إدريس الكراوي نخبوي مغربي يحارب الفساد بالتنمية

رئيس مجلس المنافسة التكنوقراطي إدريس الكراوي بين الثقة الملكية وتطلعات الشعب.
الأحد 2018/12/02
كفاءة اقتصادية

يبدو اختيار العاهل المغربي الملك محمد السادس للتكنوقراطي إدريس الكراوي لشغل منصب رئيس مجلس المنافسة على المقاس وكأنه قد جاء في وقته المناسب جدا، حسب العديد من المتتبعين، نظرا لموقع الرجل داخل النخبة التكنوقراطية التي تستعين بها الدولة في العديد من المحطات والمؤسسات الحساسة. وكذا بعد مقاطعة شعبية لمنتجات استهلاكية آخرها الدجاج، وجاء التعيين، أيضا، استجابة لمطالب بتأهيل سوق الشغل وإعادة ضبط ساعة الاستثمار الداخلي والخارجي مع طموحات الدولة في تنقية الإدارة والمؤسسات من جيوب الفساد.

كان لابد من وضع هذا الرجل في هذا المنصب، بعدما خبر بقوة وفعالية ومنهجية كل الملفات الاقتصادية والاجتماعية وطرق تدبيرها، عندما كان أمينا عاما للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي منذ العام 2011.

في مواجهة القضايا الشائكة

الكراوي الآن أمامه فرصة تاريخية ليترجم إرادة الدولة القوية في تخليق المجال الاقتصادي وحقنه بجرعة من الشفافية والمصداقية والضرب على أيدي اللوبيات الاقتصادية المتغولة التي ترفض أي سلطة رقابية، وعلى من يمتهنون حرفة العبث بمقدرات الدولة وخنق الاقتصاد الوطني. ما يؤهل الكراوي لذلك ثقة العاهل المغربي في كفاءته معتمدا على خلفيته الأكاديمية المعتبرة وبعدما راكم ثروة معرفية ومعلوماتية وعلاقات جد مهمة عندما كان يشغل منصب مستشار مكلف بالقضايا الاجتماعية، في الوزارة الأولى بين عامي 1998 و2011.

الكراوي يعد من الكفاءات الاقتصادية والاجتماعية النادرة بالمغرب. زاوج بين النظري والعملي بنفس تقدمي يساري حيث خرج من عباءة الاتحاد الاشتراكي، ما أهله لتحمل مسؤوليات على المستوى الدولي والوطني

مؤهلات رئيس مجلس المنافسة الفكرية تنعكس على مستوى تنظيراته عندما يعالج بعض القضايا الشائكة مثل التنمية وتطوير هياكل المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الكفيلة بالإجابة على أسئلة المجتمع وتطلعاته، فالكراوي صاحب الستة وستين عاما يعد من الكفاءات الاقتصادية والاجتماعية النادرة بالمغرب الذي زاوج بين النظري والعملي بنفس تقدمي يساري حيث خرج من عباءة الاتحاد الاشتراكي، أهلته لتحمل مسؤوليات على المستوى الدولي والوطني عملا وتدريسا فقد حصل على دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية سنة 1982، من جامعة لوميير ليون 2 بفرنسا، ويشتغل أستاذا للتعليم العالي، بجامعة محمد الخامس بالرباط وكأستاذ ضيف لدى العديد من الجامعات الأجنبية.

وكانت دراسة الكراوي بجامعات ومعاهد الجمهورية الفرنسية منها جامعة ليون 2 والمعهد الوطني للعلوم التطبيقية بين 1978 و1982، ثم بجامعة مدينة رين الثانية، ليلتحق بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بفاس ما بين 1982 و1998، وهو اليوم أستاذ محاضر بجامعة محمد الخامس بالرباط أكدال.

 وبعد كل التراكم الذي سجله الكراوي على عدة مستويات وكونه منخرطا في النقاش حول عدة قضايا ذات الأهمية منها التعليم فهو يعترف أن المغرب في وضعية لا يعرف فيها كيف يصلح مدرسته رغم وجود إرادة سياسية حقيقية ورؤية واضحة لما يجب فعله من أجل مدرسة تستجيب لتحولات القرن الحالي، وجعلها مفتاح الولوج إلى الحكامة الناجعة كما يجب الاهتمام بالتكوين لإنجاب نخب وكفاءات على غرار بلدان الشمال وآسيا، والتي حققت تفوقها العلمي بفضل مجالي التكوين والبحث.

