إدغار آلان بو شاعر قسا عليه عصره ومجتمعه

الاثنين 2014/08/25
عند إدغار آلان بو يتكامل الخيال الخلاق مع التجريد النظري

كان الشاعران الكبيران شارل بودلير وستيفان ملارميه وراء الشهرة الواسعة التي حظي ولا يزال يحظى بها الكاتب والشاعر الأميركي إدغار آلان بو، فقد ترجم الأوّل مختارات من قصصه إلى لغة موليير. أما الثاني فقد فعل الشيء ذاته مع قصيدته الشهيرة “الغراب”.

ولد إدغار آلان بو في التاسع من يناير 1809 في مدينة بوسطن التي عاش فيها اثنان من كبار الأدباء الأميركيين، أعني بذلك ناثانيال هاوثورن وهرمن ملفيل، وكان والداه يمتهنان التمثيل، وقد توفي والده بسبب الإدمان على الكحول.


تجربة العسكر


إثر ذلك احتضنت عائلة مترفة آلان بو ومعها أخذته إلى لندن، وهناك التحق بمدرسة خاصّة في “ريشمون”، وفي دراسته كان تلميذا موهوبا، وكان رياضيّا ممتازا. وفي عام 1827، انقطع عن دراسته الجامعيّة إذ أن العائلة التي احتضنته رفضت دفع المصاريف بسبب تهافته على القمار.

وفي شهر مارس من العام نفسه، فرّ عائدا إلى مسقط رأسه بوسطن، لينخرط في الخدمة العسكريّة متطوّعا لمدة خمسة أعوام، لكنه سرعان ما تمّ قبوله في مدرسة شهيرة للضباط، وفيها أظهر تفوّقا ملحوظا على زملائه، وبسبب الانضباط الذي تتطلبه الخدمة العسكرية والذي كان يتعذّب منه كثيرا ترك المدرسة المذكورة، وارتحل إلى بالتيمور عام 1982.

في مدينة بالتيمور شرع يكتب بشكل محموم، وقامت بعض الصحف المحترمة بنشر قصصه الأولى التي دلّت على موهبة عالية، وعلى خيال جامح. وفي هذه الفترة من حياته، عشق إدغار آلان بو ابنة عمه فيرجينيا التي كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وتمكن من أن يتزوجها.


حمى الكتابة


وخلال السنوات التي أعقبت زواجه، كتب آلان بو بغزارة، ونشر العديد من المقالات النقديّة منوّها فيها بأعمال إيرفينغ وهاوثورن وديكنز. وفي عام 1841، حين بلغ الثانية والثلاثين من عمره، عيّن محرّرا لإحدى المجلاّت الأدبيّة.

أكثر آلان بو من الرحلات باحثا عن المرأة التي يمكن أن تنسيه زوجته الراحلة، لكن دون جدوى

كما كتب العديد من القصص البوليسية التي سيتأثر بها لاحقا كتاب من أمثال أغاثا كريستي وكونان دويل وحتى بورخيس. وفي عام 1843، نشر آلان قصته الرائعة “الجعل الذهبي” التي سوف تفتن الكثير من الشعراء والكتاب في القرن العشرين. غير أن الديون المتراكمة كانت قد أثقلت كاهل الفنان الموهوب، فغرق في الكحول مثل والده من قبل.

ولم يلبث أن ازداد وضعه سوءا بسبب وفاة زوجته بداء السلّ تماما مثلما كان الحال بالنسبة إلى والدته. وهروبا من وضعه الذي كان يسوء يوما بعد آخر، أكثر إدغار آلان بو من الرحلات باحثا عن المرأة التي يمكن أن تنسيه زوجته الراحلة، لكن دون جدوى، فقد كانت صورة فرجينيا تلاحقه في كلّ الأمكنة التي يحلّ بها.

وفي الرابع من شهر سبتمبر عام 1849 عثر عليه في بالتيمور مغميا عليه، وعقب مرور ثلاثة أيام على ذلك توفي باحتقان في الدماغ. وكان بورخيس يعتبر بو كاتبا فريدا من نوعه إذ أنه تمكّن من أن يختزل المأساة الإنسانية في قصص خارقة، مكتوبة بلغة شعرية آسرة.


ضحية عصره


وأما الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار فقد كتب عن إدغار آلان بو يقول: “بين الكتّاب النادرين للغاية، والذين عملوا على حافّة الحلم والفكرة الموضوعيّة، في تلك المنطقة الغامضة حيث يتغذّى الحلم من أشكال ومن ألوان واقعيّة، وحيث مقابل ذلك، يتقبّل الواقع الجمالي مناخه الحلمي، يمكن القول إن آلان بو هو الأعمق في هذا المجال، وهو الأكثر مهارة. من خلال عمق الحلم، ومهارة السرد، عرف كيف يصالح في أعماله بين ميزتين متنـــاقضتين: فنّ الغـــرابة، وفـنّ الاستنتاج”.

وعن آلان بو كتب أيضا ملارميه يقول: “بالتأكيد كان بو ضحيّة عصره، وضحيّة مجتمع مادّيين للغاية، ومحدودي النظرة.

لذا لم يكن باستطاعتهما فهم عبقريته. لكنه حتما كان قد ولد ومعه إرث ثقيل، وعاش طــــوال حياته مصابا بأمراض عصبيّة حادة. وكان أيضا مثقفا يتمتع بصفاء ذهنيّ خارق، ما جعله أديبا متقدما على عصره، عنده يتكامل الخيال الخلاّق مع التجريد النظري”.

14