إدلب.. عاصمة جديدة لـ"دولة الخلافة" بروح القاعدة وسياسة داعش

هيئة تحرير الشام تمسك بمفاصل الحياة الاقتصادية في إدلب، عبر سيطرتها على المعابر القائمة مع مناطق سيطرة قوات النظام، أو تلك الحدودية مع تركيا.
السبت 2019/06/29
مظاهر متشددة تذكر السوريين بما فعله تنظيم داعش بالرقة والموصل

تقف محافظة إدلب، التي تقع في شمال غرب سوريا، بين نظام الأسد وإعلان “النصر النهائي” على المعارضة في سوريا. وتدق طبول حسم المعركة منذ أشهر في هذه المحافظة التي تعدّ المعقل الأخير للمعارضة والتي تتحول شيئا فشيئا إلى “عاصمة” جديدة لـ”دولة الخلافة”، حيث تمسك هيئة تحرير بمفاصل الحياة الاقتصادية في إدلب، عبر سيطرتها على المعابر القائمة مع مناطق سيطرة قوات النظام السوري، أو تلك الحدودية مع تركيا، وتفرض نفوذها على سكان المحافظة في أدق تفاصيل حياتهم اليومية.

بيروت - تتحكّم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) بإدارة محافظة إدلب التي تُعدّ معقلها في شمال غرب سوريا، رغم وجود فصائل إسلامية أخرى أقلّ نفوذا في المنطقة. وتتولى من خلال مؤسسات مدنية وأجهزة أمنية وقضائية تنظيم شؤون نحو ثلاثة ملايين نسمة في وقت تجني عائدات من حركة البضائع والسلع عبر المعابر مع مناطق سيطرة النظام السوري من جهة ومع تركيا من جهة ثانية. وبينما يصف البعض إدلب أحيانا بأنها “إمارة تنظيم القاعدة”، يجد محللون أوجه شبه بين طريقة إدارتها و”الخلافة الإسلامية” التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية قبل أن تنهار مؤخرا.

ثماني وزارات

منذ العام 2015، سيطر ائتلاف فصائل معارضة وجبهة النصرة حينها على كامل إدلب. وتشكلت إثر ذلك مجالس محلية لإدارة البلدات والقرى بينها المجلس المحلي لمدينة إدلب. تلقت هذه المجالس الدعم من “الحكومة المؤقتة” التابعة للائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، ومقرّه إسطنبول.

في العام 2017، بدأت هيئة تحرير الشام التوسّع تدريجيا على حساب الفصائل المعارضة، ونشب اقتتال داخلي في ما بينها، استمر بشكل متقطع لعامين. وشكّلت خلال العام ذاته “حكومة الإنقاذ” واجهة مدنية لها وسّعت عملها تدريجيا لتصبح الجهاز الإداري للمحافظة التي باتت هيئة تحرير الشام تسيطر عليها بالكامل مطلع العام 2019.

ويقول أيمن الدسوقي، الباحث في مركز عمران للدراسات، المسجل في تركيا، “في ظل حكومة الإنقاذ، ضعف دور المجالس المحلية وبات بعضها تابعا لها وأخرى مضطرة قسريا للتعامل معها”، خصوصا مع تراجع دعم الجهات المانحة نتيجة تصاعد نفوذ الفصائل الجهادية.

تضم هذه الحكومة ثماني وزارات هي الداخلية والعدل والأوقاف والصحة والتربية والخدمات والاقتصاد والتنمية والإدارة المحلية والشؤون الاجتماعية. يتبع لها جهاز شرطة ذات مسؤوليات محدودة كتنظيم السير وملاحقة المجرمين أو حلّ الخلافات الشخصية.

وتعمل الشرطة بالتنسيق مع الجهاز الأمني التابع للهيئة الذي يُعدّ الجهة الأمنية الأكثر نفوذا ويتولى مسؤولية مواجهة أي اختراقات أمنية. قبل توسّع نفوذ حكومة الإنقاذ، اعتمدت الهيئة على جهاز “الحسبة”، وكان يُعرف بتسمية “سواعد الخير”.

