إدوارد سعيد والمثقف الخائف من قول الحقيقة

الأحد 2014/10/12
جدلية السلطة والمثقّف استوقفت إدوارد سعيد

“أرى أنّ على المثقف -خصوصاً في هذه الفترة- أن يتكلّم ويقول الحقيقة التي يراها بطريقة بسيطة جدّاً وواضحة، ومن دون أدنى تفكير بالعواقب”.

هذا المقطع من حوار شهير كان أجراه الشاعر نوري الجرّاح مع المفكّر الراحل إدوارد سعيد في لندن سنة 1996، وكانت “العرب” قد أعادت نشره بمناسبة مرور إحدى عشرة سنة على رحيل صاحب كتاب “الاستشراق”.

تطرّق سعيد إلى عدّة محاور مهمّة في حواره، سأكتفي بالإشارة إلى حديثه عن المثقّف والسياسيّ، وهو حديث يشتمل على استشراف مستقبليّ وموقف مسؤول.

“هذه الفترة” التي كان إدوارد سعيد يتكلّم عنها لا تتوقّف في زمن الحوار، بل تمتاز بصفة امتداديّة، تستوجب الديمومة والاستمراريّة، تشمل الراهن والمستقبل بالنسبة إلى المثقّفين، وبخاصّة في الواقع العربيّ المعاصر. إذ أنّه بوعيه وممارسته أوجب على المثقّف التكلّم وقول الحقيقة التي يراها، بعيداً عن التعامي عنها، وبمعزل عن مراعاة السلطات الحاكمة، والأنظمة المستبدّة، وإيجابه لذلك يكون مرافقاً مع تنويه لافت هو إشارته إلى عدم الالتفات للعواقب المحتملة. بمعنى “إمّا أن تكون مثقّفاً أو لا تكون”. “إمّا أن تكون صاحب رسالة أو تابعاً مقهوراً تفقد ذاتك”.

أدرك سعيد التحدّيات الكثيرة التي يواجهها المثقّف في العالم العربيّ، ولا سيما في ظلّ الأنظمة القمعيّة والحوزات الدينيّة والاجتماعيّة، لكنّه وضع نُشدان الحقيقة وقولها والسعي وراءها في الصدارة، وقدّمها على أيّ اعتبار آخر، وذلك كي لا يتجلّى المثقّف في أعين الناس الذين ينتمي إليهم خائناً رسالته التي هي واقع تكليف ذاتيّ والتزام أخلاقيّ لا تشريف وحظوة وممالأة وتزييف، وتفرض جانب احتمال المشقّات لا الاكتفاء باقتناص الامتيازات فقط.

سعيد تحدّث عن "خيانة المثقّفين"

استوقفت جدلية السلطة والمثقّف إدوارد سعيد، فقد انتقد تماهي بعض المثقّفين مع السلطة السياسيّة وسعيه للعب أدوار سياسيّة، والتزلّف للسطات والدخول في مستنقعها، حيث يفقد حرّيّته وموقعه الفكريّ والنقديّ، وينساق في عالم ازدواجية المعايير بين الثقافة والسياسة، لدرجة وصلت إلى ما وصفه بـ”تلوّث خطاب المثقّف”، وتواطؤ المثقّف نفسه على مَن يفترض به الدفاع عنهم وتمثيلهم.

في الحوار نفسه أبرز سعيد أنّ المثقف يريد أن يكون مؤثراً، وهو قادر في بعض الحالات، لكن ليس عن طريق السلطة، وإنّما من خلال الشعب مباشرة. وقال إنّ “عليه أن يخاطب الناس عبر الصحافة، والكتاب، وبشتّى الوسائل والأساليب الممكنة والمتاحة. لكن أن يحاول ذلك من داخل السلطة ومن منطق الولاء لها، أو حتى من منطق مشاركتها، فهذا سوف يؤدي، بالضرورة، إلى تورطه أكثر فأكثر”.

كان سعيد قد تحدّث في أكثر من مكان عن “خيانة المثقّفين” ورضوخهم للضغوطات، وتجاهلهم للحقائق وإيثارهم السلامة الشخصيّة على المواجهة والحقيقة، وفرّق بين المثقّف التابع الإمّعة الباحث عن الاستزلام لدى الأنظمة، حيث يفقد دوره الرياديّ المفترض لصالح انتهازيّة آنيّة، وبعض المصالح والامتيازات التي تعمي البصائر.

كاتب من سوريا
11