ولم يكن مصادفة أن يحوز الكراوي على العديد من الأوسمة الدولية، منها وسام الاستحقاق الثقافي بالبرتغال، حيث تم انتخابه سنة 2017 عضوا في أكاديمية العلوم بالبرتغال، وحصل أيضا على وسام المنظمة الدولية للزراعة والأغذية وجائزة اليونيسكو ووسام الجمهورية الفرنسية للشرف، وفي يوليو 2018 أعادت الجمعية العامة للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي، المنعقدة بمدينة دبلن الأيرلندية، انتخاب إدريس الكراوي لولاية ثالثة عضوا في المكتب التنفيذي للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي رئيسا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

سيستفيد الكراوي كمسؤول مغربي من انضمامه للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي الذي يضم مجموعة من المنظمات الوطنية والدولية التي تهدف إلى تحسين الرفاه الاجتماعي، وإقرار العدالة الاجتماعية، والتنمية الاجتماعية في العالم. مهمته الأساسية تتمثل في النهوض بأشكال التنمية الاجتماعية والاقتصادية قصد الحد من الفقر ومن الهشاشة في العالم.

لعل تشديد الكراوي على تعزيز قواعد المنافسة الشريفة، ومحاربة الرشوة وكل أشكال اقتصاد الريع، ستكون من التوصيات التي سيتم وضعها تحت المجهر وهو الآن رئيس لمجلس المنافسة بصلاحيات كبيرة لم تعد استشارية كما السابق، وما اختيار العاهل المغربي لإدريس الكراوي أمينا عاما للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في العام 2011 ثم رئيسا لمجلس المنافسة بعد سبع سنوات إلا إضاءة أخرى حول ما يتمتع به الرجل من مزايا ولما يتحلى به من كفاءة وتجرد وخبرة، كما قال الملك محمد السادس منتظرين من كافة مكونات المجلس، الانصهار في بوتقة عمل جماعي، وجعل المصالح العليا للوطن تسمو فوق كل اعتبار.

رهان وتحديات

تعيين العاهل المغربي لإدريس الكراوي رئيساً لمجلس المنافسة يأتي استجابة لمطالب بتأهيل سوق الشغل، وإعادة ضبط ساعة الاستثمار الداخلي والخارجي مع طموحات الدولة في تنقية الإدارة والمؤسسات من جيوب الفساد
تعيين العاهل المغربي لإدريس الكراوي رئيساً لمجلس المنافسة يأتي استجابة لمطالب بتأهيل سوق الشغل، وإعادة ضبط ساعة الاستثمار الداخلي والخارجي مع طموحات الدولة في تنقية الإدارة والمؤسسات من جيوب الفساد

يرى الكراوي أن من وظائف الدولة تحريك المؤسسات التي لها علاقة بمراقبة الأسعار والوساطة، ومجلس المنافسة، ومؤسسة محاربة الرشوة، والوسيط، والمجلس الأعلى للحسابات، ويرتكز في وضع مفاهيمه ونظرياته على ما جاء به الدستور الذي يرى انه أتى بإبداعات مؤسساتية، ومن مسؤولية الدولة تفعيلها وأن تحول دون أن يبقى السوق في منأى عن عملية الضبط.

ستتكلف “مؤسسة المنافسة بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، بضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها، وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار، فضلا عن السهر على نهوض هذه المؤسسة بالمهام الموكولة إليها على الوجه الأمثل بكل استقلالية وحياد، والمساهمة في توطيد الحكامة الاقتصادية الجيدة، والرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني ومن قدرته على خلق القيمة المضافة ومناصب الشغل”.

والكل ينتظر من الكراوي أن ينتصر للمستهلك المغربي والاقتصاد الوطني في مهمته الجديدة على رأس مجلس المنافسة الصعبة والمعقدة خصوصا في ظل ما يعرفه المشهد الاقتصادي والاجتماعي المغربي، فالاختصاصات والتدخلات المهمة التي أصبح يتمتع بها المجلس وأعضاؤه تقول بأن الكراوي لن يكون له أي مبرر للفشل وألا يشتكي من محدودية هامش التحرك لمحاصرة جميع أشكال الريع والمنافسة غير الشريفة والإثراء غير المشروع عبر الصفقات العمومية وضرب الشفافية والمصداقية في مجال الاستثمار.

