إدمان الشباب العربي بالألعاب الإلكترونية هواية أم هروب من الواقع

إقبال الشباب على الألعاب الإلكترونية يتحول إلى ظاهرة مؤرقة، إلا أن تفشيها يعود إلى الفوارق الثقافية والفكرية بين الدول المتقدمة والبلدان العربية.
الأحد 2019/03/24
انشغال دائم

تتنامى نسبة الشباب المستخدمين للألعاب الإلكترونية في المنطقة العربية مقارنة ببقية دول العالم، لتصبح ظاهرة ملفتة ومقلقة  تحتاج إلى دراسة وتوعية بعد تحولها إلى وسيلة للأجيال الجديدة للهروب من واقع صعب والعيش في عالم افتراضي مشوق ومليء بالشغف والإثارة وتحقيق المكاسب الوهمية.

القاهرة - يتزايد إقبال الشباب على الألعاب الإلكترونية، مع تطور التكنولوجيا وتنوع التقنيات الحديثة، لتصبح ظاهرة مؤرقة للعائلة والمجتمع، لا تخلو من المخاطر التي تهدد الشباب نتيجة الإدمان عليها.

أثارت الأرقام التي أعلنتها إدارة اللعبة الإلكترونية الشهيرة “بوبجي” عن عدد مستخدمي اللعبة في منطقة الشرق الأوسط جدلا واسعا وصل إلى حد صدمة بعض خبراء علم النفس والاجتماع، وطالبوا بضرورة دراسة الظاهرة بتوسع باعتبارها حدثا ملفتا ومثيرا في أوساط الشباب.

وقالت إدارة اللعبة، التي تقوم فكرتها على لاعبين يشتبكان في معارك بالأسلحة، إن عدد اللاعبين المشتركين من الشرق الأوسط وصل إلى نحو 50 مليون مستخدم ضمن 300 مليون شخص حول العالم، ولذلك قررت إضافة اللغة العربية في آخر تطوير بعد أن مثل متحدثو اللغة العربية نسبة 30 بالمئة من عدد المستخدمين.

ولم تكن تلك اللعبة الحديثة سوى حلقة ضمن سلسلة طويلة من الألعاب الإلكترونية التي يمكن أن يمارسها الشباب على الهواتف الذكية، وجميعها ظواهر فريدة ومتعددة، تجذب الشباب نحو كل لعبة جديدة.

يقول عمرو محمد، وهو طالب في الجامعة الألمانية بالقاهرة، إنه ذهب إلى برلين للتعرف مباشرة على صديقه ستيفن الذي تعرف عليه من خلال لعب مباريات كرة القدم الإلكترونية، كان يحلو لعمرو اللعب بفريق البرازيل بينما يصر ستيفن على اللعب بالفريق الألماني.

وعندما يقترح أحد الصديقين على الآخر تغيير النادي من منتخب إلى فريق، يلجأ عمرو المصري للعب بفريق برشلونة الإسباني، بينما يصر ستيفن على اختيار الفريق الألماني بايرن ميونيخ، ولذلك تأتي النتائج متكافئة تقريبا نتيجة توازنات القوى الرياضية بين المنتخبات الفرق.

الألعاب الإلكترونية تمثل متعة يصعب الحصول عليها من خلال شيء آخر، وتملأ أوقات الفراغ الطويلة بالشغف والإثارة

ويشعر عمرو بأنه ند لصديقه الألماني، ويقتنع بأن اختياراته كانت صحيحة بعدم اللجوء لمنتخب أو فريق عربي، كي لا يخسر المنافسة مع ستيفن من الجولة الأولى، فلا يوجد منتخب أو فريق عربي يمكنه الصمود أمام ستيفن.

وأخذ اللعب مناحي مختلفة وتطور إلى المزيد من التقارب الإنساني، وبدأت العلاقة تدخل مجالات علمية ودراسية وتفاهم في الكثير من الأمور والاهتمامات المشتركة، جعلت عمرو وستيفن يتبادلان الزيارة.

حكاية عمرو وستيفن يمكن أن تقدم الكثير من الدلالات التي لها علاقة بأفكار الشباب، وأسباب إقبالهم على الألعاب الإلكترونية بكثافة، فهي تتجاوز الاستنتاجات القريبة، بعد أن توسعت وأضحى الشباب مغرمين بها.

