إدوارد سعيد في صورة المثقف من نقد الاستشراق إلى ازدراء الاستبداد

الأحد 2014/02/09
سعيد أخذته رحلته من القدس إلى القاهرة إلى أميركا

برلين - كتب الراحل محمود درويش عن إدوارد سعيد رافعا نشيده عن ابن القدس وابن ثقافة العالم الذي يرحل موصيا صديقه بالمستحيل:

” في بلادك.. في اسمي وفي اسمك

في زهرة اللوز، في قشرة الموز

في لبن الطفل، في الضوء والظلّ

في حبّة القمح، في علبة الملح

قنّاصة بارعون يصيبون أهدافهم بامتياز

دما.. ودما.. ودما”.

وكان إدوارد سعيد قد اتخذ مواقف عميقة من العالم، ومن نظم تفكيره، بدءا من الهيمنة الثقافية التاريخية، ووصولا إلى الاستبداد في العالم العربي، ولم يتسامح معها وانتقدها بكل وسيلة، وكان يناقش الشؤون الثقافية والسياسية والفنية والأدبية جميعها دون أن يترك حدا فاصلا بين تلك المجالات، مقدما صورة المثقف الشامل التي تحدث عنها قبل وفاته مسهبا، ناقدا محللا ومركّبا للأفكار.


ابن القدس والعالم


ولد إدوارد سعيد في القدس في العام 1935، وكان والده يحمل الجنسية الأميركية وهو من المسيحيين الأرثوذكس وكان رجل أعمال، وقد انتقل مع أسرته إلى القاهرة ، حيث عاش إدوارد حتى بداية مراهقته ما بين القاهرة والقدس وكان قد التحق بالمدرسة الإنجليكية ومدرسة المطران في القدس سنة 1947.

التحق سعيد بكلية فكتوريا في الإسكندرية، وبسبب عدم انضباطه تم فصله من الكلية في العام 1951، فقام والده بإرساله إلى مدرسة داخلية في الولايات المتحدة في ماساتشوستس، حيث تابع دراسة الفن وحاز على إجازة بها من جامعة برنستون العام 1957 ودرجة الماجستير بعد ثلاث سنوات، ثم حصل على شهادة الدكتوراه باللغة الإنكليزية والأدب المقارن في العام 1964 من جامعة هارفرد، ثم بدأ التدريس في جامعة كولومبيا في العام 1963، وعمل أستاذا زائرا للأدب المقارن في جامعة هارفرد بدءا من العام 1974.

زار إدوارد سعيد جنوب لبنان ورمى حجرا عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية باتجاه إسرائيل، فثارت ثائرة الدوائر الإسرائيلية في العالم، وتم نعته بأنه “متعاطف مع الإرهاب” فشهدت ضده جريدة السفير اللبنانية المتعاطفة مع حزب الله


إدوارد سعيد العالمي والاستشراق


يعتبر كثير من المثقفين في العالم أن شخصية إدوارد سعيد، اتخذت طابعا عالميا، وأن تأثيرها الواسع، امتدّ ليشمل كافة نواحي الآداب والفنون والتاريخ والعلوم وطرائق التفكير، فقد ترك تأثيره الكبير على النقد الحضاري والأدب ونال شهرة واسعة خصوصا في كتابه الاستشراق الذي صدر في العام 1978، ونقله إلى العربية بصعوبة هائلة قاموسية كمال أبو ديب، و قدم في كتابه الكثير من الأفكار الجديدة عن دراسات الاستشراق الغربية المتخصصة في دراسة ثقافة الشرقيين، وقد ربط إدوارد سعيد دراسات الاستشراق بالمجتمعات الإمبريالية واعتبره منتجا لتلك المجتمعات، مما جعل من أعمال الاستشراق أعمالا سياسية في لبّها وخاضعة للسلطة.

ونشرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتابا للباحث والمترجم السوري صبحي حديدي بعنوان ” تعقيبات على الاستشراق” حدد فيها إدوارد سعيد “الاستشراق” باعتباره ذلك التبادل الحيوي بين مؤلفين أفراد وبين المؤسسات السياسية الواسعة التي شكلتها الإمبراطوريات الكبرى الثلاث، البريطانية والفرنسية والأميركية، التي أنتجت الكتابة الاستشراقية ضمن حدودها الفكرية والتخيّلية، أراد سعيد أن يثبت في أعماله وبالأخص “الاستشراق” و”تغطية الإسلام” أن الإسلام قد تم نقله والإخبار عنه بصورة سيئة جدا في الغرب بفضل المستشرقين، الذين لبوا رغبات السلطات التي أرسلتهم واستثمرت أعمالهم.

