إدمان القروض ينفخ فقاعة الديون التونسية

ركود الإنتاج يشل مفاصل الاقتصاد والفقراء يدفعون التكاليف الباهظة.
الجمعة 2019/11/15
هامش الخيارات محدود للغاية

تتزايد الشكوك في مقدرة السلطات التونسية على الإيفاء بسداد جبل الديون الخارجية وفوائدها المرتفعة خلال العام المقبل، في ظل غياب استراتيجية مثالية لرفع معدلات النمو الاقتصادي للقطاعات الإنتاجية الحيوية، بعد فشل كافة التجارب السابقة، التي اعتمدتها حكومات ما بعد 2011 بسبب عدم الكفاءة في قيادة دواليب الدولة.

تونس - تثير عمليات الاقتراض المستمرة لتونس القلق في أوساط خبراء الاقتصاد وحتى المواطنين من تفاقم أزمات البلاد أكثر خلال السنوات الخمس المقبلة إذا لم يتم استثمار الأموال على النحو المطلوب.

وفي خضم التجاذبات المستمرة لاقتسام السلطة بين الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، فإن وصول مناقشات نواب البرلمان لموازنة 2020، إلى برّ الأمان يبدو صعبا خاصة في ما يتعلق بحجمها وطريقة سدّ فجوة العجز المالي الكبيرة فيها.

وحتى اليوم، لا يرى التونسيون سوى ضوء خافت في نهاية نفق طويل من الأزمات الاقتصادية، ولا تزال تركة السنوات الثقيلة من الاضطرابات السياسية والأمنية تلقي بظلال قاتمة على الأوضاع الاقتصادية الحالية.

وتصاعدت حدة إدمان تونس على الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية منذ 2016 أملا في البحث عن حلول سريعة لمشكلاتها المزمنة، بغض النظر عن التكاليف الباهظة لجبل الديون، الذي ما فتئ يكبر مع مرور الوقت، لكنها لم تفلح.

ولعل القرض، الذي حصلت عليه من صندوق النقد الدولي والبالغ نحو 2.9 مليار دولار مقابل تنفيذ إصلاحات تسير ببطء شديد، أكبر دليل على ذلك، وقد حصلت تونس حتى الآن على 1.6 مليار دولار من إجمالي القرض.

75.1 بالمئة، دين تونس المتوقع بنهاية 2020 إلى الناتج المحلي، قياسا بنحو 37 بالمئة في 2010

ولكن السلطات أيضا لجأت إلى مؤسسات مالية أخرى مثل البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للإعمار لجمع سيولة تتجاوز 3 مليارات دولار، دون احتساب المساعدات الدولية والهبات بملايين  الدولارات.

واللافت أن الحكومة وجهت الأموال إلى بند الاستهلاك أو سداد أجور موظفي القطاع العام، ولم تستثمرها في مشروعات تنموية تخلق الثروة وتكبح معدلات البطالة، التي لم تتحرك منذ سنوات من نقطة 15.5 بالمئة.

ورغم المخاوف من عبء القروض، التي سترهق كاهل الدولة وترهن مستقبل الأجيال المقبلة، لا ترى السلطات خيارا آخر، ما يؤكد فشلها في إطلاق نموذج تنموي عادل بين الجهات ويحقق السلم الاجتماعي.

وقال وزير المالية محمد رضا شلغوم الشهر الماضي، إن “الدولة ستقوم بسداد ديون العام المقبل بقيمة 12 مليار دينار (4.2 مليار دولار) وستضطر إلى اقتراض قرابة أربعة مليارات دولار إضافية”.

وحاول بعث رسائل طمأنة للأوساط الشعبية بأن جميع مشروعات التنمية تمويلاتها متوفرة، لكن استطرد بالقول إن “النقاشات الآن منحصرة حول تمويل الموازنة مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وألمانيا واليابان”.

وأضاف “نتوقع الحصول على الشرائح المتبقية من خلال البرنامج المتفق عليه مع صندوق النقد، وباقي التمويلات ستكون عبر السوق المالية الدولية”.

وبإلقاء نظرة حول ما تسوقه السلطات، فإن الحلول التقليدية التي اتخذتها تونس لم تختلف عن مثيلتها في دول الجوار، ما بين تقشف وزيادة في الضرائب وتقليص الدعم على سلع أساسية من أهمها الوقود والكهرباء والمياه والغاز وغيرها من  الخدمات.

وضع اقتصادي لم يتغير
وضع اقتصادي لم يتغير

وكان حجم الديون الخارجية بنهاية عام 2010 لا يتجاوز نحو 37 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ولكنه ارتفع تدريجيا في الأعوام التسعة الأخيرة مع تباطؤ النمو بشكل مقلق.

ويتوقع الخبير الاقتصادي وليد بن صالح أن تصل ديون تونس بنهاية العام المقبل إلى حوالي 94 مليار دينار (32.3 مليار دولار)، أي ما يعادل 75.1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

ويفترض أن يصل حجم الديون بنهاية العام الجاري إلى حوالي 30 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم قياسا بالركود، الذي يجتاح معظم القطاعات الاستراتيجية، ما عدا قطاع السياحة الذي يسير عكس التيار.

وأكد بن صالح في تصريح لوسائل إعلام محلية إن نصيب كل فرد تونسي من الديون، المستحقة على الدولة، سيبلغ العام المقبل نحو 2.8 ألف دولار، مقابل 2.6 ألف دولار متوقعة بنهاية 2019.

وفي ضوء ذلك، لا يمكن تجاهل النظرة التشاؤمية إلى الوضع الاقتصادي لتونس، رغم أن البعض يؤكد أن الدولة قادرة على تحمل ديونها رغم الهشاشة الناجمة عن تنامي حجم الدين الخارجي.

ويرى هؤلاء أن تلك الديون وفوائدها الباهظة تمثل مستوى معتدلا من المخاطر، قياسا بدول أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل لبنان والأردن ومصر.

ومع ذلك، هناك شق يعتقد أن الحلول المثلى في أي أزمة اقتصادية لا تكمن في التوجّه إلى الخارج لطلب القروض والمساعدات بل تكمن في تعزيز مناخ الاستثمار الذي يطمئن المستثمرين المحليين والأجانب.

ويقول الخبير الاقتصادي أنيس القاسمي في تصريح لـ”العرب” إنه في سبيل تحقيق تلك الغاية ينبغي الإسراع في القضاء على مظاهر الفساد والبيروقراطية الإدارية، التي توسعت بشكل أكبر منذ العام 2011 رغم التحركات المبذولة من طرف الحكومة، والتركيز على التنمية في القطاعات الاستراتيجية للدولة.

وأكد أنه ينبغي التركيز على التنمية الزراعية واستغلال الاحتياطات الهائلة من الفوسفات، فضلا عن عقد شراكات أوسع بين القطاعين العام والخاص واعتماد خطة محكمة لتطوير باقي القطاعات حتى تعمل في كل الظروف.

10