إدموند غريب مفكر مهاجر يقرأ الشرق الأوسط ويعرف اتجاه بوصلة واشنطن

الأحد 2016/11/06
الصراع على الموصل صراع على المستقبل

واشنطن - على أطراف مدينة واشنطن وعلى تلة صغيرة بين غابات ميريلاند الخضراء، يقع حي بشسدي الراقي ومنازله المتناثرة هنا وهناك. بينها منزل صغير بسيط التصميم من الخارج. يتسلل ضوء خافت من النوافذ المطلة على شارع الحي الطويل المظلم. عندما فُتح الباب، انبعث دفء من نوع آخر ليكسر برد خريف واشنطن القارس.

بابتسامة عريضة وإشارة باليد حيانا للدخول، وتوارى إلى المكتب الذي هو تحت غرفة الاستقبال بعدة درجات صغيرة. إنه مع وسيلة إعلامية عربية، مباشر من واشنطن يتحدث عن آخر مستجدات الانتخابات الرئاسية وقضايا الشرق الأوسط المتعلقة بالسياسة الأميركية التي كان ومازال من أكبر منتقديها. لغة عربية رصينة تسمعها وكأنك في الرابطة القلمية لأدباء المهجر في نهاية القرن التاسع عشر.

في قاعة الاستقبال، تنتشر التحف والأثاث الشرقي، لوحات وزّعت على الحيطان كلها من التراث العربي والخطوط العربية المختلفة. رجل نحيل في أواخر الستينات من عمره، يضع نظارة على عينيه المرحبتين.

إدموند غريب ابن البقاع اللبناني الأستاذ في الجامعة الأميركية في واشنطن وجامعة جورج واشنطن العريقتين، قصته قصة مهاجر مدافع عن قضايا الشعوب المضطهدة، وباحث في دور صحافة المهجر وناشر للوعي والتواصل بين عالمين. عالم غنيّ بالتراث والتاريخ المجيد والثروات المادية والشبابية، وعالم مادي متقدم له أطماع في أن يبقى القوة العظمى عالمياً.

يمثل لبنان بالنسبة إلى غريب الحنين والانتماء. لكنه يرى أن الانتماء تراكمي. يرى نفسه سورياً وأردنياً وفلسطينياً وعراقياً. هو جزء من تاريخ وتراث المنطقة العربية، وفي نفس الوقت أميركي معجب بالثقافة الأميركية ومساهم ببناء مجتمعها. درّس وخرّج أجيالاً عربية وأميركية كثيرة، منها من لعب دوراً هاماً في الحياة السياسة والاقتصادية المعاصرة.

هاجر والد إدموند غريب، أندراوس عيسى الغريب، إلى أميركا في نهاية القرن التاسع عشر. ولكن كان على الأب أن يعود إلى لبنان بسبب مرض الجد، معتقداً أنه سيعود إلى العالم الجديد بعد ستة أشهر. غير أن القدر شاء أن يمضي أكثر من ثلاثين عاما ويرزق بابنه إدموند في قرية عيتا البقاعية.

غريب نشأ في بيت أدبي مهتم بالثقافة العربية. كان أبوه صديقاً للأديبين الكبيرين ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران. فاعتمده الأخير مترجماً رسيماً لمؤلفاته من العربية إلى الانكليزية. جاء الشاب إلى مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس عاصمة أدباء المهجر ليدرس في الجامعة الأميركية العالمية. ومن ثم عاد إلى لبنان ليكمل الدراسة في الجامعة الأميركية فيها. وليعمل في صحيفة الحياة والديلي ستار. في تلك المرحلة لم يكن الشاب الصغير مهتماً كثيراً بالسياسة ولم يكن يفهم الكثير عنها، كان يركز أكثر على القضايا الاجتماعية و الأدبية.

ناشر للوعي والتواصل بين عالمين

الوعي العربي

عاد غريب إلى أميركا، ولكن هذه المرة إلى العاصمة واشنطن، في مرحلة كانت تعيش فيها الولايات المتحدة أهم صراعاتها على الصعيد الخارجي في حرب فيتنام الضروس. أما على الصعيد الداخلي فقد كانت حركة المجتمع والحقوق المدنية تناضل ضد الاضطهاد والتمييز.

