إدواردو غاليانو: أيام الحب والحرب ولياليهما

الخميس 2015/04/16
كاتب يساري استثنائي نضاله لأجل الحرية قاده من السجن إلى المنفى وقادته كتبه الفاتنة إلى الخلود في قلوب القراء

لم تكد الساحة الأدبية العالمية تتقبل خبر رحيل الكاتب الألماني الكبير غونتر غراس، حتى مدت روح هذا الأخير يدها لترافقها روح كاتب آخر في نفس اليوم، هو الكاتب الأورغواياني إدواردو غاليانو، الذي توفي إثر معاناة مع مرض سرطان الرئة عن عمر يناهز 74 عاما.

ويعتبر غاليانو رمزا من رموز اليسار في أميركا اللاتينية، كما أنه كاتب منتصر إلى الإنسان، متعدد الاهتمامات الأدبية، كتب القصة والمقالة وعمل في الصحافة، كما برع في الرسم حيث كان يزين بعض كتبه برسومه على غرار كتاب “كتاب العناق”.
في 13 أبريل 2015، رحل إدواردو غاليانو تاركا عروق أميركا اللاتينية مفتوحة على ذاكرة ضد النسيان. بالذاكرة، أو بالأحرى ضدّ فقدانها، كتب غاليانو أساطيره اليومية.

كان يقول إنّ ذاكرته تعرف عنه أكثر ممّا يعرف هو عن نفسه؛ إنها ذاكرة بلا فراديس، تقيم في الأرض، وتعيش كل يوم وكأنه يومها الأول.

كتابات غاليانو عصية على التصنيف، فهي ليست كتابة تاريخية بنزعة أدبية، ولا كتابة أدبية بمسحة تاريخيّة، بل إنها تجنح، في نثرها المتوثب، ودوائر حركيتها المتعاقبة، عموديا، طورا، وأفقيا أطوارا أخرى، إلى أن تكون قصائد مدوّرة، أو كتابة محوٍ في شعرية الأسطوريّ وعليها. إنها كتابة الدفقة الواحدة، دفقة الأنفاس التي لا تتقطّع حين يتقطّع السرد وتتسع حدود دوائره.

ولد الكاتب الأورغواياني إدواردو غاليانو في الثالث من ديسمبر 1940 بمونتفيديو في الأورغواي. بدأ حياته صحافيا في بداية ستينات القرن العشرين، ثم عمل محرّرا لمجلة “مارشا” اليسارية الأسبوعية، ذات التأثير الواسع، والتي كانت تضمّ بين كتابها أسماء لامعة كماريو بارغاس يوسا وماريو بينيديتي وألفارو كاستيلو وإنخيل راما وروبرتو فرنانديز ريماتار.

وفي عام 1971، نشر غاليانو عمله الأشهر، “العروق المفتوحة لأميركا اللاتينية”، وهو دراسة معمقة، يحلل فيها تاريخ أميركا اللاتينية، برمّته، منذ زمن المستعمرة الأوروبيّة في العالم الجديد إلى أميركا اللاتينية المعاصرة، واصفا تأثيرات الاستغلال الاقتصادي لأوروبا، وللولايات المتحدة في فترة لاحقة، وهيمنتها السياسية. استغرق غاليانو أربع سنوات من البحث والتقصي لجمع المعلومات التي يحتاجها، ثم نحو تسعين ليلة لتأليف الكتاب.

وبعد نحو سنتين من نشر الكتاب، يستولي العسكر على مقاليد الحكم في البلاد، يسجن غاليانو لفترة، ثم يجبر بعد ذلك على العيش في المنفى. يستقر في الأرجنتين، ويؤسس المجلة الثقافية (crisis). ثم وفي عام 1976 يستولى العسكر على مقاليد الحكم في الأرجنتين، في انقلاب دمويّ، فيكون اسم غاليانو ضمن لائحة المحكومين بالإعدام. يهرب إلى أسبانيا، حيث يكتب ثلاثيته الشهيرة “ذاكرة النار” (1982-1986)، والتي وصفت بأنها “أكثر الإدانات الأدبية قوّة للكولونياليّة في الأميركيّتين”.