أيقونة عربية

يعتبر فوز الشاب السعودي مساعد الدوسري ببطولة العالم في لعبة كرة القدم “فيفا 2018″ بعد منافسة عشرين مليون شاب من مختلف دول العالم، علامة بارزة على دخول هذه الألعاب مجالا جديدا.

وأشاد الاتحاد الدولي لكرة القدم بالدوسري على صفحات التواصل الاجتماعي، وانتشرت قصة نجاحه بين رواد مواقع التواصل على فيسبوك وتويتر وإنستغرام، ورأى كثيرون في الدوسري أيقونة شبابية عربية شرفت بلاده أمام العالم.

وتجاوز الشباب الألعاب التقليدية الخاصة بممارسة كرة القدم عن طريق “البلاي استيشن” وانخرطوا في ألعاب متنوعة، وفرت لهم وسيلة للتعرف على شباب آخرين من دول مختلفة، ما مكنهم من الاطلاع بشكل غير مباشر على عادات وتقاليد تبدو مغايرة لما عرفوه في دولهم.

بداية من لعبة “المزرعة السعيدة” و”صراع الممالك” مرورا  بـ”بوكيمون غو” ونهاية بـ”بوبجي”، مثلت كل تلك الألعاب وعاء للملايين من الأجيال الجديدة التي بدت وكأنها عرفت طريق الإدمان على تلك الألعاب.

وقال سمير الدرملي، وهو شاب ثلاثيني عاشق للألعاب الإلكترونية، إنه منذ أن كان طفلا في الحادية عشرة من عمره، وهو ممارس دائم لكل ما هو جديد من تلك الألعاب دون توقف أو انقطاع بداية من ظهورها على الأجهزة اللوحية البدائية مثل “غيم بوي” مرورا بـ”الآي باد” وغيره.

وأوضح لـ”العرب” أن تلك الألعاب “تمثل متعة يصعب الحصول عليها من خلال شيء آخر، وتملأ أوقات الفراغ الطويلة بالشغف والإثارة وتجعل لدى كل لاعب رغبة في الاستمرار في اللعب دون توقف”.

وأضاف “كنت أعتقد وأنا صغير أمارس تلك الألعاب بشراهة أني مازلت طفلا يبحث عن المتع البسيطة، وعندما كبرت وتخرجت في الجامعة وبدأت حياتي العملية، أصبحت ألعب أكثر ولا أستطيع البعد عن لعب الهواتف المسلية.. وباتت تلك الألعاب المخدر اليومي، وجائزة نهاية اليوم الطويل والمرهق للتخلص من ضغوط الحياة والهروب من مشكلات لا تنتهي”.

وتعكس كلمات الدرملي وغيره من الشباب نظرية “مثلث الشغف بالألعاب الإلكترونية”، التي وضعها العالم ستيف موست الأستاذ بجامعة سوث وايلز البريطانية.

وتقسم الدراسة الجامعية أسباب الإقبال على الألعاب الرقمية إلى ثلاثة أضلاع، الأول: البحث عن الإثارة، والثاني: الهروب من الواقع، والثالث: الفراغ.

وتندرج أسفل هذه الأضلاع العشرات من الأسباب التي جعلت الشباب العربي في مقدمة محبي تلك الألعاب ومن المدمنين لها. وفي وقت يحذر العالم من مخاطر تفشي تلك الممارسات الرقمية، يتوسع المبرمجون في ألعابهم دون عناء أو مقاومة.

مثلث الشغف بالألعاب: البحث عن الإثارة، الابتعاد عن الواقع، والفراغ
مثلث الشغف بالألعاب: البحث عن الإثارة، الابتعاد عن الواقع، والفراغ

ويمثل البحث عن الإثارة الضلع الأكثر انتشارا واشتراكا بين الشباب بشكل عام حول العالم، ويدفع اللاعبين نحو الاستمرار في اللعب دون الشعور بالملل ثم القفز فجأة من لعبة إلى أخرى، وعدم العودة لتلك اللعبة السابقة التي كانت تحتل الكثير من وقتهم. وتكمن مميزات كل لعبة ناجحة في قدرتها على تحقيق إثارة قوية ونقل اللاعب إلى عالم لم تخطوه قدميه من قبل، وقدرتها على تعزيز أهم ميول الصغار في التمرد على واقعهم والدخول في مغامرة افتراضية لا يعلمون إن كانوا سوف يستطيعون استكمالها أم لا، وتزداد إثارتهم كلما تخطوا جزءا أكبر في اللعبة يجبرهم على الاستمرار في اللعب دون انقطاع.

