إخوان مصر.. قدم في السياسة وأخرى في الحرب

التفجير الذي شهده أحد مراكز تدريب الشرطة بمدينة طنطا (شمال مصر)، السبت، أكد أن جماعة الإخوان تصرّ على تقديم دلائل جديدة على رسوخ نفوذ تيار العنف بداخلها، بينما تلجأ في الوقت نفسه إلى تبييض وجهها بمحاولة إقناع الآخرين بالتزامها النهج الإصلاحي والسلمية.
الاثنين 2017/04/03
نزوع العنف ومكر السياسة

انفجار السبت، الذي أسفر عن مصرع شرطي واحد وإصابة 15 آخرين (12 شرطيًا و3 مدنيين)، أعلنت أحد أذرع الإخوان مسؤوليتها عنه، وهي حركة “لواء الثورة”، إحدى كيانات الحراك المسلح الإخوانية، حيث تم تفجير دراجة نارية أمام مركز تدريب الشرطة بطنطا. الحركة، قالت في بيانها المصحوب بصور خاصة بالعملية بعد تنفيذها “استهدفنا مركز تدريب وزارة الداخلية بمحافظة الغربية، بعبوة شديدة الانفجار، وقد انسحب مقاتلونا”.

خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية، وصفوا حركتي “لواء الثورة” و”حسم”، بأنهما ذراعا جماعة الإخوان المسلحتان، واللتان تقومان على مناهج تخلط بين الثورية الانقلابية والأيديولوجية الدينية، وهما نسخة متطورة للنظام الخاص القديم لجماعة الإخوان. وأكد الخبراء أن هاتين الذراعين تأسستا تحت أعين القيادة القطبية للجماعة، برئاسة محمود عزت، قبل بروز الانشقاقات الأخيرة مع بدايات عام 2015، وسرعان ما زاد نفوذهما مع تصاعد الانقسامات، نظرا لتوظيفهما في المزايدات الداخلية، وإعادة لمشهد تغوّل النظام الخاص القديم وخروجه عن سيطرة مؤسسه حسن البنا.

مراقبون نظروا لتفجير طنطا على أنه عملية ثأرية أعقبت بأيام قليلة تصفية كوادر الحركة الأربعة، حيث اعتادت حركتا “حسم” و”لواء الثورة” على القيام بعمليات انتقامية

عمل حركة “لواء الثورة”، يعتمد على القيام بعمليات نوعية ينفذها عدد قليل لا يتجاوز الثلاثة أفراد، وتتنوع أساليب التنفيذ بين استخدام البنادق الرشاشة أو المسدسات المزوّدة بكواتم الصوت أو السكاكين أو التفجير عن بعد، ويتم تحديد الأهداف بتكليف من قيادات الخارج المقيمة بتركيا.

وسبق وأن أعلنت الحركة مسؤوليتها عن عدد من أعمال العنف، أبرزها عملية كمين العجيزي بمحافظة المنوفية (شمال القاهرة) في نهاية أغسطس 2016، وحادث اغتيال العميد بالجيش عادل رجائي قائد الفرقة التاسعة مدرعات أمام منزله بالقاهرة في شهر أكتوبر الماضي.

وبثت الحركة شريطًا مصورًا، يظهر أربعة شبان يقرأون وصاياهم الأخيرة على طريقة تنظيم داعش، ثلاثة منهم طلاب بجامعة الأزهر، واحتوى الشريط مقطعًا لاثنين منهم أثناء تجهيزهما مواد مفخخة بمنطقة صحراوية.

وهو ما يعزز تبعية الحركة لجماعة الإخوان التي سارعت بتأبينهم كشهداء، خاصة بعد أن استضافت فضائيات تابعة للجماعة أسر الشبان الأربعة بعد قيامهم بعمليات إرهابية، واتهمت أجهزة الأمن بتصفيتهم.

مراقبون نظروا لتفجير طنطا على أنه عملية ثأرية أعقبت بأيام قليلة تصفية كوادر الحركة الأربعة، حيث اعتادت حركتا “حسم” و”لواء الثورة” على القيام بعمليات انتقامية، منذ مقتل الأب الروحي لجناح العنف محمد كمال في أكتوبر من العام الماضي.

وحول دلالة العملية الأخيرة، عقب الجدل الذي أثير بشأن رسالة جبهة محمود عزت للقادة العرب أثناء اجتماع قمة البحر الميت، والتي انطوت على لهجة مرنة توحي بتنازلات تنوي تقديمها لاعتمادها كممثل عن الجماعة، رجّح خبراء أن يكون هدف تنفيذ العملية في هذا التوقيت إحراج جبهة عزت وإبراهيم منير، ولم يستعبد آخرون أن تكون لها علاقة بزيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى واشنطن، ومحاولة إظهاره بمظهر العاجز عن السيطرة على الأمن في بلاده.

