إدمـان

الأربعاء 2015/04/29

تحاصرنا الأفكار.. وتتربّص بنا الرغبات.. وتغدو النفس الأمارة بالامتلاك هي المحفـّز الأول للفعل أو لارتكاب الخطوة الأولى منه.. أحيانا لا ندري ولا نستطيع أن نتذكر متى وكيف أمرتنا تلك النفس أو أنى للرغبة أن تستحوذ على حواسنا بشكل عابر أو كامل.. المهم أنها توصلنا إلى عتبة البدء.. ثم التعود.. ثم التورط.. وأخيرا: الإدمان.

لا أريد أن أدخلكم في غموض من تراكيب ومصطلحات قد تؤدي بالبال إلى منطقة محرمة.. فأنا لا أتحدث لا عن المخدرات ولا عن الكحول.. رغم أن الخطوات واحدة والتفاصيل متشابهة وقد تنطبق في كثير منها على ما هو أكثر من العنوان الواحد.. لكنني أتحدث عن كل ما يمكن أن يتحول إلى إدمان في عوالمنا الأرضية والحلمية.. حتى لنتحول بين يدي ذلك الهاجس إلى دمى تحرّكنا خيوط خفية بوحي منه.. فنتحرك إن أمرنا ونجمد إن أشار بإصبعه.. وتجنّ حواسـنا وتتحول حياتنا إلى جحيم إن هو غاب.

الإدمان، بكل تفاصيله، قد يبدو مرضا وقد يبدو عارضا.. وقد يكون فينا متأصلا متجذرا دون أن نعي أو يعي من حولنا.. ولا شك أنه يستوطننا جميعا دون أي استثناء.. ولو بدرجات.. ولو بمكابرة من يدرجه ضمن سياق حياته وكأنه اعتياد أو أسلوب حياة أو حتى هواية أو هوس.. لكنه فينا.. مهما تظاهرنا بعدم امتثالنا إليه.

لا تخافوا.. فليس كل إدمان خطر أو سيّء أو سلبي (رغم اعتيادنا على سلبية المعنى للكلمة).. فثمة إدمان إيجابي جدا للحد الذي إذا فكرنا بالإقلاع عنه أو بالعلاج منه صارت حياتنا وحياة من حولنا صحراء قاحلة تكتنفها السلبية والتقهقر والموات.. أما إذا ما فقدناه دون رغبة منا أو تلفتنا حولنا فلم نجده فتلك وحدها قضية أخرى..

وبالتأكيد ثمة من يقوى على الإفلات من قبضة أي إدمان مستشر أو عابر.. وثمة من هو أضعف من أن يقف بمواجهة غياب ذلك الهاجس.. وتتفاوت ردود فعلنا وقوتنا إزاء استلابه أو فكرة الاستسلام إليه أو الخلاص منه.. فجهاز المناعة أو مؤشر الحساسية وميزان القوى العاطفية هي المتحكمة في الجسد والروح معا.. في العقل والقلب.. وأيضا في التقبـّل والرفض وفي التكيف والصدمة.

لكننا جميعا في النهاية مدمنون: مدمنو أكل أو عقاقير أو قراءة أو لعب أو أمكنة أو بشر أو.. أو..الخ. وفينا من أدمن عادة أو تصرفا أو سلوكا أو هواية أو رياضة أو طقوس عبادة.

ولأن كل شيء إلى زوال.. فقد يكون أخطرنا حالا هو الذي يدمن شخصا.. إنسانا بشريا أرضيا مثله.. خطـّاء ضعيفا وزائلا مثله!.. يدمن وجوده والحديث إليه والاتكاء عليه.. يدمن حبه وعطاءه وغضبه وأخطاءه وحسناته.. يدمن رائحته وصوته وحضوره وحتى غياباته.. فكيف إذا اختفى مرة واحدة؟.. أو كيف إذا قرّر المدمن نفسه الإقلاع عنه؟.. هل سيكون بحاجة إلى مصحات أو إبر مقوّية أو جرعات صغيرات منه قبل فراقه؟.. هل سيحتاج إلى مدة من العلاج حتى يثوب إلى رشده ويعود ليمارس حياته كإنسان سوي صحيح النفس والجسد؟.. وكيف بمن أدمن وطنا؟.. هل ثمة من علاج له؟..

صباحكم عافية..

21