إدريس كثير يتساءل عن الصلة بين العقـل والعالم

اشتغلت الفلسفة طوال قرون على محاصرة المفاهيم وخلقها واستنباطها، لكنها في ذلك لم تذب في العلم ولا في الفن، بل بقيت بينهما، بين منطق العلم والاشتغال في اللامحسوس الذي يقتحمه الفن. وقد اشتغل الكثير من المفكرين بحثا في الجمالية كمفهوم وأسس، ولم يقفوا عند ذلك بل تجاوزوه للبحث في ذات الفنان وخصائصها.
الخميس 2016/08/11
الإنسان كائن مجازف يتفاوض مع "الموت" كأفق نهائي للفلسفة

تتجلى في تحليلات كتاب المفكر المغربي إدريس كثير “سفر الفلسفة.. مفاهيم فيمابينية” روح المبدع والفيلسوف والباحث معا، فكثير يحملنا إلى عوالم ورؤى وأفكار قديمة جديدة ليناقش قضايا فكرية وإبداعية وإنسانية، ويطرح أسئلة جمالية وفلسفية في قراءة مشبعة برؤية عميقة للأسطورة والتاريخ والعلم والفن والشعر والرواية، مستحضرا ومحللا لأعمال نيتشه وهيغل وكانط وديكارت وهوبز وسبينوزا وريلكه ومالارمي ومحمود درويش وسالفادور دالي وغيرهم من أهم الفلاسفة والمفكرين والمبدعين العالميين.

كيف تعمل الكلمات

ينطلق كثير في مقدمته لكتابه الصادر هذا الأسبوع عن “مؤسسة مقاربات للصناعات الثقافية واستراتيجيات التواصل والنشر” من “فلسفة البلاغة” التي يرى أنها عبارة عن منطق لا يمنع العقل من الوقوع في الزلل فقط، إنما يبحث عن مقياس للهوية والاختلاف، ومسوّغ للاستنتاج البلاغي ومنطقة للالتباس والاحتمال، إذ يقودنا من خلال ذلك إلى التساؤلية ومنطلق التفاوض.

إنه منطق ينطلق من اختلافات الناس في مصالحهم ومشاربهم ومبتغياتهم ومعتقداتهم قصد البحث عن هُوية مفترضة تبدو لهم مقبولة مشتركة، أداتُها الاستنتاجية هي التحليل البلاغي لا القياس المنطقي، ذلك الاستخلاص الذي يُفصح عما ليس حقيقة بالضرورة، أو يفصح عن حجج حقيقتها محتملة فقط أو ممكنة.
منبع ذاتية الفنان هو الخيال أو النفس التخييلية التي منها تأتي المادة الأساس لعمله وقدرته على بلورة ما هو عقلي

ويضيف المفكر “لأن المشكلات والمسائل في الرياضيات عادة ما نجدُ لها حلولا فإنّ مشكلات الناس ومسائلهم تبقى مختلفة منفتحة منحازة لهذا الطرف بدل ذلك الطرف الآخر. لذا يجب الاجتهاد في البحث عما من شأنه أن يشكل الاتفاق أو يبلور التوافق والتراضي. فلسفة البلاغة منطق تساؤلي استفهامي.. فيه يُناقش الناس مشكلاتهم. ولَوْ لم تكن لديهم أسئلة لما كان في ما بينهم نقاش، ولكان لهم جواب واحد ووحيد، وهذا محال”.

يؤكد إدريس كثير أننا “في حاجة لبحث مفصّل حول كيف تعمل الكلمات وكيف تؤدي معناها وهو بحث له طابع فلسفي، ينتقد فرضياته وبداهاته ويتساءل بشكل جذري حول الصلة بين العقـل والعالم الذي بواسطته تشيـر الوقائع التي في العقل إلى الوقائع الأخرى التي هي في العالم. كيف يتسنى للفكرة أن تكون فكرة عن الشيء؟ ما علاقة الشيء باسمه؟”.

ويقول كثير “بعيدا عن النزعة الاسمية والنزعة الترابطية، ترتكز نظرية السياق على أن للمعاني طابعا شموليا تجريديا. تدرك وتفهم وفق المفهوم. بعد هذه العمومية وهذه المفاهيمية تميل النظرية إلى التجزيء والتصنيف. حتى تصل إلى الجزئيات العينية الملموسة. والمعنى في هذه الحالات هو “الفاعلية البديلة”: أي أن الكلمات تمارس سلطة ما هو غائب، وتفعل ذلك كما تفعل الإشارات الأخرى، من خلال السياقات وترابط الكلمات السابقة باللاحقة كأحداث متزامنة”.

كتاب يخلص إلى أن الفن ابن للغضب

ويرى المفكر أن الموهبة والعبقرية فطريتان، ويوضح “هذا صحيح من جهة ما. من جهة أن الإنسان خلق للدين وللفكر وللعلم أي أنه يملك تلك الفطرة التي تساعده على إدراك وفهم هذه القضايا قبل أن يتعلمها. لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى الفن. فهذا الأخير يتطلب استعدادا خاصا. وما دام الجمال هو الفكرة المحققة فيما هو ملموس وواقعي وما دام الفن يمظهر ما هو روحي ويظهره للعين أو الأذن فيما هو مباشر في الوجود، فعلى الفنان أيضا أن يهيئ أشكاله وفق العقل والروح داخل حدسه وحساسيته وضمن مادة محسوسة. كل هذا بشكل مباشر وطبيعي. بهذا المعنى يمكن الحديث عن الفطرة في الفن. ويمكن ربط الموهبة والعبقرية بالشعوب عامة. هكذا فالغناء والميلوديا ينتميان إلى الإيطاليين، والموسيقى والأوبرا يعودان إلى شعوب الشمال، والنحت والشعر الملحمي إلى الإغريقيين”.

