إخوان مصر.. الاستجداء السياسي بالدين

الاثنين 2013/12/16
معركة سياسية يخوضها الإخوان باستدعاء كل ما أتيح من المقولات الدينية والقرآن الكريم

مثلما تقدمت جماعة الإخوان المسلمين إلى المعترك السياسي المصري بعد الثورة شاهرة مقولاتها الدينية، لضمان استمالة أقصى ما أمكن لها من الشعب المصري، فهي تواصل بعد إسقاط الرئيس محمد مرسي من الحكم اعتماد الوسيلة والأداة ذاتها، إذ ترفع لواء “الدفاع عن الشرعية” وتعتبر إسقاط حكم الإخوان “ردّة عن الإسلام”، وفي ذلك استغلال فجّ لمشترك قيمي يجمع غالبية المصريين، ومؤشر ودليل على الإفلاس السياسي الذي حال دونهم وتقديم برامج عملية مقنعة لعامة الشعب بعيدا عن توظيف الشعارات الدينية.

ملفت للنظر والاهتمام حينما يفاجئك أحد المنتمين لتنظيم الإخوان المسلمين بأن ما يصنعه التنظيم من تظاهرات وتعطيل للمصالح والأعمال أمراً مهماً لاسترجاع الشرعية المفقودة وإن كانت تائهة بالفعل، والجدير بالاهتمام أكثر حينما يدهشك مريد للتنظيم أن المسألة لا تتعلق بعودة المعزول محمد مرسي الرئيس السابق لمصر الثورة، بل إن حقيقة الممارسات التي تتم في الجامعات والشوارع وبعض الهيئات مفادها تكريس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام رأي المواطن الذي صوَّت لصالح مرشح التنظيم وذهب طواعية تارة، وكراهية تارة أخرى صوب صناديق الاقتراع.

إذن نحن بحق أمام ثلاثة مصطلحات هي من مكتسبات الثورة الشتائية في يناير 2011 وهي؛ الشرعية والديمقراطية وصندوق الاقتراع، وبالتأكيد ليست هذه السطور بصدد مناقشة ورصد دلالات المصطلحات الثلاثة التي وجدناها قائمة في مظاهر صوتية شتى، وعن طريق رسومات الغرافيتي، وخروج الملايين مطالبة بالإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، أي باختصار يمكننا القول بأن الثورة نجحت نظرياً حينما أسقطت نظام مبارك العتيد، وتفوقت عملياً حينما قرر الشعب استخدام شفرة يناير للخروج في يونيو الأحمر 2013 في وجه محمد مرسي وتنظيمه الذي يتأرجح بين العمل السري والعلني وكأنه تنظيم يأبى أن يجد استقراراً لهويته.

وربما لا يزال التطبيق العملي لمكتسبات ثورة يناير قائماً ومستمراً من خلال رد فعل الشارع تجاه تظاهرات تنظيم الإخوان، واتجاهاتهم نحو أعمال الفوضى بالجامعات المصرية التي فشلت علمياً، وكذبت على مستوى الدراسات التخصصية، ونجحت في أن تكون مسرحاً كبيراً للفعل السياسي غير المنضبط أحياناً. وإذا كانت المصطلحات السياسية الشرعية والديمقراطية وصندوق الاقتراع من أبجديات الدولة المدنية التي لا يمكن توصيفها بالعلمانية أو الليبرالية بل كما هي مدنية، فلماذا نجد أنصار التنظيم- الذي عاد سرياً على الورق وعلنياً في الشارع- يصرون على جعل المعركة بين الذين أطاحوا بالرئيس المعزول وبينهم معركة تتصل بالدين وبمقوماته ومرتكزاته الرئيسية؟

وحقاً كلما مررت بمشارك في مسيرات الغضب بالجامعات المصرية المطالبين بعودة الرئيس المعزول مرة ثانية إلى سدة حكم مصر وجدته يحدثني بأن الرئيس المعزول معادل موضوعي للدين، وأن وجوده في الحكم وتنظيمه يرادف الحافظ على الشريعة الإسلامية في مصر، وهذا أمر يدعو ليس فقط للدهشة بل للريبة أيضاً، وذلك عائد لعدة أسباب جميعها تتصل بجدلية العلاقة بين الدين والدولة، وما تنتابها من حالات انفصال واتصال غير منقطعة.

فبقراءة المشهد السياسي لمصر في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي علم المصريون جميعهم أنهم قاموا بانتخاب رجل سياسة وليس رجل دين، لا سيما وأن الزعامة الدينية أو السلطة الروحية في الإسلام في مصر مقرها ومستودعها الأزهر الشريف، وعلى رأسه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وإن جاز لنا الاهتمام بالعبارات والاستشهادات التي تخللت سياق الخطاب السياسي للدكتور محمد مرسي، فهذا لا ينفي الصفة السياسية له ولا يؤكد السلطة الروحية لديه لوجود مؤسسة معنية بهذه الأمور والمسائل والقضايا.