درس الماجستير في جامعة جورج تاون المعروفة في مجالاتها الحقوقية والدراسات السياسية والشرق أوسطية، مركزاً على التاريخ العربي. بدأ مرحلته الطلابية الثانية في أميركا بنشاط إعلامي مميز ومدني حقوقي عاصف. فأسس أول مجلة طلابية سماها “الشعلة” واستطاع مع عدد من رفاقه توسيع هذا المشروع الشبابي ليصل إلى عدد كبير من الجامعات الأميركية الأخرى.

وجد في الصحافة الطلابية الطريق إلى طرح القضايا الحساسة التي لم يتعاط معها الإعلام المهني في بعض الأحيان. انتقد الحرب ضد فيتنام، ونجح بإجراء مقابلة مع السيناتور جين مكارثك، الذي كان معروفا بمواقفه ضد الحرب آنذاك.

وانخرط في صفوف “حركة الحقوق المدنية” مواصلاً كتابة المقالات التي كانت تدافع عن حقوق الإنسان في المجتمع الأميركي وساهم في حملات نشر الوعي وجمع التبرعات من أجلها.

في جامعة جورج تاون، بدأ الوعي الفكري وموهبة البحث وفن الكتابة تصقل في اتجاهات أخرى. تتلمذ غريب على أيدي أساتذة ومؤسسي أقسام دراسات الشرق الأوسط، ولعب هشام شرابي، والذي كان رئيس كرسي دراسات التاريخ والثقافة العربية في جامعة جورج تاون، دوراً هاماً في حياة غريب الأكاديمية والمهنية. حيث كان أستاذه المشرف على رسالة الدكتوراه ومن ثم عمل معه.

في لقائه مع “العرب” يروي غريب قصة أول مقال كتبه عن القضية الفلسطينية. يقول إنه لم يتوقع ردة الفعل الكبيرة على مقال كتبه طالب يناشد بحق الحياة للشعب الفلسطيني. ولم يتوقف غريب عند القضية الفلسطينية بل كتب مقالات انتقد فيها الهجوم الإسرائيلي على مطار بيروت في نهاية ستينات القرن الماضي.

اهتمامه بالقضية الفلسطينية والمطالبة بحقوق هذا الشعب الذي عانى ويعاني بسبب سياسات الدول الكبرى والدول العربية والقيادات الفلسطينية، استولى على جزء كبير من حياته. فعمل مساعداً لرئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية والتي كانت تصدر باللغة الإنكليزية عن مركز الدراسات الفلسطينية، واليوم تصدر من واشنطن. قابل حينها الرئيس الراحل ياسر عرفات عندما كان رئيس تحرير مجلة “الحوار” وهي مجلة للخريجين من جامعة جورج تاون، حصلت على اهتمام كبير من الصحافة الأميركية.

التحدي الذي ستواجهه الحكومة العراقية والادارة الاميركية، حسب غريب، هو الصراع على الموصل والتي تعد منطقة استراتيجية. خاصة بعد أن بدأنا نسمع حديثاً عن ميثاق “ملي” وهو تشريع يعود للعام 1920 وتحدد فيه حدود السلطنة العثمانية.

المعلم العراقي

أستاذ آخر من أساتذة غريب لعب دوراً هاماً في حياته. إنه مجيد خدوري مؤسس مدرسة بول هنري نتز للدراسات الدولية المتقدمة وبرنامج دراسات الشرق الأوسط دولياً. عرف خدوري بأنه صاحب نفوذ واسع وقيادي في العلوم الإسلامية والتاريخ الحديث وسياسة الشرق الأوسط. تتلمذ غريب على يده ليدرس التاريخ والفقه الإسلامي. أصبح خدوري فيما بعد والداً لزوجة غريب، وأثّر في فكر غريب كثيراً، من خلال توجيهه إلى دراسة الحضارة الإسلامية والتركيز على المؤسسات القانونية الإسلامية ودراسة العلامة الإسلامي أبو الحسن الماوردي.

يعتبر غريب صحافة المهجر من أهم ما قام به المهاجرون الجدد في أميركا الشمالية والجنوبية والغرب عموماً. وهو كان قد درس فن الصحافة وتأثيرها على الحياة اليومية والقضايا العربية بخاصة. وبحث في نظرة الإعلامي الأميركي للقضايا العربية وتغطيتها. ألّف كتابه المهم “الرؤية المنقسمة: تصوير العرب في الإعلام الأميركي” الذي صدرت منه العديد من الطبعات، وتم اعتماده في مناهج التدريس في جامعة هارفرد وغيرها من الجامعات المتخصصة بالدراسات الإعلامية للثقافة العربية.