هناك الكثير من المراقبين يرون أن الكراوي هو الشخص المناسب الذي بإمكانه مواجهة اللوبيات المتحكمة في العديد من المقدرات الاقتصادية والتجارية للبلاد والمستفيدة من عدة امتيازات من الصعب التخلي عنها إلا بإرادة سياسية وتمتع فريق الكراوي بالثقة في النفس والجرأة في تدبير الملفات بشكل يخدم المواطن والوطن.

مواطن قوة البلاد

إن أهم صفة يتمتع بها الكراوي كونه رجل المهمات المنجزة والباحث الدؤوب عما يفيد وطنه في تخطي عوائق التنمية وتحديات تطوير الاقتصاد، وهو الذي تساءل “كيف نفكر في اقتصادات القرن الـ21؟”، حيث أثيرت مسألة الحكامة الاقتصادية، كمكون يحتاجه المغرب ويراعي فيه احترام القانون والمؤسسات والمراقبة الديمقراطية لإنتاج الثروة وتوزيعها مع تكافؤ الفرص بين المقاولات والمواطن. هنا يرى أن ضمان الشروط الكاملة للمواطنة وكيفية المصالحة بين مستوى العيش ونوعه شرطان لضمان تموقع أفضل للمملكة بين البلدان الصاعدة، دون إغفال طريقة التنمية التي يجب أن يعاد فيها التفكير بمساهمة كافة مكونات المجتمع المدني، وفي تقديره المبني على معطيات ومعلومات محيّنة يرى أن المغرب ينهج استراتيجية تقوم على اقتصاد عصري، مشيرا إلى أنه منذ نحو 60 سنة، إذا كان هناك من مكسب غير مسبوق بالمنطقة حاليا، فلن يكون إلا نجاح المغرب في إقامة توازن بين الملكية والديمقراطية والإسلام والحداثة.

وكون البطالة آفة تعرفها كل دول المعمور ومنها المغرب فإدريس الكراوي له رأي في العوامل المؤدية إلى تفاقمها ومنها ضعف فعالية مؤسسات الوساطة بسوق الشغل، وعدم التواصل والتشاور بالقدر الكافي بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بهدف التخطيط الاستراتيجي الاستباقي لحاجيات مختلف مكونات الاقتصاد الوطني من المهارات والكفاءات المطلوبة وتشجيع المستثمرين الجدد لولوج السوق المغربي.

انتقال الكراوي بين المؤسسات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي جعله يكوّن رؤية أكثر تركيزا على مواطن القوة والنقص في العديد من البرامج والمشاريع التي دشنتها الدولة ومنها النموذج التنموي المغربي وخصوصا في المناطق الجنوبية، فهو يرى أن الضامن الرئيس لتفعيل لنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية للمملكة يتجلى في الإرادة السياسية القوية التي عبر عنها الملك محمد السادس، وأيضا الإشراك الفعلي والحقيقي لكافة المكونات والقوى الحية بهذه الأقاليم في وضع هذا النموذج.

دور الدولة، حسبما يرى الكرواي، يتمحور حول تحريك المؤسسات التي لها علاقة بمراقبة الأسعار والوساطة، ومجلس المنافسة، ومؤسسة محاربة الرشوة، والوسيط، والمجلس الأعلى للحسابات، وهو يرتكز في وضع مفاهيمه ونظرياته على ما جاء به الدستور الذي يرى انه أتى بإبداعات مؤسساتية

هذا النموذج التنموي الذي تم وضعه بإجراء فعلي وحقيقي وشامل عبر إشراك كافة الفعاليات والقوى الحية للمنطقة، أوصى بحكامة جديدة ومسؤولة، في إطار الجهوية الموسعة، التي ستعطي صلاحيات واسعة للمنتخبين. يرى الكراوي أن هذا النموذج ينبني على مشاركة الساكنة وممثليها من خلال مسلسل إنصات واسع لجميع الفاعلين والقوى الحية.