تتذكر سوسن العالم، شابة في العشرينات، في صغرها كانت هناك ألعاب للفتيات وأخرى للشباب، وكل لعبة لا تتشابه مع الثانية، ومع دخول عصر الألعاب الإلكترونية تغير ذلك المنظور والتقسيم، وباتت الفتيات يتشاركن مع الشباب في كافة الألعاب، بداية من ألعاب الضرب والقتال وحتى الألعاب العسكرية.

وأشارت لـ”العرب” إلى أن الفتيات يلعبن “بوبجي” مثل الشباب وأكثر منهم، وربما ذلك يفسر تمردهن على التقسيمات، فالجميع يبحث عن الإثارة والشغف.

وقد تكون الفتاة أكثر رغبة في ممارسة تلك الألعاب الإلكترونية بسبب تقاليد المجتمعات العربية التي تغلق الباب أمام السفر والسهر وزيارة أماكن معينة بذريعة أنها لا تناسبها، وفي تلك الحالة تجد ملاذا في اللعب على هاتفها، وتدخل مغامرة جديدة لم تعشها من قبل تملأ احتياجاتها النفسية التي سلبت منها.

ويبدو في الكثير من الحالات عند ممارسة الشباب للألعاب الإلكترونية السهلة، أنها انعكاس لحالة الأسرة أو الفرد، ولا تكتفي بتغيير سلوكيات الشباب، لكنها وصلت لحد تكوين أنماط اجتماعية جديدة، والكثير من الصداقات والعلاقات الاجتماعية المختلفة تتكون من ممارسة تلك الألعاب مع آخرين عبر الإنترنت.

يحكي محمود فريد، شاب مصري، أنه تعرف على ثلاثة أصدقاء من المغرب عبر لعبة “ميديل أوف أنور” القتالية، وسافر إليهم وأمضى فترة الإجازة معهم بعد أن أصبحوا أصدقاء عبر القنوات الافتراضية.

وتتكرر الحالات المشابهة لوضع فريد، والتي نتجت عنها زيجات مثل حالة الزوجين محمد ومنى اللذين تعارفا على لعبة “بوبجي”، وأصرا على تصميم حفل زفافهما على شكل اللعبة وارتداء أزياء قتالية.

وفي دراسة سلوك اللاعب الشاب، تنجح دائما الألعاب التي تقدم العالم الافتراضي بما لا يتشابك مع الواقع في جذب أكبر للشاب بشكل عام، حتى لو كانت تلك الألعاب متناقضة ومختلفة في تكوينها وسرديتها.

ويعزز ذلك المنظور أن أكثر الألعاب التي اهتم بها الشباب العربي جاءت متناقضة، بداية من ألعاب يقوم فيها اللاعب بتربية الماشية واستصلاح الأراضي، ومرورا بأخرى تعيد حروب العصور الوسطى، ونهاية بمعارك حربية حديثة يقفز فيها اللاعب بالمظلة ويستقل دبابات، إلا أنها جميعا جذبت الشاب لاقتنائها دون ملل.

ويرى خبراء أن المصاعب الحياتية وزيادة الضغوط على الشباب، في بيئة العمل غير المستقرة أو عبر ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية مضطربة، تعزز الارتباط بالألعاب الإلكترونية التي وفرت بيئة خالية من المتاعب المجتمعية لكل شاب يستطيع فيها أن يشغل باله وينفصل عن واقعه هربا وبحثا عن الدفء.

شغف يتحول إلى أسلوب حياة
شغف يتحول إلى أسلوب حياة

لكن الأضرار التي نتجت عن انزلاق الشباب خلف عالمهم الافتراضي انعكست بالسلب على تكوين الأسرة وشكوى الأهل من تصرفات الشباب.

وتشرح سمر عبدالمطلب، وهي أم لثلاثة أبناء، مشكلتها معهم، مؤكدة أن انتشار الهواتف الذكية في يد الأطفال والشباب يتسبب في انقطاع الروابط الأسرية تقريبا، قائلة “أولادي الثلاثة لا يجلسون معنا إلا قليلا، وإن تحدثوا تتجه أنظارهم نحو شاشات هواتفهم”.