السبب الثاني الذي يدعو للدهشة من موقف المعارضين للانتفاضة الشعبية المليونية التي هبت في يونيو الأحمر، واستطاعت أن تطيح بعرش الرئيس المعزول ومن ثم تنظيمه هو التأويل السياسي لدور الدين، فطوال سنة كاملة هي فترة حكم الرئيس السابق والمصريون كعهدهم الأزلي بالدين الإسلامي وبحق، فالمصريون لديهم ولع وعلاقة أبدية بالتدين وبالاحتفاء بكافة المظاهر والشعائر الدينية منذ أن تم الفتح الإسلامي لمصر، وفي هذه السنة لم يُظهر لنا الرئيس السابق أية اهتمامات رسمية تجاه المؤسسة الدينية الرئيسة في مصر، أعني الأزهر الشريف، بل رصدنا أكثر من حالة تهميش لدور الأزهر وشيخه الجليل، ورغم ذلك الغياب فإن نفوذ الصبغة الدينية قد ساد وسيطر على مشهد التظاهرات التي قام بها أنصار تنظيم الإخوان المسلمين، واعتبروا أن انتفاضة يونيو الأحمر ردة على الإسلام ونكوصاً وارتداداً لعصور الجاهلية الأولى.

وإذا كان الرئيس المعزول قد فشل في إيجاد صيغة توافقية بين الديني والسياسي طيلة فترة حكمه الوجيزة، والتي يريد أن يختزلها المصريون في موقف التصويت الانتخابي فقط، فإن أنصاره ومريدي تنظيم الإخوان قد نجحوا في دمج الديني بالسياسي حينما وصفوا ما تم في يونيو بالانقلاب على الشرعية، وهم يقصدون «الشرعية» بمعناها المعادل للشريعة حسب وصفهم، بل يعتبرون أنفسهم الآن في جهاد محموم ومستعر لحماية الشرع والدين.

والحقيقة التي لا يشوبها شك أن تتويج العلاقة بين الديني والسياسي تم عقب عزل الرئيس محمد مرسي وتمت حياكة هذا التتويج بدقة، بالصورة التي جعلت الكثير من البسطاء يفكرون جليا أن مسألة إقصاء التنظيم والرئيس بمثابة حرب علنية على الإسلام، حتى وإن خرجت الدعوات والخطب المنبرية الأزهرية لتنفي هذا الأمر، فكثير بل جميع أنصار الرئيس السابق يرون في الأزهر مؤسسة تابعة للدولة وليس الشعب.

ولكن هؤلاء وهم ينددون بعزل الرئيس السابق، لم يعوا جيدا أن مثل هذه الممارسات تضفي شرعية على الملك والحكم، وهذا يجعل الدين دوما في حالة تبرير مستمرة لتناقضات الفعل السياسي، الذي هو بدوره فن الممكن والمستحيل ويقبل التجاوزات ويتيح قدراً كبيراً من المناورات السياسية التي قد تخالف بالطبع الشريعة السمحة. وثمة مشكلة أن نجعل الدين دوماً غطاءً سياسياً، وفكرة إفراغ الدين من دهاء السياسة أمر طبيعي للحفاظ على الدين نفسه وعدم المساس بقدسيته.

ولقد أشرت من قبل في كتابي الصادر العام الماضي بعنوان «فقه الخطاب الديني المعاصر» إلى السؤال الذي لازال يبحث عن إجابة حصرية له وهو: هل الدين والسياسة لحظتان متعاقبتان؟ ولعل القضية تبدو أكبر من المساجلات الدائرة بين فريقين؛ فريق يرى بضرورة فصل الدين عن السياسة أو الدولة، وفريق آخر يرى ضرورة الدمج واختلاق تجربة فريدة تجمع الديني بالسياسي، لكن الأمر يظل رهن الممارسات السياسية التي تتطلب تدخل سلطة الدين، لاسيما وأن الدين يتمتع بحضور استثنائي في كافة مناحي الحياة وأنشطتها، لكن المحك الرئيس في هذا الحضور هو طبيعة المستخدم له وهويته ونوازعه التي قد تحركه بعيداً عن شاطئ النجاة.

ويخطئ من يعتقد أن الدين مجرد تجربة معيشة تمتلئ بها الحالة السياسية، وخصوصاً في مصر، لأن المصريين بطبيعتهم أمام تحد يومي إزاء أنفسهم أولاً ثم أمام الآخرين، لأنهم يفرضون على أنفسهم سياجاً قوياً ومانعاً يقيهم شرور الفتنة ومثالبها، وكم من مؤرخ طاف بالمحروسة وخرج باستقراء مفاده أن هذا الشعب متدين بالفطرة، بل يمكن الإضافة على هذا بأن المصريين لديهم امتلاء ديني لا يسمح بدخول أية معتقدات أو أفكار مغايرة لطبيعة وتعاليم ومبادئ وأحكام الشريعة، وهو الأمر الذي يغفل عنه أنصار تنظيم الإخوان، ومن أبرم معهم صفقة لإحياء عصر الجماعة من جديد. واليقين كل اليقين أن مصر الإسلامية والمتدينة ليست بحاجة إلى شروط جديدة للإيمان منها التسليم بشرعية رئيس أو جماعة أو فصيل، وليس منها أيضاً أن الذين أطاحوا بحكم ممثل التنظيم في الحكم انقلابيون.

هذه شروط دخيلة على إيمان المصريين بدينهم وبمعتقداتهم الدينية، فالدين لديهم في كل مكان، وربما يبقى الاستجداء السياسي بالدين في ممارسات مثل الانتخابات أو الحملات الدعائية السياسية من باب تطبيق شعار السياسة وحدها لا تكفي.

13