إدراج "جمال ترست بنك" ضمن قائمة الإرهاب إنذار للمصارف اللبنانية

القرار الأميركي بإدراج مصرف "جمال ترست بنك" على قائمة العقوبات، يخنق أي تعامل مصرفي مع حزب الله اللبناني.
السبت 2019/08/31
الضريبة المخفية للتعامل مع حزب الله

القرار الأميركي بإدراج مصرف “جمال ترست بنك” على قائمة العقوبات أثار ضجة واسعة في لبنان الذي يعاني أصلا من أزمة اقتصادية حادة، ويقول خبراء إن القرار لن تكون له تداعيات كبيرة على الوضع المالي للبلاد، ولكنه يشكّل رسالة شديدة اللهجة لباقي المصارف اللبنانية من مغبة التعاطي مع حزب الله.

بيروت – دخلت العقوبات الأميركية في لبنان مرحلة جديدة من خلال إدراج “جمال ترست بنك” والمؤسسات التابعة له مساء الخميس ضمن اللائحة السوداء بتهمة تسهيل الأنشطة المالية لحزب الله. كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 4 أشخاص بسبب نقل أموال بين الحرس الثوري الإيراني وحركة حماس الفلسطينية عبر الحزب.

وسبق وحذرت واشنطن مرارا المصارف اللبنانية من مغبة التعاطي وتسهيل الخدمات المالية للحزب المدعوم من إيران. ويعتبر خبراء أن خطوة وضع “جمال ترست بنك” ضمن قائمة الإرهاب التي يصدرها مكتب مراقبة الأصول الخارجية المعروف باسم “أوفاك”، رسالة واضحة للدولة اللبنانية بأن الإدارة الأميركية جادة في شل قدرات الحزب المالية، بغض النظر عن انعكاسات ذلك على الوضع المالي العام للبنان الذي يمر بفترة حرجة.

وتقول الرسالة الأميركية التي استهدفت مصرفا يعتبر متواضعا مقارنة بمصارف أخرى إنها رسالة إنذار على اللبنانيين تلقفها والعمل وفقها. ومن شأن هذه العقوبات تجميد أصول “جمال ترست بنك” في الولايات المتحدة وحظر التعاملات من خلال النظام المالي الأميركي.

سليم صفير: واشنطن أكدت أن لا مصارف أخرى موضوعة على جدول العقوبات
سليم صفير: واشنطن أكدت أن لا مصارف أخرى موضوعة على جدول العقوبات

وأكدت واشنطن أنها مستمرة في استهداف الجهات التي توفر التمويل لحزب الله. وأوضحت وزارة الخارجية الأميركية “سنواصل استهداف الأفراد والكيانات المشاركة في تمويل حزب الله وتقديم الدعم له بينما نعمل بشكل وثيق مع البنك المركزي اللبناني والمؤسسات اللبنانية الأخرى التي تسعى للحفاظ على سلامة النظام المصرفي اللبناني”.

وجاء تعقيب وزارة الخارجية بعد إعلان فرض عقوبات على “جمال ترست بنك” الذي تأسس عام 1963 ويملك عدة فروع في لبنان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية في تبرير خطوتها لاعتباره مؤسسة مالية أساسية لحزب الله. وصرح سيغال ماندلكير مساعد وزير الخزانة الأميركي المسؤول عن مكافحة تمويل الإرهاب والاستخبارات المالية في بيان أن الوزارة “استهدفت ‘جمال ترست بنك’ وفروعه بسبب تمكينه بوقاحة حزب الله من القيام بنشاطات مالية”، بما في ذلك استخدام حسابات لدفع الأموال لممثليه وعائلاتهم.

والمصرف متهم بالسماح لحزب الله بـ”إخفاء علاقاته المصرفية الناشطة مع العديد من المنظمات التابعة لمؤسسة الشهداء” المدرجة على لائحة العقوبات الأميركية منذ العام 2007. وهذه المؤسسة هي كيان شبه حكومي إيراني يؤمّن دعما ماليا لحزب الله خصوصا.