غاليانو استغرق أربع سنوات من البحث والتقصي لجمع المعلومات، ثم نحو تسعين ليلة لتأليف كتاب "العروق المفتوحة لأميركا اللاتينية"

وفي بدايات 1985، يعود غاليانو إلى مسقط رأسه. وفي 13 أبريل من هذا العام، يموت بسرطان الرئة في أحد مستشفيات مونتفيديو، عن 74 عاما.

هذه مختارات من الكتب التالية: “أطفال الأيام: تقويم للتاريخ الإنساني” و”أيام الحبّ والحرب ولياليهما” و”مرايا”.

عن الشجاعة

ذات ليلة، منذ زمن طويل، في مقهى صغير بميناء مونتفيديو، كنت أحتسي الخمر طيلة الليل مع صديقة مومس، فأخبرتني “أتعرف؟ حين أكون في السرير مع أحد الرجال، فإنني لا أنظر في عينيه أبدا. أعمل بعينين مغمضتين، لأنني إن نظرت في عينيه فسوف يصيبني العمى، هل تعرف ذلك؟”.

الرياح والسّنون

أخرج الهولنديّ رأسه من بين السفن الميّتة. من تحت قبّعته، والتي كانت زرقاء ذات مرّة، كانت جدائل بيضاء تماما. لم يُحيِّني، ولكنه نظر إليّ دون أن يرمش بعينيه الشفّافتين الهائلتين المغروزتين في وجهه الطويل. جلست في الجوار، في بقايا هيكل سفينة، وهو يقطع الصواري والعوارض بمنشار، وكمّاشة، وأناة.

كانت للهولنديّ معركة دائرة مع النوارس. قال إنها قد سرقت الطعام منه. كان صعبا عليه أن يصدق بأنني كنت هناك من أجل المتعة فحسب. كان الميناء على بُعد نحو عشرة أحياء أو اثني عشر من البيت، وكان من الجيّد أن أمشي هناك، في ظهيرات مشمسة، فأجد البحر. كان الهولنديّ يسمح لي أن أساعده أحيانا. كنت أقفز من قارب إلى قارب، منقذا مراسيَ غطاها الصدأ، وأذرع دفّات، وحبالا لها رائحة القطران.

كان يعمل في صمت. وفي الظهيرات، حين يكون مزاجه رائقا، كان يقصّ حكايات عن حطام السفائن والتمرّدات وصيد الحيتان في البحار الجنوبية.

حكايات رمزية ومفارقات وأحلام وسيرة ذاتية

من النار إلى النار

في هذا اليوم من 1492 سقطت غرناطة، ومعها سقطت أسبانيا المسلمة. نصر محاكم التفتيش المقدسة: كانت غرناطة آخر مملكة أسبانية عاشت فيها المساجد والكنائس والكنُس جنبا إلى جنب في سلام. وفي السنة ذاتها، بدأ فتح أميركا، حين كانت لا تزال سرّا بلا اسم. وفي السنوات التي تلتها، في المشاعل البعيدة، التهمت ألسنة النيران ذاتها كتب المسلمين واليهود وسكان أميركا الأصليين. كانت النار القدَرَ الأوحدَ للكلمات التي ولدت في الجحيم.

فردة الحذاء

في 1919، ببرلين، قتلت الثائرة روزا لوكمسبورغ. انهال عليها قاتلوها بأعقاب البواريد ثم طوّحوها في مياه إحدى القنوات.

وفي الطريق، فقدت فردة حذائها. التقطتها يد ما، تلك الفردة التي سقطت في الوحل. تاقت روزا إلى عالم لا يمكن التضحية فيه بالعدالة باسم الحرية، ولا التضحية بالحرية باسم العدالة. وفي كل يوم، تلتقط يد ما تلك الراية. ساقطة في الوحل، كفردة الحذاء تلك.

