إدريس كثير: ثقافتنا العربية تضرب خبط عشواء

الخميس 2014/02/06
إدريس كثير ترجم انطباعات جرمين تيليون عن تاريخ النساء في مجتمعات المتوسط

القاهرة - يؤكد المفكر المغربي إدريس كثير أستاذ الفلسفة وأمين الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، بفرع فاس، أن الانتقال إلى الديمقراطية يجب أن يتم بعد رحيل كل الفاشلين وبعد تشبيب الأجهزة السياسية في الأحزاب والنقابات والجمعيات والحكومة والاتحادات الأدبية والفكرية. ويضيف أن من يتحدث عن الدخول الثقافي وتسريع الثورة الثقافية لا يدرك أن هذا الربيع العربي هو ثورة ثقافية اندلعت منذ مدة وعلى المثقفين التقليديين استيعاب هذا الأمر والانخراط فيه لفهم ما يجري

يقول إدريس كثير:” إن عزوف الشباب وجزء كبير من المثقفين كان عن السياسة التقليدية وعن التنظيم المضجر، وعن اللقاءات النمطية وعن الهرولة نحو المناصب وعن الخصومات الماكيفيلية، وإن استمر جزء من المثقفين في مقاطعتهم؛ فقد عثر الشباب على وسيلة للتواصل “فيسبوك” وانخرط في شبكة تواصلية وأبدع لنفسه غناء جديدا كونيا والتحم مع غيره كأصدقاء، وبات “الراب” لسان حاله، إنها إذن ثقافة جديدة وتنظيم جديد ولقاءات جديدة، أدهشتنا لأنها باغتتنا”.


الزعامة الكاريزمية


يرى كثير أننا في الوطن العربي لا نملك تقليدا يمكن تسميته بالاحتفال الثقافي، فكل البلدان العربية الوازنة على المستوى الثقافي كلبنان والكويت ومصر لا تدعي هذا التقليد.

وحتى معارض الكتاب والثقافة كمعرض الدار البيضاء بالمغرب، معرض لبنان ومصر وبعض دول الخليج لا تشكل دخولا وافتتاحا ثقافيا كما نلمسه في فرنسا مثلا حيث تتنافس دور النشر على عرض مختلف منتوجاتها الأدبية والفكرية بدءا من شهر سبتمبر –أيلول في كل سنة حيث ترصد جوائز عدة للتباري والتسابق. وتنظم وزارة الثقافة وجمعيات المجتمع المدني لقاءات ومحاضرات في ذات الشأن.

ويؤكد إدريس كثير على أن ” ثقافتنا لا تسير وفق هذه الروزنامة. يبدو أنها تخبط خبط عشواء. فما علاقة هذه العشوائية بربيع الثورات العربية؟”، يقول:”الحراك الجماهيري الأخير يتعلق بثورة شعبية شبابية.

“نجحت في اقتلاع رموز الفساد بتونس ومصر”. خميرة هذه الثورة هي الشباب المتعلم المثقف والعارف بالتكنولوجيا، والتواصل عبر النيت: “يوتوب فيسبوك، توتير..”. شباب يتواصل عبر كل اللغات يضغط على الكلمات ويختصرها، ولا يؤمن بالزعامة الكاريزمية، ويعتقد أن التنظيم أيا كان يجب أولا أن يفسخ، “ارحل” ليعاد بناؤه من جديد وبشكل آخر لأمد طويل.. أكبر خطر يهدد هذه الثورة هو الالتفاف على مطالبها وآفاقها.. “كما جاءت المحاولات “الفاشلة” إلى حد الآن في مصر وتونس، وكما يبدو أنها مستمرة ولو بشكل صامت في أماكن أخرى..”.

الحراك الجماهيري الأخير يتعلق بثورة شعبية شبابية نجحت في اقتلاع رموز الفساد بتونس ومصر


ثورة شبابية


ويضيف كثير قوله: “انطلاقا من “الحكرة” أو الاحتقار، “البوعزيزي”.. وانطلاقا من “الحريك” “إحراق الذات كاحتجاج”.. جاءت الثورة العربية الشبابية. فهي نتيجة “النايضة” وهو مفهوم لا يترجم النهضة فقط كما فهمها وطبقها رواد النهضة “الطهطاوي قاسم أمين، محمد عبده..” وإنما يتجاوزها نحو “نهضة” جديدة تتعدى البعد السياسي بله الإيديولوجي لتتبنى ثقافة موسيقية تنهل من “الهيب هوب” و”الراب” العالميين مصادر فنها، ومن الغناء أو “الحايحة” دواعي تأجيجها “يا مصر هانت وبانت” “امنين فهمتنا” ومن “الفايسبوك”.. أسباب تواصلها».

