إدراك الجسد في رفّ الكتب

الأحد 2014/12/07
عناية مستمرة بالجسد منذ مطلع القرن العشرين

“الشعور بالذات” هو عنوان كتاب لعالم الاجتماع الفرنسي جورج فيغاريلّو، المتخصص في فلسفة الجسد وأبعاده وسبل المحافظة على سلامته.. يبين كيف ظهرت فكرة الحاسة السادسة في عصر الأنوار لتدل على الإدراك الباطني للجسد، ووقع التعبير عنها من خلال الشعور بالوجود: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. أي أن التقاء الجسد بالأنا كان ثورة في إدراك الذات، هذا المفهوم الذي سوف يقع استغلاله في المراسلات والنصوص الحميمة. قبل أن يتحول إلى حديث عن الحلم والجنون والسير في المنام وآثار المخدرات خلال القرن التاسع عشر، ثم إلى عنايةٍ مستمرة بالجسد منذ مطلع القرن العشرين، عبر تمارين رياضية كالمشي واليوغا وما شابه، وتدريبات ذهنية كالتأمل والمناجاة، وصار الغرض منها المحافظة على اللياقة والرشاقة أكثر من وعي بالذات في حميميتها.


◄ تعقيد العالم


“مدخل إلى الفكر المعقد” كتاب للفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران صدر مؤخرا في طبعة جديدة، يقترح فيه نمطا من التفكير لمواجهة تعقيد العالم، ويبين كيف أن هذا النمط هو وحده الكفيل برفع تحديات المعرفة في القرن العشرين. والتعقيد هو مقاربة علمية جوهرية لفهم الظواهر الفيزيائية والبيولوجية، والاجتماعية والمجتمعية أيضا، فنحن إذ نطلب من الفكر أن يبدد الضباب والظلمات، أن يرتب الواقع ويضيئه، ويكشف عن القوانين التي تنظمه، يبدو لنا التعقيد معبرا عن حرجنا وفوضانا وعجزنا عن تحديد أفكارنا بطريقة بسيطة، وترتيبها وتسميتها بصورة واضحة. ذلك أن معناه الأصلي لا يمنح أي إيضاح، فالمعقد هو كل ما لا يمكن تلخيصه في كلمة جلواء، أو صياغته في قانون، أو تقليصه في فكرة بسيطة. ومن ثم يقترح موران فكرا يضيء عالما عتّمه فكر تبسيطي مبسِّط.


◄ عزاء الفلسفة


في “بناء الذات” الصادر مؤخرا في طبعة منقحة، يقترح الفيلسوف الفرنسي ألكسندر جوليان حوارا باطنيا يتخذ شكل مراسلة إلى السيدة فلسفة، كصورة استعارية كان بويسيوس (480-524) صاحب “عزاء الفلسفة” قد تخيل زيارتها قبل إعدامه. في نفس السياق، يرسم المؤلف بورتريه “سيادتي” الخوف والموت، اللذين ينبغي التحالف معهما لبناء حياة. هذه المراسلات تكشف عن حالة فكرية تحاول الإجابة عن دعوة سبينوزا: “اعمل جيدا وابق مرحا”. هو كتاب يقترح الفلسفة نمط حياة ووسيلة لعلاج النفس، يستحضر فيه صاحبه جملة من الفلاسفة من بويسيوس إلى سبينوزا، ومن أبيقور (341-270 ق م) إلى شوبنهاور، كدلائل لتجاوز الماضي والندم وكراهية الذات، والتخلص من نظرة الآخر، والانفتاح على مخاطر القبول بالأمر الواقع، والنظر إلى الحياة بروح مرحة ووجه باسم.


◄ هيمنة الذكور


طبعة جديدة أخرى لكتاب بيير بورديو “الهيمنة الذكورية” الذي سبق أن صدر عن نفس الدار عام 1998. وهو تحليل للعلاقات الاجتماعية بين الجنسين، لتبيُّن أسباب هيمنة الذكور على الإناث في مختلف المجتمعات بشكل دائم. وقد اعتمد بورديو هنا على دراسة أنثروبولوجية للمجتمع البربري في منطقة القبائل الجزائرية، بوصفه حافظ الوعي الباطن المتوسطي، لاستكشاف البنى الرمزية لهذا الحضور المركزي الذكوري. فالهيمنة الذكورية مستقرة في اللاوعي الجمعي منذ العصور القديمة حتى أنها ما عادت تلفت الانتباه أو تثير القلق، فهي منسجمة مع الانتظارات المعتادة بصورة تجعل مساءلتها أو إعادة النظر فيها أمرا مستعصيا. ولكن اكتشاف حالات الدوام تلك تفرض قلب الكيفية التقليدية لطرح المشكلة من زاوية العمل التاريخي ومن زاوية آليات المؤسسات كالعائلة والمدرسة والدولة والمؤسسة الدينية، والنظر في كيفية تحييدها لتحرير قوى التغيير.

الفكر الهرمينوطيقي يمكن أن يعيد الحياة إلى فلسفة الدين

نصوص التأويل

“صراع التأويلات” هي بحوث في الهرمينوطيقيا للفيلسوف بول ريكور يرجع عهدها إلى الستينات، صدرت هذه الأيام في طبعة جديدة. في هذا الكتاب يبين ريكور كيف فجّرت العلوم الإنسانية أطر التأويل وخلقت ما يسميه صراع التأويلات. من ذلك مثلا أن مسألة المعنى المزدوج تقود إلى تقاطع سيميائية مدعومة باللسانيات البنيوية، مع سيميائية موصولة بنظرية الجملة أو موقع الخطاب. إضافة إلى الجدل حول التحليل النفسي وعلم الأثريات وغائية الذات. فهو يعيد النظر في كل شيء، ليقحم اللحظة الغائمة وغير الذاتية للغة داخل عملية القول وقوته التفكيرية. ثم طبّق ذلك على بعض الرموز الأساسية التي كانت متصلة بحلقة الشعور بالذنب كالتهمة والعقاب وصورة الأب.. ويخلص إلى أن الفكر الهرمينوطيقي يمكن أن يعيد الحياة إلى فلسفة الدين كما وضعها كانْط ثم هيغل. بتحليل الصراع المزدوج بين الإيمان والإلحاد، وبين الإيمان والدين.


◄ رأس المال مجددا


جديد توماس بيكيتّي، أستاذ العلوم الاقتصادية بباريس، كتاب بعنوان “رأس المال في القرن الواحد والعشرين” ويتمحور حول توزيع الثروات كواحد من أهم الأسئلة المثارة اليوم، حيث التفاوت في تزايد مستمر، والحلول نظرية أكثر منها عملية. دراسة استندت إلى الاقتصاد المقارن ومعطيات تاريخية فجاءت أكثر شمولا من أي دراسة سابقة. إذ مسحت ثلاثة قرون في أكثر من عشرين بلدا، لإعادة فهم دينامية الرأسمالية، ووضع تناقضها الجوهري في علاقة بالتنمية الاقتصادية ومردودية رأس المال. ويبين الكاتب أنه إذا كان نشر المعارف قوة لا غنى عنها لتسوية الظروف على المدى الطويل، فإن تمركز الثروات وتعاظم الدخل لدى فئات قليلة يهددان قيم الجدارة والعدالة الاجتماعية في المجتمعات الديمقراطية. ويدعو إلى استخلاص العبرة من تجارب القرون الماضية، ويبين أن وسائل قلب المعادلة متوافرة، والتغيير ممكن إذا صح العزم.

12