النظام

كنت في الرابعة عشرة أو في الخامسة عشرة حين عملت ساعيا في أحد البنوك. قضيت الأصيل وأنا أصعد السلالم مسرعا، ثم أهبط بجبال من الملفات بين ذراعيّ. وقفت في زاوية ما، كجندي صغير، رهن إشارة الأجراس والأضواء والأصوات.

أحلام (1)

يبدّل جسدانا موضعهما آنَ ننام، يتقلّبان في هذه الجهة أو تلك. رأسك على صدري، وفخذي على بطنك، وحين يستدير جسدانا، يستدير السرير والغرفة والعالم يستدير. “كلّا، كلّا”، تفسّرين، ظانّة بأنك مستيقظة. “لم نعُد هنا بعدُ. لقد رحلنا إلى بلدة أخرى ونحن نائمان”.

إدواردو غاليانو رحل في 13 أبريل 2015 تاركا عروق أميركا اللاتينية مفتوحة على ذاكرة ضد النسيان

وميض تلكّأ بين الحاجبين

حدث في ذلك الأصيل، على رصيف المحطة، وأنا أنتظر القطار إلى برشلونة.

أجّج الضوء الأرض بين القضبان. ثم، فجأة، صار للأرض لون ساطع، كما لو أنّ الدم قد نفَر إلى رأسها، ثمّ جاش تحت السكّة الزرقاء. لم أكن سعيدا، لكنّ الأرض كانت آنَ دامت تلك اللحظة المديدة، وكنت أنا الذي أدرك ذلك، وكانت له ذاكرة استرجاعها.

حرب الشوارع، حرب الروح

لا يستطيع أحد نصفيّ العيش بدون الآخر. هل لك أن تعشق الهواء الطلق بدون أن تكره السجون؟ أن تحيا بلا موت، وأن تولد بلا قتل؟ في داخل صدري -حلبة الثيران- تتصارع الحريّة والخوف.

كويتو، مارس 1976: ليلة أخيرة

يرنّ الهاتف. أزف الرحيل. لم ننم أكثر من بضع دقائق، لكننّا مستيقظيْن، ونشعر بالحيوية. لقد طارحنا بعضنا الغرام وأكلنا وشربنا، كانت الملاءة المفرشَ وأرجلنا الطاولة، ثم طارحنا بعضنا الغرام ثانية.

أخبرتني أشياء حزينة عن تشيلي. يشقّ عليّ، أخبرتني، أن يموت الرفاق بعد أن رأتهم مفعمين بالحياة. لقد فرّت بجلدها، بصعوبة، والآن تسأل نفسها ما الذي تستطيع فعله بفيض الكثير من الحرية والبقاء على قيد الحياة. وصلنا إلى المطار متأخرين. كانت الطائرة قد تأخرت عن موعدها. فتناولنا طعام الإفطار ثلاث مرات. لقد عرفنا بعضنا لنصف يوم. أمشي، بدون أن أنظر خلفي، صوب الطائرة. كان المدرج محاطا ببراكين زرقاء. تجفلني كهرباء جسدي وجوعي يجفلني.

كرة القدم رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب

خلقت من طين، ولكن من زمن أيضا

مذ كنت صبيّا صغيرا وأنا أعرف أنّ الذكريات لا توجد في الفردوس. لم يكن لآدم ماض ولا لحوّاء. هل تستطيع عيش كل يوم كأنّه الأول؟

أحلام (2)

سأقصّ عليك قَصص آن كنت صغيرا ولسوف تراها تحدث في النافذة. لقد رأيتني طفلا يطوف بالحقول ورأيت الخيول والضياء وكل شيء يتحرك، بهدوء، على مهله.

