مرت مروحية للجيش ألوح لهم بعلم مصر وألقي عليهم التحية. لقد كنا تحت الاحتلال وتخلصنا أخيرا منه".

احتلال إخواني للميدان


بعد أيام عديدة من النشاطات الدبلوماسية رفيعة المستوى والمفاوضات وراء الكواليس، فشلت جميع الجهود الرامية للتوصل إلى تسوية سلمية وحل الأزمة السياسية في مصر.

نتيجة لذلك، لم تجد السلطات المصرية بدّا من التدخّل لفض الحصار الذي فرضه أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، منذ 28 يونيو الماضي، على ميدان رابعة العدوية. وكان سكّان الميدان اشتكوا مرارا من حالة الشلل التي يعيشونها نتيجة سيطرة المعتصمين عليه.

كما رصدت تقارير عن وجود الكثير من التجاوزات في الميدان، بدءا من "نكاح الجهاد" وصولا إلى تجارة الأسلحة واستغلال الأطفال مرورا بالحركة التجارية المعطلة في الميدان الذي يضم كبرى الشركات التجارية في البلاد، ناهيك عن الاعتداء على كل من تسول له نفسه، من أهالي المنطقة، انتقاد ما يجري في الميدان.

بدأ ميدان رابعة العدوية في الظهور رويدا رويدا في الإعلام، وبرز تحديدا العام الماضي مع أول تظاهرات ضد حكم الإخوان من التحرير إلى قصر الاتحادية (مقر الرئاسة)، واختار أنصار الإخوان التجمع عند مسجد رابعة العدوية حيث تقاطع شارعين رئيسيين في منطقة مدينة نصر بالقرب من قصر الرئاسة وكثير من المنشآت العسكرية. أقيمت في ميدان رابعة العدوية منصة لأنصار مرسي، أمام الجامع في قلب المنطقة، وهي المنصة الوحيدة التي طالبت بشرعية حكم مرسي وبطلان قرار عزله.

وكان الخطباء يتوالون على منصة رابعة العدوية ويلقون خطابات حماسية غلب عليها تكفير المعارضين للإخوان واتهام الجيش بالخيانة وكثيرا ما كانت تقابل أخبار مقتل جنود في هجمات في سيناء بالتهليل فرحا والتكبير.

وبدأ المعتصمون في خلع حجارة الأرصفة وبعض حجارة أحواض الزهور ومداخل البنايات وأقاموا بها حواجز لمنع زحف قوات الأمن والجيش ثم في الأيام الأخيرة قاموا بتعلية هذه الحواجز وأقاموا حواجز من أكياس الأتربة.

وفي الداخل، كانت الخيام مقسمة حسب المناطق التي جاء منها المعتصمون، حيث أن أغلبيتهم من خارج القاهرة وخاصة من محافظتي الفيوم وبني سويف المعروفتين بأنهما من معاقل الجماعات الإسلامية، كذلك لوحظ وجود عدد كبير من محافظة الدقهلية.

ورفع المعتصمون صور مرسي، وانتشر الباعة الجائلون في المكان لبيع الأكلات الشعبية، كما كان يتم توزيع وجبات على المعتصمين.

كان هناك عدد كبير من النساء والأطفال، خاصة في الأسابيع الأخيرة، وأدانت جمعيات حقوق الإنسان المحلية والدولية ذلك خاصة بعد خروج أطفال في مسيرات حاملين أكفانهم ومكتوب على ملابسهم "مشروع شهيد".

حرق البلد

لم تمر عملية فض الاعتصام بسلام وأمن كما كان مخططا لها، حيث رفض الإخوان وأنصارهم الانصياع للقانون وفضلوا اتباع سياسة الأرض المحروقة بعد أن تبينت خسارتهم واضحة.

وقد تم رصد الكثير من التجاوزات والاعتداءات التي ارتكبها المعتصمون. من ذلك أظهرت صور بثها التلفزيون المصري ملثمين مسلحين يطلقون النار على قوات الأمن أثناء قيامهم بفض اعتصام جماعة الإخوان المسلمين في ميدان نهضة مصر في الجيزة غربي القاهرة.

فيما تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورا وفيديوهات تكشف إقدام عناصر من الإخوان على قلب دبابة من فوق كوبري 6 أكتوبر، فيما كشفت صور أخرى عن وجود جماعات مسلّحة تمارس الإرهاب ضد المواطنين ورجال الأمن وكل من يعترض طريقهم. وألقت أجهزة الأمن القبض على 50 شخصا من الإخوان المسلمين بميدان رابعة العدوية بحوزتهم أسلحة بيضاء واسطوانات غاز وهراوات.

لم يكتف مؤيّدو "الشريعة" ببث الرعب، بل عادوا إلى هوايتهم المفضّلة في بث الفتنة في أوساط الشعب المصري واستهداف الأقليات القبطية. وقد سجّلت التقارير حرق عدّة كنائس واعتداءات على محلات ومدارس مسيحية. وقال شاهد عيان إن أنصار الإخوان قاموا بإحراق كنيسة السيدة العذراء في المنيا، في حين اندلعت نيران أيضا بكنيسة "مارجرجس" في سوهاج. وألقى موالون لمرسي قنابل حارقة على كنيسة الراعي الصالح في شارع الجيش بالسويس؛ فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين أشعل بعضهم النيران في باص سياحي أمام مطرانية الأقباط، ودمروا متاجر يملكها أقباط.