قبل ذلك كان إدوارد سعيد قد أصدر كتابه الأول “جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية “، بعد ذلك أصدر “بدايات: القصد والمنهج ” عام 1974 في النقد الأدبي، و “العالم والنص والناقد”سنة 1983، كما اشتغل بالموسيقى وعرف بعزفه على البيانو ومحاضراته في هذا الاختصاص، وكتابه “متتاليات موسيقية” في العام 1991.


فلسطين السياسة والثقافة


اشتغل إدوارد سعيد كمواطن فلسطيني سياسي ومثقف في الوقت ذاته، وأصدر كتابه “القضية الفلسطينية” في العام 1978 ساردا تاريخ الحركة الصهيونية وفكرها ضمن رؤيته للثقافة الاستعمارية الأوروبية وتشجيع اليهود على الهجرة إلى أرض فلسطين، وتحدث في الكتاب عن تاريخ الشعب الفلسطيني وتفاصيل حياته، ويؤكد سعيد أن فلسطين لم تكن أرضا خالية لا شعب فيها كما ادعت الصهيونية، بل كانت مجتمعا مدنيا ذا كيان سياسي يناهز عدد أفراده 600 ألف نسمة، وكان زعماء الصهيونية قد أشاعوا في العالم ما يخالف ذلك، و كان منهم ثيودور هرتزل و مناحيم بيغين وحاييم وايزمان وآخرون.

هاجم إدوارد سعيد العقل الغربي واعتبره ما يزال يتعامل مع الشرق والعرب والمسلمين على أنهم مجرد منتجين وأدوات للاستثمار

وانطلاقا من موقفه هذا، فقد شارك سعيد في نضال الفلسطينيين من أجل استقلالهم وحقهم في الوجود، وأصبح عضوا مستقلا في المجلس الوطني الفلسطيني من العام 1977 ، وصوّت في العام 1988 في الجزائر لصالح إقامة دولة فلسطين في مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني، ثم استقال في العام 1991 من المجلس احتجاجا على توقيع اتفاقية أوسلو.

وتم منع كتب إدوارد سعيد في بلاده فلسطين، تحت إدارة السلطة الفلسطينية في أواسط التسعينات، فأصدر كتابه “نهاية عملية السلام” في العام 2000 وقبله أصدر كتابيه عن اتفاقية أوسلو “غزة أريحا: سلام أمريكي” 1995 و” أوسلو سلام بلا أرض” 1995.


الحجر الذي أثار العالم ضد سعيد


زار إدوارد سعيد لبنان، وذهب إلى الجنوب برفقة عائلته، وتم تصويره في صيف العام 2000 وهو يرمي حجرا عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية باتجاه إسرائيل، فثارت ثائرة الدوائر الإسرائيلية في العالم، وتم نعته بأنه “متعاطف مع الإرهاب”. قال سعيد عن تلك الحادثة: “لم يكن هناك أحد، وأقرب مخفر كان على بعد نصف ميل.. كانت بالنسبة إليّ رمزية الفرح لانتهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان”، ولكن جريدة السفير اللبنانية قالت إنه ألقى الحجر على مسافة تسعة أمتار عن الجنود الإسرائيليين، وقام رئيس جامعة كولومبيا بإصدار بيان من خمس صفحات دفاعا عن المفكر العربي معتبرا بأن ما قام به هو نوع من أنواع حرية التعبير.

وعلق سعيد على ذلك في “الثقافة المقاومة” الصادر سنة 2003 بتشبيه وضعه نعوم تشومسكي بوصفه عالما لغويا كبيرا ويلقى التكريم لذلك ولكنه في نفس الوقت مذموم ويلقي التهم بمعاداة السامية وبعبادة هتلر ويتابع في شرحه الأمر ويقول: “من غير المقبول لأي شخص انكار معاداة السامية والتجربة الرهيبة للهولوكوست، نحن لا نريد طمس أو عدم توثيق المعاناة البشرية لأي أحد، لكن في نفس الوقت هناك فرق كبير بين الاعتراف بالمعاناة اليهودية واستخدامها لتغطية معاناة شعب آخر”، المثير في حياة سعيد أن عالم الأنثروبولوجيا ديفيد برايس حصل في العام 2006 على 146 صفحة من أصل ملف مكون من 238 صفحة تابع للإف بي آي تكشف بأن إدوارد سعيد كان تحت المراقبة منذ بداية العام 1971 ولم يستطع الحصول على معلومات حول العشرين السنة الأخيرة من حياته.


