إدانة للإرهاب ليس لها طعم التبرير

السبت 2015/02/28

تواترت أخبار العمليات الإرهابية التي استهدفت عددا من المؤسّسات والأفراد في أوروبا، خلال الأشهر الأخيرة، حيث حاولت العناصر الإرهابية ومن يدعمها ماديا ومعنويا تبرير استهدافها للأبرياء، استنادا إلى مزاعم الدفاع عن الإسلام مع أن كل من لهم إلمام ولو يسير بالتعاليم الإسلامية يعتبرون أنّ تلك المزاعم ليست واهية فحسب، بل إنها على طرفي نقيض مع الدين الإسلامي ومختلف الشرائع السماوية.

ولعل المجزرة التي وقعت في مقرّ صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة، في قلب باريس، بدعوى الدفاع عن نبي الإسلام تقدم الدليل القاطع على تهافت منطق الإرهاب وهي بذلك جريمة بشعة، بكل المقاييس، وتستحق الشجب والإدانة بكل اللغات والأديان. فالمنفذون مجرمون، والذين خططوا لها مجرمون، وكل من يسارع إلى تبريرها، بأي شكل من الأشكال، مشكوك في إدراكه لطبيعة الأشياء، ومطعون في مصداقية موقف الإدانة الذي عبر عنه.

غير أنّ إدانة الجريمة، ونعتها بكلّ النعوت القبيحة، وهي كذلك، لا يعني الاصطفاف وراء الخط التحريري للصحيفة، وتبرير سلوكها الإعلامي تجاه العديد من القضايا التي تناولتها. فكل تبرير من هذا القبيل، يخرج الأمور من نصابها الحقيقي، ويقيم معادلات وتماثلات لا تستند إلى أرض الواقع. والحقيقة أنّ إدانة الاعتداء على شارلي إيبدو لا يمنع عدم الموافقة على توجّهها التحريري، في بعده الاستفزازي الذي تحاول تمريره على أساس أنه يندرج ضمن حرية التعبير والإبداع.

تحاول بعض القوى إقامة التماهي بين شارلي إيبدو وطهرانية ممارسة الإعلام وحرية التعبير لردع وبثّ الرعب في قلوب كل من لا يتفق مع تصوراتها وممارساتها، ويتجرأ على توجيه نقده الإعلامي أو الفني أو السياسي أو الأيديولوجي لتوجهها الساخر، الذي يتحول، في كثير من الأحيان، إلى الاستهزاء وتحقير أفكار من لا يشاطرونها الرأي، بطريقة تمثل اعتداءا على حريتهم في التفكير والرأي والاعتقاد. وفي سياق هذا التّماهي، يقول هؤلاء إن إدانة العمل الإرهابي الذي استهدف الصحيفة لا تكتمل، ولا تكون ذات مصداقية، إلا إذا ترافقت مع التبني المطلق، وغير القابل للجدل، لخطها التحريري في عموم قضاياه كما في جزئياته على السواء، انطلاقا من ضرورة احترام مبدأ الحرية في التعبير.

وليس هذا المنطق سوى شكل من أشكال الفرض والهيمنة التي يُمارسها أصحاب رأي أو موقف ما، لإلغاء من يخالفهم الأفكار والتصورات. وهذا، ربما، هو المعنى الذي يرغب البعض في إضفائه على عبارة “كلنا شارلي إيبدو”. والحال، أنه لا ينبغي أن يتجاوز هذا الشعار مستوى التضامن في المحنة، مع الصحيفة التي طالتها أيادي الإجرام، إلى مشاطرتها آراءها، “غير المقبولة”، تجاه معتقدات ملايين البشر، والتي لا مبرر للتّعرض لها.

إنّ ترك الحبل على الغارب مثل هذه الاتجاهات، لا يعمل، في الواقع، إلا على نشر قيم الكراهية، وتأجيج الفتن، بين مكونات المجتمعات التي تسارع، من مواقعها المختلفة، إلى القيام بما تعتقده ضروريا للدفاع عن آرائها ومعتقداتها. وغالبا ما تتولى التيارات المتطرفة، داخل هذه المكونات، من تلقاء نفسها، ودونما تفويض ضمني أو صريح من أحد، فتأتي ممارساتها خارج كل جدل فكري أو سياسي لتنزلق إلى ممارسات أقل ما يقال عنها إنها إرهابية ومدانة ولا ينبغي التّساهل معها في كلّ الأحوال.

إنّ الدول الديمقراطية تضع نصب أعينها حماية النسيج الوطني لمجتمعاتها من خلال سن قوانين، وتكريس أعراف، لا تسمح لأي كان بتجاوزها، على اعتبار أن التساهل في هذا يدفع، مع تواتر الممارسات، إلى تحويل تلك القوانين إلى مجرد حبر على ورق، في نظر الجميع. أما العمل على تحريك تلك القوانين لمواجهة أو ردع فئة من الناس، أو رأي من الآراء، دون غيرها، فإن هذا يفتح أبواب الفتن على مصراعيها، ويقدم رسائل خاطئة إلى مكونات المجتمعات المستهدفة، من بينها كون انتمائها إلى هذه المجتمعات من درجة دنيا، ولا يمكن بالتالي أن تقاس مع انتماء غيرها.

وتساهم ممارسة مثل هذا التمييز، بشكل كبير في تدمير روابط المواطنة، التي ينبغي أن تكون أساس التعاطي مع كل تلك المكونات. وعندما يدرك مكون من مكونات المجتمع أنه لا يرقى من حيث تقديره إلى مستوى مكونات أخرى، تضيع البوصلة، وتأخذ عوامل الفوضى في إيجاد طريقها إلى المجتمع بالتدريج، إلى أن تأتي على كل مقومات العيش المشترك، التي تحرص الديمقراطية الحقيقية على صونها وحمايتها، في مختلف قوانينها وتشريعاتها.

ويبدو أن الكثيرين من صناع القرار السياسي في الغرب عموما، وفي أوروبا خصوصا، لم يدركوا بعد خطورة مثل هذا السلوك على مجتمعاتهم قبل غيرها، ذلك أن الكيل بأكثر من مكيال واحد في التعامل مع القضايا السياسية والأيديولوجية، ومع مكونات المجتمعات بصورة ضمنية أو صريحة لن يعمل إلّا على تكريس عوامل صنع كلّ أشكال الإحباط التي قد تتحول إلى أشكال من التطرف الجامح بحيث تعجز كل وسائل الردع التي تنتهجها الدولة في القضاء عليها.

من هنا، فإن التوجه إلى الأسباب الحقيقية وراء كل سلوك متطرف وإرهابي، هو الطريق الأسلم لحماية المجتمعات من الانزلاق إلى نوع من التنافس في إبداع أفظع أشكال التطرف.


كاتب وباحث مغربي

7