وذكر بيان لائتلاف أقباط مصر أن أنصار الرئيس المعزول من جماعة الإخوان اعتدوا على 7 كنائس، هي: كنيسة مارجرجس بسوهاج وكنيسة العذراء بالفيوم وكنيسة مارمينا والعذراء والأنبا إبرآم بالمنيا وكنيسة مارجرجس ببني سويف والكنيسة المعمدانية ببني مزار في المنيا وكنيسة الراعي الصالح بالسويس. وأدانت مشيخة الأزهر الاعتداءات التي تعرضت لها الكنائس في مصر ووصفتها بـ «الإجرامية». وقالت المشيخة إن «الاعتداءات على الكنائس المصرية اليوم عقب بدء إجراءات فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية، هي أمور إجرامية ونقض لأمر القرآن الكريم بالحفاظ على كنائس المسيحيين وأديرتهم وسائر أنواع الديار التي يُعبد فيها الله».

انتشار العنف


انتقلت شرارة العنف من القاهرة إلى مناطق متفرقة من البلاد، تصاعد التوتر في جميع مراكز وأقسام شرطة محافظة شمال سيناء، حيث قام متظاهرون بمحاصرة مركز بئر العبد وطرد من فيه من ضباط شرطة .وكذلك تم قطع الطرق الرئيسية في شوارع العريش، وخلت شوارع المدينة من المارة، باستثناء احتشاد أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي في ساحة النصر، كما تم إغلاق الأسواق والمحلات والمقاهي.

وقالت وزارة الداخلية في بيان إنها رصدت صدور تعليمات من قيادات جماعة الإخوان المسلمين إلى كوادرها بالمحافظات والمراكز بمهاجمة أقسام ومراكز الشرطة. وأضافت أنه «بدأ تنفيذ المخطط في بعض المحافظات، ومنها القاهرة وبني سويف والمنيا وأسيوط».

وتشير التقارير إلى أن تنظيم الإخوان وضع خطة بديلة في حالة فض الاعتصام تتضمن قطع عدد من الطرق الحيوية ومحاصرة أقسام الشرطة، لتشتيت جهود الداخلية، لتنظيم اعتصامات بديلة علاوة على التصعيد العنيف بعدد من المحافظات من بينها سيناء والمنيا ومطروح.

مواقف تدين الأحداث

فيما اعتبر حزب مصر القوية الذي يتزعمه عبد المنعم أبو الفتوح الهجوم على اعتصامي رابعة والنهضة «جريمة تتحملها السلطة الحالية»، شدد المؤرخ والباحث السياسي محمد الجوادي على أن وقف نزيف الدماء في مصر لن يتم إلا بالضغط الدبلوماسي الدولي، مستبعدا أن تنجح المبادرات والحوار الداخلي في وضع حد للأزمة. كما أكد أن «الصمود هو السبيل الوحيد لإيقاف الجبروت والغطرسة».

بدوره جدّد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ثبات موقف الأزهر الرافض لاستخدام العنف بديلا عن الحلول السياسية، معربا عن أسفه لإراقة الدماء في البلاد.

وشدّد الطيب على أن الأزهر «لايزال على موقفه من أن استخدام العنف لا يمكن أن يكون بديلا عن الحلول السياسية، وأن الحوار العاجل والجاد هو الحل الأمثل للخروج من الأزمة»، محذّرا من خطورة استخدام العنف واستمرار إراقة الدماء. ودعا جميع الأطراف في مصر إلى ضبط النفس وتغليب صوت الحكمة والعقل ومصلحة الوطن، والاستجابة للجهود الوطنية لتحقيق المصالحة الشاملة، مطالبا بعدم الزج بالأزهر في الصراع السياسي القائم.

وعلى الصعيد الدولي دعت تركيا الأسرة الدولية إلى وقف ما أسمته «المجزرة» في مصر فورا. ودان الرئيس التركي عبدالله غول فض اعتصام أنصار مرسي مؤكدا أن هذا الأمر «غير مقبول»، معربا عن خشيته من تحول الوضع في مصر إلى نزاع مماثل لما يحدث في سوريا.

ودعا وزير الخارجية الألماني غيدو فسترفيلي اليوم «جميع القوى السياسية» في مصر «إلى تجنب تصاعد العنف». وقال فسترفيلي «يجب منع إراقة جديدة للدم في مصر، نطلب من كل الأطراف العودة إلى عملية سياسية تشمل كل القوى السياسية». وتابع فسترفيلي «نتوقع من الحكومة الانتقالية والسلطات المصرية السماح بالتظاهرات السلمية». وأوضح فسترفيلي «بالطريقة نفسها نتوقع من كل القوى السياسية الأخرى أن تنأى بنفسها عن العنف وألا تلجأ إليه».

وفي السياق ذاته، استنكرت قطر فض الشرطة المصرية لاعتصامي الإخوان المسلمين

على إثر أعمال العنف التي استجدّت أصدر الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور قرارا بفرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة شهر.

ومن المنتظر أن تشهد الساعات المقبلة إجراءات حاسمة لوقف انزلاق البلاد إلى منعطف الفوضى أو الحرب الأهلية. لكن أيا كانت المواقف وتطوراتها فإن ما يبدو مؤكدا هو أن فض اعتصامي «رابعة» و»النهضة» وما رافقه من سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى سيكون نقطة محورية في تاريخ مصر.

6