إدوارد سعيد والإسلام


تناول إدوارد سعيد الإسلام كموروث شرقي يخصّه هو، وكان كتابه “تغطية الإسلام” الذي صدر في العام 1981 بحثا عن النظرة الحديثة الغربية للعالم الشرقي. لذلك يرصد ردود فعل العالم الغربي وخصوصا الأميركي تجاه العالم الإسلامي، يقول عن كتابه :” وأما في تغطية الإسلام فإن موضوعي معاصر بصورة مباشرة وهي المواقف الغربية والمواقف الأميركية خصوصا إزاء العالم الإسلامي الذي بدأ الغربيون يرون منذ مطلع السبعينات أن له صلة وثيقة بهم ومع ذلك فهو يموج بالقلاقل المعادية لهم ويمثل مشكلة لهم، وكان من بين أسباب هذه الرؤية إحساسهم الحاد بنقص إمدادات الطاقة، وهو الإحساس الذي تركز على النفط العربي ونفط الخليج العربي“، ومن خلال كتابه “تغطية الإسلام”، تابع إدوارد سعيد رؤيته في كتاب الاستشراق حيث قسّم العالم إلى قسمين شرقي وغربي، ونظر إلى الشرق على أنه الإسلام وقد حاولت وسائل الإعلام الحديثة، التي حلت محل المستشرقين التقليديين، إيصال صورة مختزلة ومشوهة عنه”.

حصل الأنثروبولوجي ديفيد برايس في العام 2006 على 146 صفحة من أصل ملف مكون من 238 صفحة تابع للإف بي آي تكشف بأن إدوارد سعيد كان تحت المراقبة الأميركية منذ بداية العام1971 ولم يستطع الحصول على معلومات حول العشرين السنة الأخيرة من حياته


موت المثقف.. حياة المثقف


في صباح عيد الميلاد من العام 2003، توفي إدوارد سعيد في نيويورك، بعد أن أصيب بسرطان الدم في العقد الأخير من حياته، ولكنه ترك صورة للمثقف العربي العالمي رسّخت بصمتها في الأوساط والمكتبات والحياة العامة.

وتم تكريم إدوارد سعيد في المؤتمرات والندوات الأكاديمية، التي تقيمها المؤسسات التعليمية والثقافية بهدف استكشاف أعماله الأدبية والفكرية، وأثناء الثورات في بلدان الربيع العربي، حوَّل الثوار مفاهيم إدوارد سعيد إلى شعارات لهم، وتحولت كلماته إلى كتابات على جدران بنايات تونس وشوارعها خلال ثورة الياسمين. ولم يسقط الناشطون النظام فحسب بل وأسقطوا أيضا الأطروحة القائلة بأن أفكار إدوارد سعيد مقتصرة على “الأوضاع القائمة” أثناء حياته وأن أفكاره عبارة عن مفاهيم جامدة وتأويلات مؤسساتية، وكان خلال جهده الساعي لتجاوز الانقسامات البينية قد بحث في مفاهيم مثل “المعرفة” و”السلطة” و”التمثيل”.


الوعي الاجتماعي والقومية الزائفة


جادل إدوارد سعيد من خلال نقاشه لطروحات الفيلسوف الاجتماعي فرانز فانون، جدالا فعالا لصالح الوعي الاجتماعي بدلا من الوعي القومي، الذي يرى سعيد أنه تأكيد على العودة إلى انفصال الهوية الاستعمارية عن الهوية الوطنية، ولذلك فقد كان اهتمام إدوارد سعيد بالإنسان، ثقافته وأناه وحواره مع الآخر، هو مبحث اجتماعي مباشر، يهدف إلى إعادة تركيب العلاقات في الحياة على روابط اجتماعية حضارية، بدلا عن روابط الهوية العرقية المستعارة من الماضي.

أنهى محمود درويش قصيدته “طباق” عن موت إدوارد سعيد على طريقته :” إن متُّ قبلك أوصيكَ بالمستحيل.. عندما زُرْتُهُ في سَدُومَ الجديدةِ… في عام ألفين واثنين، كان يُقاوم… حربَ سدومَ على أهل بابلَ… والسرطانَ معا”.

9