إدارة بايدن تتصرف بعقلية حتمية الخروج من مستنقع اسمه الشرق الأوسط

محاولات مزج سياستي التدخل والحوار هدفها المسك بخيوط اللعبة في المنطقة.
السبت 2021/03/06
الشرق الأوسط صداع لا ينتهي

لم تختلف إستراتيجية الرئيس الأميركي جو بايدن تجاه الشرق الأوسط إلى حد الآن عن الرئيسين السابقين باراك أوباما ودونالد ترامب، فهو يأمل في تقليل انشغاله بالمنطقة لصالح خوض منافسة إستراتيجية مع الصين، والتي يرى أنها ستكون التحدي الأكبر في فترة رئاسته، ولكن في الوقت الذي يعتقد فيه أنه خرج من دائرة مستنقع الشرق الأوسط يجد نفسه دون أن يشعر مسحوبا داخلها مرة أخرى.

واشنطن – مرت أقل من عشر سنوات منذ أن أعلنت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون أن الولايات المتحدة تتجه نحو آسيا بعد أن ركزت لعقود على الشرق الأوسط. لكن ذلك لم يدم طويلاً، لاسيما بعد أن أجبر “الربيع العربي” المنطقة على العودة إلى مركز السياسة الخارجية للولايات المتحدة ثم جاءت الحروب في سوريا وليبيا واليمن وظهر تنظيم داعش.

وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك مفاوضات نووية مع إيران، وهي سلسلة من الأحداث التي أكدت أن الشرق الأوسط، كما حدث مع الرؤساء السابقين جيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج إتش دبليو بوش وابنه، لن يخرج من دائرة السياسة الخارجية للرئيس الأسبق باراك أوباما.

لا وقت لالتقاط الأنفاس

إليز لابوت: بايدن عليه مسك العصا من المنتصف لحل ملفات المنطقة

جاء الاختبار الأول في منتصف الشهر الماضي عندما أطلقت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران صواريخ على قاعدة جوية أميركية في شمال العراق، مما أسفر عن مقتل متعاقد فلبيني وإصابة أحد أفراد الخدمة الأميركية.

ومنذ تنصيب بايدن لم تستهدف إيران القوات الأميركية في العراق فقط، كما فعلت منذ سنوات، بل شنت كذلك هجمات على حقول النفط السعودية والمطارات ومنشآت أخرى.

واستغرق بايدن وقتا للرد، ولكن لم تكن هناك تهديدات أو تغريدات غاضبة أو خطابات عنيفة، بل جاء الرد المحدد عبر شن ضربة موجهة على معبر سوري تستخدمه الميليشيات العراقية لشن هجمات عبر الحدود على القوات الأميركية. وجاء في بيان وزارة الدفاع أن “بايدن سيعمل على حماية الأفراد الأميركيين وقوات التحالف”.

ومن وجهة نظر إليز لابوت، أستاذة مساعدة في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأميركية، في تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” فإن ذلك الرد كان بمثابة خطوة إلى الأمام وتقدما أحرزته إدارة بايدن، وأن الهجوم كان تحذيرا من أن الولايات المتحدة لا ينبغي العبث معها، ومع ذلك لم تكن بهذه القسوة إلى حد أنها أغلقت الباب أمام الدبلوماسية.

وشن بايدن الضربات في نفس الوقت الذي عرضت فيه إدارته استئناف المحادثات مع إيران بشأن إنقاذ الاتفاق النووي، مما أرسل رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن الهجمات على الأفراد الأميركيين أو حلفائهم لن يتم التسامح معها.

مزيج بين التدخل والحوار

إذا كان يتم تصوير أوباما على أنه الجزرة، وترامب على أنه العصا، فإن بايدن يبدو أنه يفضل مزيجا بين الاثنين، وخليطاً بين التدخل والحوار ممزوجاً بالضربات التي يشنها على الوكلاء وفرض العقوبات المستمرة والضغط الدبلوماسي.

ويريد بايدن العودة إلى الصفقة النووية التي تخلى عنها ترامب، بل وعرض الدخول في حوار بقيادة أوروبا قبل أن تعود إيران إلى الامتثال للقيود النووية للاتفاق، لكنه يدرك أن القيام بذلك دون إظهار ردة فعل تجاه أنشطة طهران الأخرى المزعزعة للاستقرار في المنطقة لا يحسن من فرصه.

ويمتلك فريق الأمن القومي لبايدن العديد من الوجوه التي عملت في إدارة أوباما، لكنهم جميعا يعرفون أن هذا ليس عام 2015، خاصة وأن إسرائيل تقوم بتطبيع العلاقات مع العديد من جيران إيران الخليجيين.

كما وضعت جائحة كورونا وفترة استمرار انخفاض أسعار النفط وحملة الضغط الأقصى التي فرضتها إدارة ترامب طهران في موقف دفاعي. واليوم تحتاج إيران إلى الاتفاق النووي أكثر بكثير مما تحتاجه الولايات المتحدة.

لكن مشاكل بايدن في الشرق الأوسط لا تقتصر فقط على تقويم إيران، وترى لابوت أنه يريد أن ينهي الحرب التي تقودها السعودية في اليمن، ومع ذلك يحتاج بايدن السعودية للقيام بالأمرين. وفي الوقت نفسه يريد إعادة تقويم العلاقة التي أصبحت رتيبة ومملة في ظل الإدارة السابقة.

