إخوان مصر.. ومشكلة العودة إلى صندوق الاقتراع

الخميس 2013/08/08

تقوم كلّ الحملة التي يشنها الإخوان المسلمون على الشعب المصري من أجل الاحتفاظ بالسلطة إلى ما لا نهاية على كلمة واحدة هي «الشرعية». يركّز الإخوان المسلمون في مصر على «الشرعية» في محاولة لإعادة الدكتور محمّد مرسي إلى الرئاسة. قد تكون «الشرعية» مبررا كافيا للمطالبة بإعادة عقارب الساعة إلى الخلف.. في حال كانت هناك «شرعية» حقيقية مستندة إلى انتخابات جرت في ظروف طبيعية.

ولكن في حال مصر، لا وجود لمثل هذه «الشرعية» التي تسمح للإخوان بالعودة إلى السلطة عن طريق واجهة في موقع رئيس الجمهورية، فما بني على باطل لا يمكن وصفه إلّا بأنّه باطل.

لا يستطيع أحد تزوير التاريخ، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بأحداث لم يمرّ عليها الزمن. لا يمكن الكلام عن «شرعية» من أي نوع كان عندما يكون هناك ملايين المصريين يعتبرون أنفسهم تعرّضوا لخداع الإخوان المسلمين. تبيّن مع مرور الوقت أن هؤلاء يستطيعون الهدم ولا علاقة لهم بالبناء.. وأن كلّ ما سعوا إليه يتمثّل في الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها إلى ما لا نهاية عن طريق صناديق الاقتراع. لدى الإخوان في كلّ مكان، شبق لا مثيل له إلى السلطة ولا شيء آخر غير السلطة.

هناك بكلّ بساطة مشكلة بين الإخوان وصندوق الاقتراع، أو على الأصحّ مع العودة إلى صندوق الاقتراع. لا لشيء سوى لأنّ صندوق الاقتراع يعني قبل أيّ شيء آخر التداول السلمي للسلطة. إنه ليس مجرّد وسيلة تستخدم للوصول إلى السلطة والبقاء فيها كما يشتهي الإخوان.

بكلام أوضح، لا وجود لانتخابات من أجل الانتخابات. الانتخابات تتويج لمسيرة ديمقراطية تقوم أوّل ما تقوم على الاعتراف بالآخر وبحقه بممارسة نشاطه السياسي بكلّ حرّية. هذا من جهة. أمّا من جهة أخرى، تعني الديمقراطية أوّل ما تعني احترام مؤسسات الدولة واستمراريتها.

ما حصل في مصر أنّ أوّل ما فعله الإخوان هو المسّ بهذه المؤسسات. حاولوا بكلّ وقاحة تحويل الدولة المصرية إلى دولة للإخوان. هذا ما لم يسمح به المصريون. هذا ما لم تسمح به المؤسسة العسكرية التي كانت شريكا في «ثورة الخامس والعشرين من يناير» التي خطفها الإخوان.

كشف الإخوان لعبتهم باكرا. انقلبوا على المؤسسة العسكرية التي لعبت دورا محوريا في حمل الرئيس حسني مبارك على التنحي عن السلطة. استخفّ الإخوان بالمؤسسة العسكرية، مثلما استخفوا بالشعب المصري. اعتقدوا أن اللعبة هي لعبة تذاكٍ. وقعوا في فخ لعبة التذاكي. هذا كلّ ما في الأمر. تبيّن أن الشعب المصري ليس بالغباء الذي يعتقدون، وأن المؤسسة العسكرية تمتلك ما يكفي من الوعي لإدراك أنّ ليس في استطاعتها أن تنتهي أسيرة تنظيم متخلّف يعتقد أنّه يكفي تجهيل الشعب المصري من أجل الإمساك به، وجعله أداة طيعة في يد تنظيم ديني لا يستطيع التعاطي الجدّي مع أي مشكلة مصرية.