يقول غريب لـ”العرب” إنه مؤمن بصحافة المهجر وإنه يعتبرها من الصحافة التي لعبت دوراً هاماً بربط المهاجر بالمجتمع الجديد الذي عاش فيه وأيضا ربطت بينه وبين الوطن الأم. مضيفاً أنها بدأت باللغة العربية. وأصدر عدداً كبيراً من المؤلفات اللافتة عن دور الإعلام الأميركي وحرب الخليج الأولى وتاريخ منطقة الشرق الأوسط والحرب على العراق والحركة القومية الكردية وساهم في عدد كبير من المؤلفات العربية والإنكليزية. كما قدم عدداً من الشهادات في الكونغرس الأميركي، أشهرها شهادته التي عارضت الحرب على العراق، قبل الإطاحة بنظام صدام حسين.

حرب الموصل

يختص غريب بالشؤون الكردية وتاريخ المنطقة، حيث درس الأكراد وصعود حركتهم القومية في العراق في زمن لم يعرف عن هذه القضية شيء. فقد قابل عدداً كبيراً من الشخصيات العراقية البعثية والكردية، أبرزها وزير الخارجية طارق عزيز ومكرم الطالباني والملا مصطفى البارزاني.

وفي سؤال لـ”العرب” عن الحرب التي سميت “حرب تحرير الموصل”، والأطراف المشاركة فيها، لا سيما الأكراد، قال غريب إنه يتعاطف مع الشعب الكردي، مؤكداً أن للأكراد ثقافة وتاريخا ولهم حق في تقرير مصيرهم. ولكن هذا الحق يصطدم دائما بحق الدول الموجودة في المنطقة، والتي تريد الحفاظ على وحدة أراضيها وسيادتها. ويرى أن تحقيق حلم الدولة الكردية الموحدة في طبيعة جغرافية وجيوسياسية واحدة أمر شبه مستحيل. ولكن بالنظر إلى تجربة مسعود البارزاني، يقول غريب إنه استطاع إقامة حكم ذاتي يقترب إلى مشروع دولة، إلا أن هذا الكيان أسير لبيئة وجغرافيا محددة، رغم كل الصفقات والعلاقات التجارية والاقتصادية التي عقدها الإقليم مع الدول المجاورة والعربية. ورغم أن الأكراد أصبحوا الحليف المفضل للغرب، والذي يعتمد عليه في المنطقة لمحاربة الإرهاب، لكن السؤال هل يمكن القضاء على التنظيم كلياً؟ والسؤال المفتوح الآخر؛ ماذا بعد؟

إدموند غريب.. قصة مهاجر مدافع عن قضايا الشعوب المضطهدة

التحدي الذي ستواجهه الحكومة العراقية والإدارة الأميركية هو الصراع على الموصل والتي تعد منطقة استراتيجية. وبدأنا نرى أنقرة تتحدث عن الميثاق “ملي” وهو تشريع يعود للعام 1920 وتحدد فيه حدود السلطنة العثمانية من الموصل إلى تراسيا في البلقان. فالصراع على الموصل يمثل الصراع على مستقبل العراق كاملاً.

حلبة النزاع القادمة

أما عن الشرق الأوسط وسوريا، فيرى غريب أن كلينتون تبالغ بالوعود بإقامة مناطق آمنة وحظر جوي في الأراضي السورية، في حال فازت بالانتخابات الرئاسية. لأنه من المعروف أن واشنطن لا تريد المواجهة مع روسيا والمناطق الآمنة تحتاج إلى الآلاف من الجنود وهذا ما أكد عليه رئيس الأركان الحالي والسابق، من أنه لا توجد شهية لأميركا بالتدخل العسكري المباشر.

وأضاف غريب إنه لا جدية لدى الدول التي تتحدث عن الحل السياسي، لوقف الحرب ونزيف الدماء. إذ تتوجه أنظار الولايات المتحدة اليوم إلى آسيا وترى في الصين مصدر التهديد وحلبة الصراع الأميركي الحقيقي القادم. لذا بدأ الضغط على روسيا إلى حدّ ما لإضعافها من خلال تورّطها بالصراعات الشرق أوسطية.

وبالنظر اليوم إلى التطورات في الفلبين وتصريحات الرئيس الفلبيني ضد أوباما وإعلانه عن شراء السلاح من روسيا والصين وتعليق المناورات، إضافة إلى ما نراه اليوم من استقبال اليابان له، هو رسالة أميركية هامة بالحفاظ على هذا الحلف والتخوف من دخوله معسكر الصين.

8