ويشير كثير إلى أن أهم منبع لذاتية الفنان هو الخيال أو النفس التخييلية، منها تأتي المادة الأساس لعمل الفنان وقدرته على بلورة ما هو عقلي في ذاته ولذاته تحت شكل واقعي. هذه القدرة هي الموهبة وبالتالي العبقرية. فالموهبة فطرية والعبقرية كذلك. لكن في الواقع الحقيقي الموهبة هي هذا الميل المباشر في ذات الفنان، هي انقشاع فوري فجائي مباشر لا نملك الوقت لحسابه ولا لتحديده لذا نقول إنه فطري ينبع من الجبلة. ويضيف المفكر أنه إضافة إلى هذه الخصائص هناك خصائص أخرى تميز الفنان وهي طريقة عمله وأسلوبه وأصالته.

الغضب المأساوي

يقدم كثير رؤاه الفلسفية تلك من خلال خمسة فصول، في الفصل الأول: ” فلسفة العلوم ” يجرى “التفاوض” الفلسفي بين تاريخ العلم الفلسفي (الأسطقسات) وتاريخ العلم الحديث (الجينات) لتبيان آفاق تفسير وتأويل الحياة في الكون.. وبين التحليل الإكلينيكي للسكيزوفرينيا في علم النفس الطبي والتحليل الفلسفي لنفس الذات المنفصمة من زاوية الذكاء الإنساني.

ويتطرق إدريس كثير في الفصل الثاني إلى موضوع “الفلسفة السياسية” التي يرى أنها “بلاغة تفاوضية” تُدبّر الشؤون المشتركة بين الناس وتتجادل بشأنها من خلال مفهوم “الهرطقة” كتهمة مشتركة في الشرق والغرب تمس التنوير، ومفهوم “اليقظة” كاهتمام مشترك “للخلود” بين الفلسفة الإغريقية (أرسطو) والإسلامية (ابن رشد) واليهودية (ابن ميمون)، ومفهوم “الكاريزما” كشخصية سياسية تقرّب المسافة بين الناس والزعماء، ومفهوم “النوموقراطية ” كروح تفاوضية، يجب أن تسري في كل القوانين.

بحث مفصل حول كيفية عمل الكلمات وكيف تؤدي معناها، وهو بحث له طابع فلسفي، ينتقد فرضياته وبداهاته

أما الفصل الثالث “في فلسفة الأهواء” فيرتكز على ما يُسمى “بلاغة الأهواء” المعالجة لمفهوم الذاتية المرتبط بانفعالات الذات المختلفة، وبأهوائها وميولها المتعددة. وما دامت البلاغة “تفاوضية” فهي تتفاوض حول الحب والكراهية (الكراهية) وحول الصدفة والضرورة (البخت) وحول الأمل واليأس (اليأس) وحول اللذة والإتيقا (الإيروتيكا).

في الفصل الرابع “في فلسفة الغوائل” يقدم كثير كيفية تجادل الفلاسفة حول مفهوم “النهاية” وكيف انتقلوا من الكاووص (العماء) إلى الكوصموص (الخيمياء) وكيف أن الإنسان كائن مجازف يتفاوض مع “الموت” كأفق نهائي للفلسفة.

وأخيرا “في فلسفة البلاغة والإبداع” يتم التفـاوض على مستوى الأسلوبية والشعرية والأدبية أي على مستوى “البلاغة الإبـداعية”، حيث يصل مفهوم الالتباس إلى قمته. وهذا الأخير هو بالضبط الطابع الإشكـالي للفلسفة؛ فهو دعوة إلى التأويل والإغراء في آن واحد، وهو ما تجسده الاستعـارة والمحسنات البلاغية الأخرى.

ويكشف كثير في خاتمة الكتاب أن “كل هذه المباحث جاءت نتيجة للغضب. جاءت من مُهجة الغضب الذي لا يعني فقط عدم الرضى عن النفس ولا التوتر داخل الذات ولا خدش كبريائها، إنما الغضب المقصود هو الذي يبدو أكبر من الانفعال وأقل من الوعي القصدي. الغضب في هذه الحالة شعور مأساوي، نعثر عليه في رواية الألمعي جون شتاينبك. ففي “عناقيد الغضب” يتصاعد الغضب توترا منذ البداية من مستواه الأدنى، مستوى الانفعال والاندهاش إلى مستوى القساوة والحزم ثم إلى مستوى السُّخط الرافض لكل أشكال الاضطهاد والاستغلال، إلى الغضب الأليم الذي يصب جامه على الأحبة إن لم يعثر على موضوع غضبه الحقيقي، ويتحول فن الغضب الأخضر إلى الغضب الأزرق الممزوج بالخزي والعار، غضب الكهول حين يتبولون في سراويلهم والنساء حين يفقدن الأمل. ولحظة غضب تكفي لترفع تهمة التسول عمن هم ليسوا من المتسولين ولا من المتسكعين ولا من السُّذج. هناك خيطٌ رفيع بين الغضب والجوع والغضب والاستفزاز والغضب والخوف”.

15