سياسة الوقوف في الوسط

إذا كان أوباما قد بالغ  في وعوده خاصة مع السعودية وإذا كان ترامب تبنى نهجا صديقا تجاهها فإن بايدن يحاول الوقوف  في الوسط
إذا كان أوباما قد بالغ  في وعوده خاصة مع السعودية وإذا كان ترامب تبنى نهجا صديقا تجاهها فإن بايدن يحاول الوقوف في الوسط

تعتقد لابوت أنه إذا كان أوباما بالغ في وعوده التي لم يف بها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسعودية، وإذا كان ترامب تبنّى نهجاً صديقا تجاهها وتجاه ملف حقوق الإنسان، فإن بايدن يحاول الوقوف في الوسط.

وأعلن بايدن عن مراجعتة لمبيعات الأسلحة الضخمة التي وافقت عليها إدارة ترامب رغم معارضة الكونغرس لها. وعلى عكس ترامب أعاد الرئيس الجديد المناقشات على مستوى رؤساء الدول مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وأعاد وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مكانه الصحيح كنظير لوزير الدفاع الأميركي لويد أوستن.

وكل ذلك يأتي بالتوازي مع حملة الضغوط التي سبقت التقرير الاستخباراتي السري بتكليف من الكونغرس، والذي لم ينشره ترامب وكشفت عنه إدارة بايدن، حيث لم يقدم أي أدلة أو قرائن بشأن اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي. ومع ذلك اختار بايدن فرض عقوبات على المسؤولين الذين يُعتقد أنهم متورطون في مقتل خاشقجي ولكن ليس الأمير محمد بن سلمان.

وبالمثل عندما أعلن بايدن إنهاء الدعم الأميركي للحرب في اليمن، واقترح أن تلعب بلده دورا في صياغة حل دبلوماسي للصراع، وعيّن دبلوماسيا مخضرما كمبعوث خاص لهذه القضية يحظى باحترام كبير في الرياض، وتعهد بحماية المصالح الأمنية السعودية.

وتعد هذه ممارسة تقليدية لموازنة المصالح والقيم، وهي إحد المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية. ولكن لابوت تطرح تساؤلا مفاده: إذا كان بايدن استطاع العمل مع الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اللذين هددت دولتاهما بشكل مباشر المصالح الأميركية، فلماذا إذن سيقطع بايدن علاقة الولايات المتحدة بحليف عربي رئيسي وملكها المستقبلي؟

وظلت السعودية شريكا إستراتيجيا للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ولذلك فإن ضغوط خبراء السياسة الخارجية الأميركية على إدارة بايدن حتى تلعب واشنطن دورا قاسياً مع ولي العهد السعودي، ربما تأتي في محاولة لتغيير مصير الأسرة الحاكمة في البلد الخليجي.

ويبدو هذا التفكير خاطئا نظرا لشعبية الأمير محمد بن سلمان الكبيرة بين الشباب وسمعته كمصلح معتدل، خاصة وأنه يتولى زمام التغيير ببلاده عبر اتخاذ خطوات جريئة نحو الإصلاح في مجالات مثل حقوق المرأة، وقد يقوم، على عكس والده، بتطبيع العلاقات مع إسرائيل مما يكسبه حظوة أكبر.

مخاطر روسيا والصين

إدارة بايدن تريد، مثل تلك التي سبقتها، مواجهة منافسيها من القوى العظمى
إدارة بايدن تريد، مثل تلك التي سبقتها، مواجهة منافسيها من القوى العظمى

أوجد النهج الذي اتبعته إدارة ترامب في المنطقة فرصا لروسيا والصين للعب دور أكبر في الشرق الأوسط من خلال تدخل روسيا في الحرب السورية. كما عززت الصين شراكاتها السياسية والاقتصادية بما في ذلك عقد شراكة متنامية مع إيران التي اشترت منها كميات ضخمة من النفط الخام في انتهاك للعقوبات الأميركية.

وتريد إدارة بايدن، مثل تلك التي سبقتها، مواجهة منافسيها من القوى العظمى، لكن واشنطن سمحت لأقدام تلك القوى بأن تطأ رمال الشرق الأوسط.

وعندما تم تعيينه وزيراً للخارجية وضع أنتوني بلينكين أولويات السياسة الخارجية لإدارة بايدن؛ أولاً، آسيا والمحيط الهادئ، ثم التقارب مع الحلفاء الأوروبيين، وأخيراً نصف الكرة الغربي.

لكن الأسابيع الماضية أظهرت السياسة الخارجية أن الشرق الأوسط لا يزال كما هو الحال منذ عقود المنطقة التي تواجه فيها القوات والموارد الأميركية، إن لم تكن المصالح المباشرة، أكبر المخاطر.

ووجد كل الرؤساء الأميركيين منذ دوايت دي أيزنهاور أنفسهم غارقين في صراعات منطقة الشرق الأوسط والتطرف الديني وتدخل القوى العظمى التي تحبط أجندات الولايات المتحدة الأوسع نطاقًا.

وإذا كان بايدن يريد التركيز حقًا على طموحات الصين في الهيمنة، فعليه أن يخرج الولايات المتحدة من دوامة التشابكات التي لا تنتهي. وربما يساعده في ذلك إنشاء توازن جديد للقوى حتى لو كان ذلك يعني الحفاظ على التوازن بين المثالية والواقعية.

7