وأُدرِجت أربع شركات تأمين تابعة لمصرف “جمال ترست بنك” أيضا على اللائحة السوداء. وقال ماندلكير إن “المؤسسات المالية الفاسدة مثل ‘جمال ترست’ تشكل تهديدا مباشرا لنزاهة النظام المالي اللبناني”.

وأكدت وزارة الخزانة الأميركية في البيان أنها تحض الحكومة اللبنانية على تخفيف تأثير هذه العقوبات على “الأبرياء من أصحاب الحسابات المصرفية الذين لا يعرفون أن حزب الله يعرّض ادخاراتهم للخطر”.

ولفت مسؤول أميركي إلى أن هذا الضغط على “جمال ترست” يجب اعتباره إنذارا. وأضاف أن “حزب الله وأسياده الإيرانيين يجب أن يبقوا خارج مؤسسات لبنان المالية”. وشدد أن “هذه الاستراتيجية هي لكبح كل فرص التمويل”.

واعتبر مسؤول أميركي كبير أن هذه العقوبات “تعكس نهج” الرئيس دونالد ترامب ضد حزب الله.

ورفض المصرف اللبناني المستهدف في وقت لاحق الجمعة الخطوة الأميركية مؤكدا على “التزامه الصارم بقواعد وأنظمة مصرف لبنان (البنك المركزي)، والتزامه القواعد واللوائح الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو أمر لا يتساهل المصرف به”.

ونفى المصرف، في بيان، “بشكل قاطع كل الادعاءات التي يبدو أن ‘أوفاك’، قد بنت قرارها عليها”. وأشار إلى أنه “سيتخذ جميع الخطوات المناسبة من أجل تبيان الحقيقة، كما سيتقدم بطلب استئناف للقرار أمام ‘أوفاك'”، لافتا إلى أنه “سيعمل بالتنسيق وإرشاد مصرف لبنان، ولجنة التحقيق الخاصة والهيئات الأخرى ذات الصلة في هذا الصدد، لحماية مصلحة المودعين”.

من جهتها أعربت جمعية المصارف في بيروت عن “أسفها” وطمأنت في بيان المودعين على سلامة أموالهم، مشددةً على قدرة البنك المركزي على اتخاذ كل التدابير اللازمة لمعالجة الوضع، كما حصل في مواقف سابقة.

الخناق يضيق على الحزب
الخناق يضيق على الحزب

وزار رئيس جمعية المصارف سليم صفير قصر الجمهورية ببعبدا الجمعة حيث التقى بالرئيس ميشال عون معلنا بعد اللقاء للصحافيين، عن تلقيهم تأكيدا من واشنطن أن لا مصارف أخرى موضوعة على جدول العقوبات.

وفي خطوة لاحتواء تداعيات القرار على مصرف “جمال ترست بنك” على النظام المالي المهتز للبلاد، سارع وزير المالية علي حسن خليل إلى طمأنة اللبنانيين. وقال الوزير على “تويتر” إنه “متأكد من قدرة القطاع المصرفي على استيعاب تداعيات القرار… وعلى ضمان أموال المودعين… والمصرف المركزي يقوم باللازم”.

من جانبه أكد مصرف لبنان المركزي أن احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، باستثناء الذهب، زادت حوالي 1.4 مليار دولار في الأسبوعين الأخيرين من أغسطس.

وأوضح حاكم البنك المركزي رياض سلامة في بيان أن الاحتياطيات الأجنبية زادت إلى حوالي 38.66 مليار دولار دون حساب الذهب. يأتي ذلك ارتفاعا من 37.25 مليار دولار في 15 أغسطس، وفقا لبيانات مصرف لبنان. وترتفع الاحتياطيات تدريجيا منذ منتصف يونيو، لكن هذه أكبر قفزة. وقال بيان للبنك المركزي “ذلك بنتيجة تدفق ودائع، مباشرة إلى مصرف لبنان، من القطاع الخاص غير المقيم (وليس من دول أو جهات دولية)، مما يعكس ثقة المودعين ويعزز الثقة بالليرة اللبنانية ويساهم بخفض العجز في ميزان المدفوعات”.