اعتادت عناصر هذا الجهاز على التجول في المدن والبلدات والتدقيق في لباس النساء وصلتهن بالرجال الذين يرافقونهن. إلا أن عمله تراجع بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، وفق ما لاحظ سكان. ويرأس حكومة الإنقاذ فواز هلال منذ نهاية العام الماضي، في حين يُعدّ زعيم هيئة تحرير الشام أبومحمد الجولاني الرجل الأكثر نفوذا.

ترخيص لجامعات

معبر باب الهوى الأكثر إغداقا بالأموال
معبر باب الهوى الأكثر إغداقا بالأموال 

بعد طرد قوات النظام منها، استُحدثت في إدلب مديرية تربية مستقلة تابعة للمعارضة. وأبصرت النور جامعات خاصة. لكن الوضع تبدّل خلال العام الحالي بعدما ألزم مجلس التعليم العالي التابع لحكومة الإنقاذ كافة الجامعات بالحصول على ترخيص. وأغلق هذا المجلس أكثر من عشر جامعات غير مرخصة منه.

وتشترك جامعات المحافظة كافة في كون الشهادات التي تمنحها غير معترف بها خارج إدلب. ويُسمح للمدنيين من طلاب وموظفين التنقل بين إدلب ومناطق سيطرة النظام. ويلتحق العديد من شبان إدلب بجامعات في دمشق ومناطق أخرى تحت سيطرة الحكومة. وقدّم أكثر من ألفي طالب العام الحالي امتحانات الشهادة الثانوية في مناطق سيطرة النظام خشية من عدم الاعتراف بشهادات مدارس إدلب.

معابر واحتكار

تمسك هيئة تحرير الشام أيضا بمفاصل الحياة الاقتصادية في إدلب، عبر سيطرتها على المعابر القائمة مع مناطق سيطرة قوات النظام، أو تلك الحدودية مع تركيا. وتدرّ تلك المعابر أموالا هائلة، وإن كان عددها قد تقلّص مؤخرا بعد التصعيد العسكري منذ نهاية أبريل.

وتأخذ المجموعة الجهادية حصتها من الضرائب على البضائع التي يتم إدخالها من مناطق النظام أو إخراجها منها. ومعبر العيس حاليا هو الوحيد المفتوح في ريف حلب الغربي.

وللهيئة، المُصنّفة إقليميا ودوليا كتنظيم إرهابي، علاقات مع شبكة واسعة من التجار الأتراك بدعم رسمي من أنقرة ومُباركة منها، وتضع يدها بشكل أساسي على تجارة الوقود عبر “شركة وتد للبترول”، التي تحتكر استيراد المشتقات النفطية عبر تجار من تركيا.

ويعدّ معبر باب الهوى، الأكثر إغداقا بالأموال عليها. وتنتقل عبره كافة البضائع من تركيا من ألبسة ومنتجات غذائية والوقود ومشتقاته. ودخلت المجموعة كذلك عالم الصيرفة عبر امتلاكها بشكل مباشر أو غير مباشر مكاتب حوالات وصرافة مالية. وبحسب دسوقي، للهيئة “تأثير على مكاتب الصيرفة المستقلة، التي لا بد لها لكي تضمن استمراريتها من أن تعمل وفق شروط الهيئة وتدفع ما هو مستحق عليها من رسوم أو أتاوات”.

ولهيئة تحرير الشام علاقات مع شبكة واسعة من التجار. وتضع يدها على تجارة الوقود عبر “شركة وتد للبترول”، التي تحتكر استيراد المشتقات النفطية عبر تجار من تركيا.

قضاء شرعي

حضور تركي مكثف
حضور تركي مكثف

بعد خروج المؤسسات الحكومية من إدلب، تمّ استبدال النظام القضائي بمحاكم شرعية. وكان “ولاء” غالبية القضاء لهيئة تحرير الشام (النصرة آنذاك) وفق ما يقول نوار أوليفر، الباحث في مركز عمران للدراسات. وباتت هذه العلاقة أكثر وضوحا مع تشكيل حكومة الإنقاذ، وبعدما باتت مرجعية المحاكم هي وزارة العدل.

ويتطلب تنفيذ الأحكام في كثير من الأحيان وقتا طويلا، وغالبا ما تكون تلك التي تنفّذ بسرعة “أحكام إعدام بحق خلايا تابعة لتنظيم داعش”، وفق أوليفر. وتعلن هيئة تحرير الشام بين الحين والآخر كشف خلايا تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية.

6