إدارة الظهر إلى الواقع من أجل التقاط "سيلفي"

كشفت صورة التقطها حشد من المعجبات بالمرشحة الديمقراطية للرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون واقعا جديدا، قام على فكرة الهواتف الذكية التي غيرت إلى حد كبير وظيفة الصورة والمصور، وحولت كل حدث إلى مادة مناسبة لالتقاط "السيلفي".
الثلاثاء 2016/10/04
كان الناس يلتقطون صورا للمسؤول، اليوم المسؤول يلتقط صورا للناس

لندن- غير ابتكار الهواتف الذكية وظيفة الكاميرا الأساسية التي كانت تنحصر في التقاط الصور لأحداث تجري في نفس اللحظة، لكن كاميرا الهاتف عززت رغبة جيل جديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في الظهور في أي صورة عبر تقنية “السيلفي”. واختفت الصور الجذابة تدريجيا من على المدونات أو مواقع نشر الصور التقليدية، وبدلا من ذلك تحولت مواقع التواصل إلى منصات لنشر الصور السيلفي.

ويقول متخصصون في التكنولوجيا إن الجيل الجديد من محبي “السيلفي” يفوته الكثير من متعة لحظات تاريخية في حياته من أجل الاحتـفـاظ بصورة تظــهر وجهه فيها.

والشهر الماضي أظهرت صورة لمجموعة من الفتيات يلتقطن صورة للمرشحة الديمقراطية للرئاسة الأميركية، هيلاري كلينتون، التي كانت تقف على منصة مقابلة. وكان من المفترض أن تصبح كلينتون مركز اهتمام الحشد النسائي من المعجبات، لكن بدلا من ذلك تحولت إلى مجرد خلفية لصورة يتسابق عليها عدد كبير من الهواتف الذكية.

ويقول جوناثان جونز، الكاتب في صحيفة “الغارديان” البريطانية، إن هذه الصورة “متنافرة بشكل لافت للنظر”. وأضاف “المصور الذي تسلل من الجانب بينما كان حشد متراص من النساء يأخذن صور سلفي مع كلينتون، ماكر للغاية. أما المشهد ككل فكان غير مشرف، ليس فقط بالنسبة إلى كلينتون، لكن كذلك بالنسبة إلى حشد النساء، إذ استدرن كلهن بظهورهن لهن يمسكن بالهواتف لالتقاط صور لـ…أنفسهن، مع وجود كلينتون التي تلبس الأزرق في الخلفية”.

جوناثان جونز: معجبات كلينتون استدرن كلهن بظهورهن لها وهن يمسكن بالهواتف لالتقاط صور لهن

ولم ترغب أي واحدة من المحتشدات من أجل كلينتون في التقاط صورة للمرشحة وحدها. وكان التصرف الجماعي التلقائي يشير إلى “إما سيلفي وإما لا شيء”، في حين تبدو كلينتون، التي تلوح بيدها وتبتسم، معزولة على منصتها الصغيرة، مرتفعة وظهرها إلى الحائط ويفصلها عن ملتقطات صور السيلفي حاجز حديدي، مثل صورة البابا في مقصورته الزجاجية للرسام فرانسيس بايكن.

ويقول جونز “إن الجانب المظلم من الديمقراطية الرقمية مظلم إلى درجة أننا لا نقدر حتى على رؤية أنفسنا. نحن نغضب من الإعلام الاجتماعي على صفحات الإعلام الاجتماعي، ونأسف لصور السيلفي على تويتر، وهي منصة إعلام اجتماعي معروفة باللجوء إليها لنشر صور السيلفي. لكن قد يتعلق بهذه الصورة ما هو أكثر من إظهار كئيب لجنون هذا العصر، وهو موت الديمقراطية تماما”.

وللكثير من الأجيال الجديدة، فإن كلينتون هي الأمل الأخير للحفاظ على عالمهم، والجدار النهائي ضد قدوم عصر ترامب. وبدت كلينتون تائهة ومتغافلا عنها بما أن الحشد من الداعمات أدرن لها بظهورهن للاحتفاظ بوجوههن في صور ستبقى لأجيال قادمة. وتبدو عبارة “أنا مع هذا السياسي” التي عادة ما تضاف إلى صور السيلفي مع المرشحين الخيار السليم الوحيد في الانتخابات الرئاسية لسنة 2016 التائهة في خضم السخافة السائدة.

أي أمل لدى كلينتون لتبليغ أفكارها إذا كان الحشد منشغلا بصور السيلفي إلى درجة تمنعه من الاستماع؟ وإذا كان مقياس الانتصار يتمثل في تأثير الشهرة في ثقافة لديها قدرة متدنية على الانتباه، تطل الحقيقة المفزعة بوجهها القبيح: إن ترامب لا يمكن أن يخسر في سباق نحو قاع الثقافة العصرية. ومع ذلك قد لا تكون هذه الصورة تعليقا بهذه القتامة على العالم العصري. لقد تطلب الأمر نظرة جانبية تكشف عن هزلية الأخلاق المعاصرة، لكن هل يتصرف هؤلاء الناس حقا بشكل سيء إلى هذه الدرجة؟ تخيل صورة فوتوغرافية للمشهد نفسه من زاوية أخرى، تواجه تماما الحشد من الباحثين عن صور السيلفي.

قد تكون في هذه الحالة مؤثرة ومثيرة للإعجاب، فهي ستظهر هيلاري كلينتون عن بعد مع جمهور من المعجبين يواجهون كلهم الكاميرا وهم يلتقطون صورهم معها. تقول فينديكا ورينجوريت، المتخصصة في وسائل التواصل الاجتماعي، إن “مع انتشار الهواتف الذكية، كل شيء اليوم أصبح مادة لالتقاط الصور، وكلنا مذنبون لالتقاط هذه الصور”.