فأي تحرك مقبل لرئيس مجلس المنافسة سيكون النموذج التنموي حاضرا في ذهنيته وستظهر أمامه انشغالات الأسر المغربية الباحثة لأبنائها عن تعليم جيد وشغل يضمن الكرامة وتأمين وتقاعد وتطبيب كرهانات اجتماعية تحقق الاستقرار والأمن، ولن يتحقق ذلك دون حكامة جيدة وإقناع الفاعلين الاقتصاديين بتحمل مسؤولياتهم بالاستثمار في البشر أولا وأخيرا.

وتبقى إشكالية التشغيل كما يراها الكراوي رهينة بالأساس بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على خلق أنشطة اقتصادية جديدة تتلاءم ووتيرة وحجم معضلة البطالة، وكذا بطبيعة النظام الوطني للتربية والتكوين والابتكار، ومدى ملاءمته للحاجيات الآنية والمستقبلية من الكفاءات والمهن الرائدة، فضلا عن نوعية الوضع الماكرو-اقتصادي الضروري لتوفير الرؤية البعدية للاستثمار المنعش للتشغيل الذاتي والشغل المأجور.

وكاستنتاج أساسي، فإن تحويل قدرة السياسات العمومية على تجنيد وتثمين النبوغ المقاولاتي مركزيا وترابيا في صلب أي عملية وطنية لخلق الثروة، إلى واقع يتطلب التأسيس لنموذج إنتاجي يسمح بتفجير الطاقات الخلاقة لدى مختلف مكونات الاقتصاد والمجتمع، وعلى رأسهم الشباب والنساء، في إطار عقلانية تسودها المنافسة النزيهة، والاستحقاق، وتساوي الفرص بين المقاولات، وكل حاملي المشاريع دون تمييز، بعيدا عن وضعيات الاحتكار والريع المبنيين على الحقوق المضمونة بحكم القرب من السلطة، والقرابة والمحسوبية والرشوة والأشكال الأخرى من الانحراف الإداري.

فاعلية النخبة المغربية

فئة النخبة المغربية يحددها الكراوي بمجموعة من الفاعلين المتنورين الذين لهم مكانة داخل المجتمع، وتجمعهم خصائص عدة منها التنظيم والمشروعية وكونهم أصحاب مشروع يقترحونه على المجتمع
فئة النخبة المغربية يحددها الكراوي بمجموعة من الفاعلين المتنورين الذين لهم مكانة داخل المجتمع، وتجمعهم خصائص عدة منها التنظيم والمشروعية وكونهم أصحاب مشروع يقترحونه على المجتمع

يحدد الكراوي فئة النخبة المغربية بمجموعة من الفاعلين المتنورين لهم مكانة داخل المجتمع، وتجمعهم خصائص عدة منها التنظيم والمشروعية وكونهم أصحاب مشروع يقترحونه على المجتمع، وعلى الصعيد الكيفي فقد توقف الكراوي عند الانتقال التدريجي لهذه النخبة من نخبة تنهج عقلانية مقاولاتية قائمة على المضاربة والريع والاحتكار في إطار تدبير امتيازي، تخوله لها القرب من السلطة المركزية إلى نخبة تعتمد عقلانية جديدة تنخرط تدريجيا في شبه منافسة نزيهة، وبناء اقتصاد قائم على الاستحقاق والمخاطرة الحقيقية والإبداع والابتكار كعناصر أساسية داخل النظام الاقتصادي الوطني.

وحول إنتاج النخب بالمغرب اعترف الكراوي أن الإدارة العامة للدولة تعرف صعوبة إنتاج موظفين ساميين يسهرون على الإدارة العامة للدولة، في المستوى الذي عرفه المغرب في سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات، حيث سجل أن ما تمت معاينته من خلال دراسة حول النخب، يوحي بأنه على صعيد الإدارة العامة للدولة، هناك أزمة لتأطير إداري في مستوى ما هو متعارف عليه على صعيد المعايير الدولية لتدبير الشأن المحلي أو الشأن المركزي.

يخلص إدريس الكراوي إلى أن المغرب يتوفر على مشروع اقتصادي تحديثي تداخلت عوامل لعدة لقيامه منها وجود إرادة سياسية حقيقية للتحديث في المجال الاقتصادي بالإضافة إلى استحالة موضوعية للدولة المركزية للنهوض بكل جوانب الإنتاج علاوة على الوضع العالمي الجديد. لتبرز إلى جانب هذا المشروع معالم النخبة الاقتصادية الشابة والمتعلمة التي تؤمن بالقانون والاستحقاق والمخاطرة والمغامرة.

8