ثم تلتقط حصاة خضراء لامعة من النافذة وتعصرها في قبضتك. منذ تلك اللحظة فصاعدا، كنتَ أنت الذي يلعب ويركض في نافذة ذاكرتي، وأنت الذي سوف يعدو في حقول طفولتي وحقول أحلامك، وريحي على وجهك.

الكون منظورا من ثقب مفتاح (1)

ذات صباح ماطر في بيت صديقي خورخي، كنا نلعب “اللّودو” -وهي لعبة نرد- أو الدّاما، ثم، ولا أعرف كيف، كنتُ في غرفة نوم أخته الكبرى، وأنا أرفع حفنة من ثيابها التي اكتشفتها على السرير بين الملاءات التي لخبطتها، والتي مازالت دافئة من نومها. شعرتُ بتحديقة الله المشدوهة فوقي.

النظام

المُعذِّب شَغّيل. الديكتاتور شَغّيل. البيروقراطيون المسلّحون الذين يفقدون وظائفهم إن لم يقوموا بأدوارهم على أكمل وجه. ذاك، ولا شيء أكثر. إنهم ليسوا وحوشا خارقين للعادة. لن نمنحهم تلك المهابة والعظمة.

الكون منظورا من ثقب مفتاح (2)

سرقتَ زنبقة من مزهرية. تنشّقت عبيرها عميقا. قطعت الباحة وحرّ الصيف بخطوات صغيرة بطيئة، والزهرة الطويلة مرفوعة في قبضتك. كانت بلاطات الفناء الباردة بهجة لقدميك العاريتين. وصلتَ إلى الحنفيّة. ولكي تفتحها، صعدت على دكّة ما. سقط الماء على الزهرة وعلى يديك، فشعرت بأنّ الماء كان يتقاطر على جسدك، كلّه، فأغمضت عينيك، دائخا بمسرّة عصيّة على الوصف، ثمّ مرّ قرن.

“لقد سقطت أفكاري، يا أمّي”، فسّرتَ لاحقا، وأنت تشير إلى البالوعة التي على الأرض، “لقد سقطت، ثم ذهبت في هناك”.

غاليانو كاتب منتصر إلى الإنسان متعدد الاهتمامات الأدبية كتب القصة والمقالة وعمل في الصحافة كما برع في الرسم

حرب الشوارع، حرب الروح

هل سنكون قادرين على تعلّم المسكنة والصبر؟ أنا العالَم، ولكنني صغير جدا. زمن الإنسان ليس زمن التاريخ، ولكننا، على الرغم من ذلك، نرغب في أن يكون كذلك، باعتراف الجميع.

يتوجب عليك أن تعرف كيف تختار

كم مرّة خلطنا بين الشجاعة وأمنية الموت؟ الهستيريا ليست تاريخا، ولا ثائرا يحبّ الموت. الموت -والتي أحكمت قبضتها عليّ بضع مرات ثم أطلقتني- تواصل مناداتي، فأخبرها أن تذهب إلى الجحيم.

حرب الشوارع، حرب الروح

هل للكتابة أيّ معنى؟ يستلقي السؤال ثقيلا في يدي. إدارات جمارك الكلمات، محارق الكلمات، مقابر للكلمات قد صُفّت. ولسوف نستسلم لنعيش حياة ليست لنا، إنهم يرغموننا على الاعتراف بذاكرة غريبة بوصفها ذاكرتنا. واقع مقنّع، وتاريخ كما رواه الرابحون: لعلّ الكتابة ليس أكثر من محاولة، في زمن الخزي والعار، لإنقاذ الأصوات التي سوف تشهد على حقيقة أننا كنّا هنا وكيف كنّا. طريقة لحفظ “اسم لكل شيء”، كما أراد إسبريو، لأولئك الذين لم يعرفوا بعدُ. كيف يمكن لأولئك الذين لا يعرفون من أين جاؤوا أن يجدوا الجهة التي يذهبون إليها؟

15