خالد الزعفراني، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، قال لـ”العرب”، إن جبهة “الكماليين” وأذرع الحراك المسلح داخل الجماعة، بما فيها حركة “لواء الثورة”، تسعى إلى قطع الطريق أمام أيّ خطوات في مسار التنازل والتوصل إلى حلول وسط تقدم عليها جبهة محمود عزت، لذلك تتعمد القيام بعمليات لإثبات أن الجماعة ليست تحت السيطرة الكاملة لهذا التيار، ومحاولة إفشال مساعي الإيحاء بأن الجماعة سلمية وكبح الوصول إلى تسويات تعزز نفوذ جبهة محمود عزت.

ويتصوّر قادة الجماعة حاليا أن بإمكانهم التحكم في المسارات المتناقضة داخلها، حيث يقومون بتوزيع بيانات ورسائل توافقية مرنة للرأي العام الداخلي والخارجي، لإظهار السلمية، وتواصل الخلايا المسلحة عملها سعيا إلى تأصيل العنف.

وتستهدف الجماعة من نشاطها المتمثل في حضور سياسي دعائي في الخارج، التغطية على ممارساتها العنيفة في الداخل، ونفي ارتباطاتها بتنظيمات تكفيرية مسلحة، في إطار حسابات متعلقة بالحفاظ على الحد الأدنى من قدرتها على تحقيق أهدافها الحالية وعلى رأسها بقاء الجماعة واستمرارها.

بقاء التنظيم، يُعدّ أولوية للجماعة كرهان أوحد للبقاء على قيد الحياة، لذلك تضغط على النظام المصري بكل الوسائل لإنقاذ قادتها، بما فيها ممارسة العنف والاغتيالات، والمناورة في المقابل لدى الجهات الخارجية التي تريد التعامل مع تيار إسلامي معتدل.

يرجح أن يكون هدف تنفيذ العملية إحراج جبهة عزت وإبراهيم منير وأن تكون لها علاقة بزيارة الرئيس المصري لواشنطن

وبالنظر إلى ما تعرّضت له الجماعة في مصر بالتحديد من ضربات شديدة هددت وجودها، فإن قادتها يحاولون استعادة التماسك والحضور، ويظل التنظيم المحكم هو الضمانة الوحيدة لوجود الجماعة وحمايتها.

ويستشعر التنظيم قرب حدوث تسوية وفق تفاهمات محددة مع أجهزة الأمن، لذلك تتسابق التيارات المتصارعة على تدشين كيان سياسي من شأنه استثمار ممارسات الجماعة على الأرض في صورة مكاسب سياسية.

وترى جبهة “الكماليين” الشبابية أنها الأحق بتصدر المشهد، بالنظر إلى جهودها في مواجهة مؤسسات الدولة طوال الأعوام الماضية، وهذا ما يفسر إقدامها على طرح ما عُرف بـ”تقييمات ما قبل الرؤية” كواجهة أولى لخطابها السياسي المستقبلي. وتُعدّ الأزمة التنظيمية الحالية داخل الجماعة الأعمق في تاريخها، وحظيت بمتابعة إعلامية وافية نقلت للجميع معلومات وأسرارًا ظلت محمية بستار السرية حتى عن قواعد الجماعة طوال عقود.

وقال مهتمون بشؤون الإخوان، إنه من الصعب الخروج بفوارق محددة بين التيارين المتصارعين داخل التنظيم، نظرًا لطبيعة التداخل بين مصالحهما وأهدافهما، ولعلاقة الأواني المستطرقة التي تحكم الجميع، بما فيهم أطياف تيار الإسلام السياسي من خارج الإخوان، ولم تكن جبهة محمود عزت وإبراهيم منير بعيدة عن مزاج العنف، لكن فارق الخبرة وحده هو الذي يعطي هذه الجبهة الأفضلية.

وقادة الحرس القديم، جبهة إبراهيم منير ومحمود عزت، لديهم القدرة على طرح المواءمات، وتصدير الخطاب التوافقي، مع الحرص على عدم الاعتراف علانية بانتهاج العنف أو تبني عمليات اغتيال سياسي خوفًا من فاتورة الحساب، بعكس أسلوب جبهة “الكماليين”، التي تشرف بشكل فعلي على نشاط لجان الحراك المسلح، وعلى رأسها حركتا “حسم” و”لواء الثورة”، واللتان تسعيان، بالتعاون مع تنظيمات أخرى، إلى ما أطلقت عليه “عسكرة الثورة المصرية”، على غرار النموذجين الليبي والسوري.

13