إدغار دوغا انطباعي تمرد على الانطباعيين وانتقد رؤاهم

في إطار سياسته الهادفة إلى التعريف بمختلف أوجه جماليات الانطباعية، ينظم متحف جيفرني بالتعاون مع متحف أورسي معرضا بعنوان “دوغا، فنان انطباعي؟” يتواصل حتى منتصف شهر يوليو 2015، والغرض كما يدل عليه التساؤل أعلاه هو معرفة مدى اتصال إدغار دوغا بالحركة الانطباعية أو انفصاله عنها.
الاثنين 2015/05/04
أعمال دوغا خرقت المفهوم الكلاسيكي للانطباعية

عند الحديث عن الانطباعية، اعتاد مؤرخو الفن وهواته أن يوردوا اسم إدغار دوغا (1834 – 1917) كرمز من أهم رموز الحركة إلى جانب كلود مونيه وإدوار مانيه وأوغست رونوار وبول سيزان وسائر أفراد المجموعة، بفضل مقاربته التجديدية وعنايته بالحركة من منطلق منظوري.

فقد شارك في سبعة من المعارض التي أقاموها، وخالطهم في مرحلة أولى، ولكنه اختلف عنهم من حيث الرؤية الفنية، ثم انتقدهم بشدة في أواخر حياته قائلا “لو كنت الحكومة، لوضعت فرقة من الحرس لمراقبة هؤلاء الذين يرسمون مناظر طبيعية في الهواء الطلق”.

ووصل به الأمر ذات مرة أن همس لمونيه “لم أبق في معرضك سوى ثانية؛ لوحاتك تصيبني بالدوار”، بعد أن عبّر صراحة، خلال المعرض نفسه، عن موقفه من أعمال الانطباعيين عامة، ولوحات مونيه خاصة “لا أشعر بأي رغبة في فقدان وعيي أمام بركة أو غدير”.

ذلك أن دوغا ساهم بطريقته في ثورة الرؤية التي اقترحتها الحركة الانطباعية، ولكنه تميز عن أعضائها بتوجيه اهتمامه إلى الأضواء الاصطناعية، أو بتركيزه على موتيفات أقرب إلى الذاتية مثل حركة الأجساد لدى الراقصات، إذ كان منبهرا بأثر الضوء على أرجل الراقصات، يستوقفه منهن السلوك والحركات والأزياء، وأحيانا لون الخف أو التنورة الذي يحدد بمفرده التناسق الصبغي للعمل الفني.

ينحدر دوغا من أسرة ميسورة هيأت له في بيتها مشغلا خاصا يمارس فيه هوايته. وبعد فترة وجيزة في دراسة الحقوق، التحق بمدرسة الفنون الجميلة بباريس، ثم سافر إلى فلورنسا ونابولي وروما حيث درس أعمال الـ”كواتروتشنتو”، ورسم عدة بورتريهات، وأحصى في مدونته موتيفات كثيرة من حياة الناس في إيطاليا كمشاريع ينوي إنجازها، وهي الموتيفات التي سنجدها من بعد في أعماله الكبرى، كالعازفين والراقصات والمآتم والمقاهي ليلا… ما جعل بعض النقاد يؤكدون على أن مونيه رسام صور وليس رسام مناظر طبيعية.

وبعد أعوام ثلاثة قضاها في إيطاليا، وأبدع خلالها أولى روائع الفن الانطباعي ونعني بها لوحة “العائلة بلّيلي”، اهتم بثيمة سباق الخيل، وهو تقليد أرستقراطي إنكليزي انبهر به قبله تيودور جيريكو (1791 – 1824)، فكان يرتاد ميدان لونشان لسباق الخيل، فيرصد حركات المتسابقين وخيولهم، ليرسمها عند العودة إلى مشغله.

دوغا ساهم بطريقته في ثورة الرؤية التي اقترحتها الحركة الانطباعية، ولكنه تميز عن أعضائها بتوجيه اهتمامه إلى الأضواء الاصطناعية

وفي مرحلة لاحقة، أي بداية من منتصف ستينات القرن التاسع عشر، صرف اهتمامه إلى المسرح والرقص والموسيقى، فأبدع لوحات رائعة أشهرها “أركسترا الأوبرا”، ثم إلى شخصيات من عامة الناس مثل لوحة “كاوية الملابس”.

وكان كعادته مولعا بالحياة في المدينة، ووجهها العصري، ينقّل بصرا ما انفكّ يكلّ منذ عام 1970، للإمساك بما يجعل المواقف متفردة أو غامضة أو غير مفهومة، ليصوغها في عمل فني لا يكتفي بالظاهر، بل ينفذ إلى نفسية الشخصيات، ويعكس انفعالاتها.

ورغم العلاج المتكرر، فقد دوغا بصره عام 1911، فتوقفت تجربته الفنية التي شملت النحت وحتى التصوير الشمسي.

وتوزع معرض “دوغا، فنان انطباعي؟” المقام حاليا في باريس على خمس محطات: الأولى عكست تكوينه الكلاسيكي في مدرسة الفنون الجميلة، حيث تتلمذ على بارياس ولاموت قبل الهجرة إلى إيطاليا، حيث عمته.

والثانية تناولت تجربته في البورتريه من منظور انطباعي ومشاركته في كل معارض الانطباعيين من 1874 إلى 1886، باستثناء معرض عام 1882. أما الثالثة فتركزت على مسألة المنظر التي كان يرفضها بشدة قائلا لزملائه “يلزمكم الحياة الطبيعية، أما أنا فحسبي الحياة غير الطبيعية”، حيث فضل في سائر أعماله عالم الرقص والمناظر الداخلية والحياة العصرية على المناظر في الهواء الطلق. وتمحورت الرابعة حول ثيمة الحركة، كالباليه والرقص والموسيقى التي كانت تفتن دوغا، وقد تميزت هذه المرحلة إبان الإمبراطورية الثانية والجمهورية الثالثة بميل الناس للحياة الليلية التي صارت ممكنة بفضل الإنارة العامة في الشوارع، وقضاء السهرات في المسارح والأوبرا.

وأما الخامسة فقد خصصت لدوغا بعد 1892، حيث انسحب من الحياة العامة، ورفض عرض أعماله، وآثر العزلة والابتعاد عن الانطباعيين الذين تشتتوا ومضى كل واحد منهم في الطريق الذي اختاره.

والخلاصة أن دوغا وإن كان رأسا من رؤوس الانطباعية، ومؤسسا من مؤسسيها، فإنه بخلاف زملائه، كان يفضل العمل في مشغله، ولا يشاطرهم ميلهم إلى الرسم في الهواء الطلق، ولا بحثهم عن الضوء الطبيعي في الأرياف، بل كان يختزن مشاهداته ثم يعيد صياغتها اعتمادا على ذاكرة بصرية قوية، مع التصرف في موتيفاتها على هواه، عملا برأيه في حق الفنان في ترجمة إرادته الفنية، مخالفا مرة أخرى موقف زملائه الذين يلحون على عفوية الرسم وأسبقيته على الموتيف.

ويقول دوغا في هذا الصدد “لا يوجد فن أكثر عفوية من فني؛ ما أقوم به هو نتيجة تأمل لآثار الكبار ودراستها، مع شيء من الوحي والطبع”. ويقول أيضا “لا أريد أن أفقد رشدي أمام الطبيعة”.

16