إدمان من نوع آخر

الأربعاء 2015/11/04

أن يصل الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي إلى هذه الدرجة، فالأمر يحتاج فعلا إلى دراسة ضافية وعلاج شاف، ونحن كوننا كسالى بالفطرة والجينات، فإن ساعات كان يمكن أن تكون مجالا للعمل، باتت فضاء لملاحقة ما تنشره صفحات الفيسبوك، من أخبار وتعاليق ونكات وأكاذيب وإعلانات ورسائل عاطفية وخطب دينية ومناشير جهادية وشعارات ثورية وقصائد شعرية وتصريحات سياسية وبلاغات حزبية ومواقف حركية وتعاز في وفيات، وتهان لأعياد ميلاد وزيجات وخطوبات وطلاقات، ونصائح لطبخ البرياني بالسمك أوالبامية باللحم الضاني أو إعداد طبق الفول بالخلطة الأميركية، طبعا بالإضافة إلى النصائح الطبية لإزالة الكرش مثلا، أو للقضاء على الكوليستيرول بوصفة الطب النبوي، أو للانتصار على العقم بالرقية الشرعية، أو ربما لتجاوز الحرج في الأمور الزوجية بالعسل والزنجبيل وبذور الجرجير، طبعا دون أن يخلو الأمر من صور لرأسمال كيم كارداشيان، وإشاعات وأخبار مفبركة من قبل الإخوان، مع معلومات عن تربية القطط السيامية في أفغانستان، وتقديم نماذج عبقرية في تحقيق المكاسب المالية دون جهود حقيقية، فالمهم أن تقتنع بأن الحياة حلوة بس نفهمها.

والمهم، أن تعترف بأنك بت مدمنا على الفيسبوك إذا لاحظت أنك أصبحت لا تشبع مما يقدمه لك الموقع من تواصل وتعارف وألعاب ورسائل ومتابعة مقاطع الفيديو والاختبارات الشخصية وغيرها، وأنك عند مغادرتك للموقع ينتابك شعور بالرغبة في الرجوع السريع إليه، دون أن تكترث بما أضحيت عليه من إهمال كلي أو جزئي للحياة الاجتماعية والالتزامات العائلية والوظيفية، ومن إهمال الاهتمامات الأخرى والهوايات المحببة التي كانت لك في السابق، ثم أنك بعد التعب الشديد من تصفح الإنترنت والفيسبوك تلجأ إلى النوم العميق لفترة طويلة، وكأنك واقع تحت تأثير مخدّر، ثم رويدا رويدا تبدأ بعض الاضطرابات النفسية في الظهور عليك كالارتعاش وتحريك الإصبع بصورة مستمرة، كما ينتابك القلق والتفكير المفرط في الفيسبوك وما يحدث فيه عندما تكون بعيداً عن الكمبيوتر والإنترنت، وتشعر بالحزن والاكتئاب إذا بقيت بعيدا عنه فترة من الزمن، حتى إنه كلما وسوس لك الشيطان الرجيم بالخروج عن القانون، تحديته تحدي العمالقة، وطردته من عقلك، وفاتحته بحقيقة موقفك، وهي أنك تخشى من دخول السجن وبالتالي من الابتعاد عن الفيسبوك.

ومن مظاهر الإدمان أن تترصد الحالات والمواقف لالتقاط الصور ثم نشرها على حسابك الفيسبوكي، وأن تلاحق الإشاعات من حولك وفوقك وتحتك ثم تعيد صياغتها ونشرها، وأن تقوم بإطلاق عدد من الصفحات بأسماء مستعارة وصور مسروقة لتتحرّر في الاسترخاء على مساحاتها، كما أن من علامات إدمانك أنك تكذّب وكالات الأنباء والتليفزيونات والصحف والمجلات ثم تصدّق صفحات الفيسبوك، لأنها بالنسبة إليك دولة وكيان وحكومة وبرلمان وساحة وميدان وعرش وصولجان.

أما كيف تهزم إدمانك على الفيسبوك؟ فلا أعتقد أنك بحاجة لذلك، لأسباب عدة، منها أنك لن تجد ما تفعله في أوقات فراغك، ولن تجد ما تفعله في أوقات عملك.

24