وينشر لبنان عادة بيانات أصوله الأجنبية في الخامس عشر واليوم الأخير من كل شهر. وإصدار البيانات الجمعة يأتي مبكرا يوما عن المعتاد، ما فهم منه أنه محاولة لطمأنة السوق المالية، على خلفية الخطوة الأميركية ضد “جمال ترست بنك”.

ويرى خبراء اقتصاد أن الخطوة الأميركية لن يكون لها تداعيات اقتصادية كبيرة، وإن كان جرس إنذار لباقي المصارف حيال التعاطي مع حزب الله أو مقربين منه.

نيقولا نحاس: المصارف اللبنانية ستكون أكثر يقظة وتشددا
نيقولا نحاس: المصارف اللبنانية ستكون أكثر يقظة وتشددا

وقال وزير الاقتصاد اللبناني السابق النائب نقولا نحاس “صحيحٌ أن الخبر مؤسف ومزعج، لكن هذا البنك محصور وليس له حجم أساسي، بل هو محلي أكثر”، في إشارة إلى أن البنك ليس له امتدادات واسعة خارج لبنان.

وتابع “لذلك ستكون انعكاسات قرار العقوبات عليه محصورة أيضاً، ما عدا على المودعين وأصحاب البنك، وستكون من بعده المصارف اللبنانية أكثر يقظة وتشدداً”.

ولفت الوزير اللبناني السابق، إلى أنه سبق أن حصل الأمر ذاته مع البنك اللبناني الكندي، في فبراير 2011 “وتم تخطّي ذلك بتداعيات محدودة وبسيطة”. ورأى أن تضخيم الخبر ومنحه حجما يتجاوز حجمه الطبيعي، ربما يعود للوضع الاقتصادي الحذر.

ويتفق الخبير الاقتصادي جاسم العجاقة مع نحاس مشيراً إلى أن “حجم المصرف صغير نسبةً لحجم القطاع المصرفي اللبناني”. وأوضح عجاقة، أن “إجمالي الموجودات لدى جمال ترست بنك، تساوي أقل من نصف نقطة بالمئة، وتحديداً 0.39 بالمئة من حجم القطاع المصرفي، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك تداعيات لهذا القرار”.

ويرى الخبراء أن القرار الأميركي سيدفع باقي المصارف اللبنانية إلى تشديد الرقابة ورفض أي تعاون مع الحزب أو مشتبهين بالقرب منه.

ويشكل القرار تشديدا لحصار حزب الله المالي الذي بدأ منذ سنوات لكنه اتخذ في عهد الإدارة الحالية أبعادا جديدة.

وشمل قرار وزارة الخزانة الأميركية الأخير أربعة وسطاء ماليين على قائمة عقوباتها يتمركزون في لبنان وغزة. وهؤلاء متهمون بتحويل “عشرات الملايين من الدولارات” من فيلق القدس الذي يتولّى العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني، إلى كتائب عزالدين القسّام، الجناح العسكري لحماس.

وتأتي العقوبات الأميركية في ذروة التوتر بين حزب الله وإسرائيل وسط تبادل التهديدات بينهما، على خلفية سقوط طائرتين مسيرتين محملتين بمتفجرات ليل السبت الأحد في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث المربع الأمني لحزب الله، الذي لوح برد وشيك.

ودخل الجيش اللبناني على الخط، بتأكيد وزير الدفاع اللبناني إلياس بوصعب عبر موقع “العهد” الإخباري التابع لحزب الله، أن الجيش سيبادر إلى التصدي وإطلاق النار على أي اعتداء “إسرائيلي” يكون مكشوفاً وواضحاً سواء في الجو أو في البر. وتزامن تهديد وزير الدفاع اللبناني مع تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي فوق قرى وبلدات الجنوب اللبناني.

2