وأوضح إدريس كثير أنه في ضوء ذلك «لا معنى إذن للحديث عن الثقافة والفكر العربي ولا للحديث عن تقليد عربي ثقافي الآن، والحراك الشبابي في بدايته.. بداية حراك لا يني، يعيد النظر في كل المفاهيم و”البراديغمات” بما فيها الثقافة وجواراتها. لقد غاب المثقف الكلاسيكي رغم حضوره “جابر عصفور”، وحضر مثقف شاب يتقن لغة “النيت” والبرمجة والتواصل.. وواكب مثقف آخر الحراك وانخرط فيه الكاتب علاء الأسواني.


داء الوصولية


ويشير إدريس كثير إلى أن التأطير وتشكيل الوعي والمد الثوري لم يعد يقوم به فرد واحد ولا قيادة موحدة إنما هي مفاهيم كلاسيكية نخرتها الانتهازية والوصولية والهرولة وقلب القيم: بحيث بات الجلاد مناضلا والمثقف مخبرا ومنظم الحفلات مثقفا، لذا فشعار المرحلة الذي هو “اِرحل” لا يتوجه إلى الآخر “الاستعمار، العولمة” إنما يتوجه إلى الذات أو إلى ذلك الجزء من الذات الذي يحكمنا “الزعيم، الفساد، المحسوبية” يجب التحرر مما يكبل الذات لتستطيع التحاور مع الآخر فيما بعد.

لقد اتضح بالملموس أن الآخر -أوروبا خصوصا- لا يتعامل معنا إلا بقدر احترامنا لأنفسنا، وبقدر مصلحته، وهذا أمر مفهوم، فحين ننادي بقيم الثورة الفرنسية “الحرية، المساواة، الأخوة” لا يمكن لفرنسا أن تتنكر لإنسيتنا وكونيتنا “رغم أن فلول الاستعمار حاولت ذلك في بداية ثورة تونس: أليو ماري مثلا، فالنزعة الاستشراقية نالت حقها من النقد والفحص “إدوارد سعيد، الخطيبي”، والاعتراف بنا لا كأنظمة وإنما كشعوب بدأ مع هذه الثورة الشبابية: على مستوى السينما “في المهرجان الأخير العاشر لمدينة كان تم الاعتراف بيسري نصرالله من مصر”، وعلى مستوى الموسيقى هناك أهمية الراب العربي “في فرنسا وهولاندا” ثم ترجمة الأدب العربي “أولاد حارتنا/ عمارة يعقوبيان”.

وعليه إما أن نكون مع أو ضدّ هذا الحراك الثوري. كل الأنظمة الكليانية العربية تقول بأطروحة المؤامرة والدسائس وتفتعلها. ولا أحد يصدقها “كاميرات المحمول تكذب ذلك” ولا يمكنها أن تستجيب لمطالب شبابها لأن في الاستجابة إزاحة وسقوط لأركان الفساد والبيروقراطية، التي حاولت وأد هذه الثورات “البلطجية، افتعال التعصب الديني، التدخل السافر “السعودية”.

مقابل ذلك هناك بارقة أمل حقيقي، للقطع مع الخوف والإهانة مازال اليمنيون والليبــيون والــسوريون يحــملون مشعــلها.”

ويضيف كثير قوله:”أجل لكل بلد خصوصيته، فثورة تونس ليست هي ثورة مصر ولا ثورة اليمن ولا ليبيا، إلا أن الذي ميز التجربة المغربية هو أنها عرفت انتقالا هادئا للسلطة “ساهم فيه الاشتراكيون” ثم طرح مفهوما جديدا للسلطة بالمغرب وتمت ممارسته، وتعرض المغرب لتجربة قاسية “الإرهاب الغاشم على البيضاء” ثم فتحت ورش كبرى “اقتصادية، بنيات تحتية” وواكب ذلك اقتراح إصلاحات كبرى “التعليم، المرأة، الدستور” ثم ضربة غاشمة جبانة “مراكش”.

14