إدوارد سعيد خارج كل مكان

الأربعاء 2016/09/28

بعد ثلاثة عشر عاما على وفاته، لا يزال إدوارد سعيد كاتبا غير مرغوب فيه في مناطق السلطة الفلسطينية، في الوقت الذي تصدر في الولايات المتحدة بين الفينة والأخرى مؤلفات ذات بعد تكريمي، حول هذا الناقد الاستثنائي، الذي نقل معايير النقد الأدبي في العالم خطوات واسعة إلى الأمام.

لم تزل انتقادات إدوارد سعيد لاتفاق أوسلو هي السبب المباشر لطرده من “جنة” السلطة الفلسطينية، على الرغم من أن ذلك الاتفاق انتهى، وثبت للقاصي والداني في فلسطين قبل غيرها، أنه كان مجحفا بحق القضية، استغله الصهاينة لقضم المزيد من الأراضي والحقوق، ولكن هل هذا مبرر لتجاهل قامة أدبية وفكرية بحجم إدوارد سعيد في موطنه، وهو الذي أنفق عمره مهموما، مشغولا بقضية شعبه؟ تتعامل المؤسسات الثقافية الفلسطينية مع هذا الملف كما تتعامل نظيراتها في أي بلد عربي آخر، من موقع الولاء للمؤسسة، لا الولاء للوطن وقضيته، ولذلك يرى الكثيرون في موقف المؤسسة الثقافية الفلسطينية من إدوارد سعيد، تعبيرا عميقا عن أزمة العمل الثقافي الفلسطيني، والتي تختزل بطريقة مبتذلة في علاقة السياسي، المموِّل، بالثقافي، متلقي التمويل.

لقد فات القائمين على المؤسسات الثقافية التابعة للسلطة الفلسطينية؛ أن البعدين الأخلاقي والإنساني للقضية الفلسطينية يتجاوزان البعد السياسي لها، ويتفوقان عليه، ولذلك فإن أي شخصية إبداعية فلسطينية ملتزمة بالقضية، هي بالضرورة أهم، وبما لا يقاس، من أي شخصية سياسية، مهما علا شأنها، أو كبر منصبها، بل إن منطق الأمور يقتضي أن تبقى الرموز الثقافية حاضرة في المؤسسة السياسية الفلسطينية، وفي الإعلام الوطني والعربي والعالمي، لما لذلك من بعد معنوي عميق لا ينبغي تجاهله، أو التوهم بأنه نافل، لا لزم له.

قد لا يعلم “المعتِّمون” على إدوارد سعيد في السلطة الفلسطينية أن تعتيمهم لا يضير الرجل بشيء، وأن حركة المقاطعة العالمية لإسرائيل، والتي تنشط حالياً في الدول الغربية، لها بعد إنساني ثقافي عميق، وأن دور الثقافة على صعيد القضية الفلسطينية أهم بكثير من دور أي سياسي فلسطيني أو عسكري مهما علا شأنه، فالمقاطعة الثقافية والاكاديمية وليس غيرها هي التي رفعت درجة الخطر في إسرائيل إلى الضوء الأحمر، وهي التي تعد الآن التهديد الحقيقي والأبرز لمستقبل دولة الاحتلال بوصفها نظام فصل عنصري لا ينتمي إلى القيم الإنسانية المعاصرة.

إعادة الاعتبار لإدوارد سعيد في وطنه، هي نقطة البداية لتصحيح الخلل القائم في بنية السلطة الفلسطينية، التي يسعى البعض من الموظفين فيها، وبسبب ضيق أفقهم، لتجريد القضية الفلسطينية من بعدها الإنساني العميق، وخير دليل على هذه الكارثة انفضاض المثقفين الفلسطينيين عن المؤسسة التي يفترض أن تشكل مظلة لهم، ويشكلون هم عمقا لها.

كاتب من سوريا

14