لا شرعية من أي نوع كان للإخوان، لا في مصر ولا في غير مصر. لا يمكن بناء شرعية على هدم مؤسسات الدولة بدءا بالقوات المسلحة وصولا إلى القضاء مرورا بوزارة الداخلية والمحافظات. بلغت الوقاحة بالإخوان، في أواخر عهد محمد مرسي، حدّا لا يستطيع عاقل تصوّره. عيّن شخص مسؤول بشكل مباشر عن ضرب السياحة واستهداف السيّاح محافظا لأسوان. لم يكن ذلك تصرّفا معزولا عن سياسة عامة تصبّ في تغيير طبيعة المجتمع المصري بهدف تدجين المصريين والسيطرة عليهم.

إنّ نجاح تجربة إسقاط الإخوان في مصر لا يمكن إلا أن تكون لها انعكاسات إيجابية على المنطقة كلّها. ولذلك، لا يمكن إلا توجيه الشكر لكلّ عربي سعى إلى دعم الثورة الحقيقية، «ثورة الثلاثين من يونيو» التي أطاحت بحكم الإخوان غير المأسوف عليه. للمرّة الأولى في التاريخ الحديث يقدم العرب الواعون على عمل إيجابي يصبّ في خدمة الأجيال الصاعدة. ما قامت به دولة الإمارات، التي سارعت المملكة العربية السعودية والكويت إلى اللحاق بها، لا يمكن الاستهانة به. فسقوط مصر كان يعني سقوط المنطقة كلّها.

الأهمّ من ذلك كلّه، أن تحرّك العرب الواعين، وبينهم الملك عبدالله الثاني الذي أصرّ على زيارة القاهرة ولقاء الرئيس المؤقت عدلي منصور وكبار المسؤولين المصريين، أجبر الإدارة الأميركية على إعادة النظر في موقفها بعدما سايرت الإخوان المسلمين طويلا إرضاء لإيران وإسرائيل في الوقت ذاته. نعم، إيران وإسرائيل في الوقت ذاته.

تبدو ورقة «الشرعية» التي يسعى الإخوان إلى استخدامها من النوع الذي مرّ عليه الزمن. أيّ شرعية لنظام متواطئ كلّ التواطؤ مع «الإمارة الطالبانية» التي أقامتها «حماس» في قطاع غزة؟ أيّ شرعية لنظام لا يجد مثالا أعلى يحتذي به سوى تجربة «حماس» في غزة، وهي تجربة بائسة لم تجلب على الفلسطينيين سوى الويلات وساهمت في زرع فوضى السلاح في سيناء بما بات يهدد الأمن المصري كلّه؟

من يريد شرعية حقيقية وليس «شرعية» مستمدة من عملية خطف موصوفة لـ»ثورة الخامس والعشرين من يناير» ولطعن في الظهر للمؤسسة العسكرية ثم لطموحات الشعب المصري وتطلعاته، لا يبتزّ دول الخليج العربي عن طريق إقامة علاقات مع إيران ولا يضع غزة مثلا أعلى له.

هناك شرعية و»شرعية». ما حصل في مصر كان سحبا لـ»شرعية» مزيّفة ونهاية للعبة سمجة. لا بدّ من أن تكون للحدث المصري انعكاساته الإقليمية، خصوصا داخل غزّة حيث تتظاهر «حماس» وهي فرع من فروع الإخوان بأنّ لا علاقة لها بما يجري في القاهرة وأنها بعيدة كلّ البعد عن الانتشار الإرهابي في سيناء ومناطق مصرية أخرى.

كان لا بدّ من إنقاذ مصر. كان إنقاذ مصر أكثر من ضرورة، خصوصا أن لا شرعية لمن لا أساس لشرعيته. فما بني على باطل، حتى لو كان عملية انتخابية في ظروف أكثر من مريبة، لا يستطيع استخدام هذه الورقة لإقامة نظام ديكتاتوري. هذا النظام الديكتاتوري، الذي لم يعمّر أكثر من سنة، جعل المصريين يترحمون على حسني مبارك.. وحتى على جمال عبدالناصر، بطل هزيمة 1967، الذي لم تكن لديه سوى حسنة وحيدة تتمثل في مقاومته للإخوان.

8