وأضافت “قد يقول أحدهم هذا النوع من الصور هو محاولة يائسة لجذب الانتباه، أو ركض مستمر وراء عدد أكبر من علامات الإعجاب التي تحصدها كل صورة جديدة، لكن شخصا آخر من الممكن أن يقول: هذه الصورة تحمل لمحة من الفن. هذا النقاش قد يستمر إلى ما لا نهاية، هل محبو السيلفي نرجسيون؟ هل هذه الممارسات ممتعة أم سخيفة؟”.

لمن ننظر في هذه الصورة بالتحديد؟ مجموعة كبيرة من النساء أغلبهن أصغر سنا، كلهن متحمسات لوجودهن في نفس الصورة مع هيلاري كلينتون. ولا يدير هؤلاء النسوة ظهورهن لكلينتون بازدراء، بل فقط استدرن حتى يتمكنّ من أخذ صورة لأنفسهن معها. هل يعد ذلك عملا نرجسيا، أم هل يظهر بالضبط الحس التاريخي الذي يجب على المرء أن يتمتع به عندما يلتقي بالمرأة التي قد تصبح في وقت قريب رئيسة الولايات المتحدة؟ هل هذا مشهد لتقدير الذات السطحي أم حماس سياسي صادق؟

مصور كشف واقعنا بخبث

عام 2016 هو بكل وضوح العام الذي أصبح فيه “السيلفي” سياسيا. وقال أحد الذين حضروا مؤتمر حزب العمال البريطاني الذي عقد الشهر الماضي في مدينة ليفربول بشمال إنكلترا “إن الناس وقفوا في طابور لأخذ صورة سيلفي مع جيرمي كوربين وقادة آخرين في الحزب”. الشيء نفسه حدث مع كلينتون، إذ أصبح أخذ صور سيلفي الآن الطريقة الطبيعية للكثير من الناس لوضع علامة على الأحداث المهمة، انطلاقا من مواعيد غرامية، إلى ليال قضيت في الخارج، إلى حفلات الزواج.. إذن لم لا اللحظات السياسية الكبيرة أيضا؟

في السابق كانت ترسم صور للحكام والزعماء في اللحظات التاريخية الكبرى. كل من رائعة فلازكاز “استسلام بريدا” وصورة تيتيان لفيليب الثاني وهو يقدم ابنه قربانا للنصر في معركة “ليبانتو” تستخدم كل موارد الرسم الزيتي لرسم وجوه أشخاص في التاريخ. قد يكون ما تفعله هؤلاء النسوة هو النظير الديمقراطي، فهن يعبّرن عن حسهن التاريخي باستعمال الموارد التي بحوزتهن، وهي الهواتف الذكية. لكن الكثيرين يعتبرون أن الاستمرار في التقاط صور السيلفي ونشرها خصوصا على مواقع التواصل لاجتماعي هو نوع من النرجسية.

وقالت دراسات نشرت مؤخرا إن الأشخاص الذين يحافظون على عادة نشر الصور السيلفي على صفحاتهم مصابون غالبا بالنرجسية أو عدم الاكتراث بمشاعر الآخرين. لكن هذه الاتهامات تضع أغلب المحللين أمام مشكلة كبيرة. وتتمثل المشكلة في رفض ملتقطات صور السيلفي أنهن “نرجسيات” في أنه يفترض بأن كل سلفي يعني الشيء نفسه لكل شخص. فكلنا نستخدم هواتفنا بهذه الطريقة الآن، وعندما تصبح حركة ما اعتيادية قد يصبح معناها متنوعا بشكل كبير.

كل مصورة في ذلك الحشد قد تكون دكتورة في النظريات السياسية تقوم بالتقاط صورة سيلفي بشكل ساخر لترسلها إلى زملائها في هيئة التدريس في الجامعة. وفي ثقافة تجيز الأفعال “الغبية” وتشجع عليها لا يمكن أن يفترض بأن كل من يوافق “العرف غبي”، هو نرجسي بارد القلب. ويقول جونز “لن نعرف الحقيقة حول هذه الصورة وحول زمننا إلى أن تخرج نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية. هذه الانتخابات قد تأتي بالجحيم أو الأمل، فهي قد تترك العالم بأسره في قبضة رجل شديد الخطورة، أو ربما تعني أن الولايات المتحدة ستحصل على أول رئيسة لتتبع أول رئيس أسود”.

وأضاف “عصرنا الرقمي أيضا يمر بمرحلة اختبار، فهل تصاعد الإعلام الاجتماعي، بما في ذلك المشاركة اللانهائية لصور السيلفي، قد حط من النقاش السياسي الجيد ودمره؟ هل غرف تقاسم الآراء المتشابهة على تويتر وفايسبوك تقوي الوحوش من أجل تدمير الديمقراطية؟”. إذا كانت تلك هي الحقيقة المخيفة لهذا الزمن فإن هذه الصورة هي رمز لهذه الحقيقة، بتركيز هؤلاء النسوة على مشاركة صور السيلفي مع أصدقائهن يدرن بظهورهن عن الواقع، لكن قد لا يكون الأمر بذلك السوء. ربما رغبن بصدق في تسجيل لحظة تاريخية عظيمة، وربما يصبحن جزءا من الأغلبية لدى هيلاري كلينتون واستعادة العالم الديمقراطي لرشده.

13