وأضافت لـ”العرب” “لا تتوقف أزمة الألعاب الإلكترونية عند زيادة انطوائية الأطفال وابتعادهم عن أسرهم فحسب، بل إنها تؤثر أيضا على دراستهم وتلهيهم عن تأدية أي شيء مفيد، مثل القراءة والخروج ولقاء الأصدقاء”.

خلل نفسي

يرى مصطفى جمعة أستاذ علم النفس أن إدمان الألعاب الإلكترونية يؤثر بشكل كبير على سلوك الطالب الشاب ويعزله عن بيئته المدرسية ومجتمعه، ويؤثر بالسلب في طريقة تعامله مع المحيطين به، لتكون المحصلة إصابته بالخلل النفسي.

ويتابع لـ”العرب” أن التقنيات الحديثة سببت أزمات صحية لدى قطاع من الشباب، لأنها خفضت من حركة المراهقين وجعلتهم يبتعدون عن ممارسة الهويات الرياضية ما نتج عنه تزايد في الوزن.

ويوضح أن بعض الألعاب تفكك الروابط العائلية، كما أن لها سلبيات عديدة على لاعبها، مثل العزلة عن المجتمع والتأثير الجسدي وخلق حالة من الوحدة والعدوانية، ووصل الأمر إلى وجود حالات انتحار في أوساط الشباب نتيجة ممارسات تلك الألعاب وما تخلقه من إضطرابات وجدانية.

ويربط البعض بين انتشار تلك الألعاب وتكوين شخصية الشاب في بعض الدول العربية، والتي تميل إلى الاسترخاء وحب الفراغ، وتعزز تلك النظرية قلة نسب القراءة والاطلاع وممارسة الهويات الرياضية والفنية عند الشباب، ويضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات البطالة، وهو ما يجعل اللجوء إلى تلك الألعاب أحد السبل المسلية وغير المفيدة التي يلجأ لها الشباب لإضاعة وقتهم.

ويرى آخرون أن إدمان الشباب على الألعاب الإلكترونية يمنحهم شعورا بالزهو والتفوق، وهي مشاعر واحتياجات يبحث عنها البعض في مقتبل العمر.

تحدي المنع

وتقدم الألعاب شعورا بالنجاح عند تخطي إحدى مراحلها الصعبة أو الفوز في المنافسات التي تنظم على الإنترنت بين لاعبين على مستوى العالم، ويعتبر البعض ممارستها “أونلاين” أمام جنسيات أخرى تمثيلا لبلدهم على المستوى الدولي.

ويختلف الخبراء في طريقة حماية الشباب من خطر إدمان الألعاب الإلكترونية، فيرى البعض ضرورة حجب وحظر الألعاب كأداة قاطعة لتلك الظاهرة المتفشية، لكن دائما ما تأتي نتائج تلك الطرق بشكل عكسي فكل محجوب مرغوب، ولن يغلب الشباب في إيجاد طرق للعبة الممنوعة عبر برامج تغيير الشفرات ومواقع تحديد الأماكن والمناطق الإقليمية.

ويلوح آخرون بضرورة اللجوء لفكرة تفعيل الحوارات الأسرية البنّاءة الغائبة عن بعض البيوت وبين أفراد الأسرة، إضافة إلى تقديم برامج توعوية عبر المدارس والجامعات تشدد على تحجيم استخدام الألعاب الإلكترونية وتحديد أوقات للعب والتأكد من عدم تأثرها على الحياة العامة أو الدراسة لدى الشباب.

ورغم انتشار الألعاب الإلكترونية بين الشباب باعتبارها ظاهرة عالمية، إلا أن تفشيها في العالم العربي يعود إلى الفوارق الثقافية والفكرية بين الدول المتقدمة والبلدان العربية.

ولذلك تقدُم النصائح دائما بضرورة تقليل تلك الفجوة عبر تنفيذ برامج ثقافية شاملة تراهن على أن نضوج العقل العربي للشاب ودفعه نحو الامتياز والإفادة الصحيحة الطريق المثالي للحد من الظاهرة أو على الأقل منع تغلغلها.

19