إدوارد سعيد يرافع عن تاريخ الهامش

في تقدير إدوارد سعيد فإن كلمة "التابع" ذات دلالات سياسية وفكرية، ويبيّن أن المعنى المضاد لها هو المسيطر أو النخبة أي "المجوعة الموجودة في السلطة".
الجمعة 2019/07/19
رؤية نقدية ذات أهمية بالغة في مشهد النقد الكولونيالي وما بعد الكولونيالي المعاصر

لا يزال الفاعلون في المشهد الثقافي والفكري الراهن ببلداننا غير متفتحين كما ينبغي على ما تحقق من إنجازات مهمة جدا في القارة الآسيوية. وجرّاء ذلك فإن الأجيال الجديدة في بلداننا لا تفقه شيئا ذا قيمة عن الشعر الآسيوي القديم والحديث والمعاصر، مع العلم أن التجارب الشعرية الآسيوية تتميز بفرادتها ضمن المشهد العام للشعر العالمي قديما وحديثا وهي تعدّ كنزا ثقافيا وروحيا بامتياز، إذ لا يمكن أن يتجاهل أحد في العالم ملحمتيْ الأوبانشيد، ومهابهاراتا أو فتوحات الشاعر الهندي طاغور وتميز الشاعر الباكستاني فايز أحمد فايز وغيرهما كثير طبعا، ومن الملاحظ أن التركيز المفرط والنمطي عندنا ينحصر في الغالب في المتابعة المحتشمة للإنتاج الفكري والأدبي الغربي.

في العقود القليلة الماضية ولد تخصص مهم يدعى بـ”دراسات التابع” على أيدي عدد من الدارسين والمؤرخين الاجتماعيين والنقاد المفكرين الآسيويين الذين عملوا في الجامعات البريطانية والأميركية، ولكن هذا التخصص الذي مضى على تشكيله ما لا يقل عن أربعة عقود من الزمان قد ظل مجهولا في المشهد النقدي الثقافي العربي المعاصر، علما وأننا في حاجة ماسة إلى استيعابه وتمثله وإنشاء شعب تهتم به في جامعاتنا وفي مراكز البحث التاريخي والثقافي، لأن ذلك سيمكننا من تحقيق إضافات نوعية في هذا المجال المعرفي نظرا إلى تشابه مشكلاتنا ما بعد الكولونيالية مع ما عانته كثير من بلدان آسيا في العصر الحديث.

ولا شكَ أن ما قام به الناقد والمفكر الفلسطيني الشهير إدوارد سعيد من تقديم واحتضان لهذا التخصص لدليل واضح أن “دراسات التابع” هو حقل معرفي وتجربة منهجية ورؤية نقدية ذات أهمية بالغة في مشهد النقد الكولونيالي وما بعد الكولونيالي المعاصر، وذلك رغم بعض النقد الموجه لهذا التخصص ولأدواته المنهجية، وخاصة جرّاء استدعاء بعض رواده لمفاهيم وأجهزة نظرية جاهزة ومستقاة من التجارب الاجتماعية والسياسية والفكرية الأوروبية/ الغربية وإسقاطها على تجارب المجتمعات الآسيوية المستعمرة سابقا مثل الهند.

في البداية لا بد من التذكير أن هوية هذا التخصص النقدي لها خصوصية تميزها رغم أنها تدخل في إطار الهوية الكبرى للدراسات النقدية ما بعد الاستعمارية، ونظرا إلى ذلك فإن مصطلح “التابع” لا ينبغي فهمه فقط ضمن سياق النقد الماركسي الطبقي الذي ينظر فقط إلى شرائح العمال والفلاحين كمهمشين، بل إنه من الضروري أيضا توسيع هذا المنظور للنظر من خلاله إلى هذا المصطلح ليصبح بمثابة المشكال الذي يبين لنا أيضا مختلف الفئات المهمشة سواء كنت فئة المهاجرين أو اللاجئين أو النساء أو الملونين، أو المجموعات الإثنية أو العرقية الصغيرة المهيمن عليها وهلم جرا.

حقل دراسات التابع يهتم أساسا بنقد وخلخلة التاريخ الكلي الذي يروي سرديات النخب أو الطبقات والشرائح المسيطرة

ويبدو واضحا أن مؤرخي الأفكار متفقون أن تخصص “دراسات التابع” لا يمكن فهمه أيضا دون الأخذ بعين الاعتبار المحاولات المبذولة من طرف دول الهامش/ الأطراف المستعمرة سابقا والتابعة لاحقا لفك ارتباطاتها ولصعوبات هذه المهمة أيضا كما يعتقدون أنه من المستحيل فصله، من حيث التوجه، عن أنماط الحقول النقدية والمعرفية التي شاهدت ميلادها المرحلة التاريخية التي تميزت بنقد الظاهرة الاستعمارية والمركزية الأوروبية الغربية في القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، ودون إدراك إنجازات الدراسات الإثنية والنسوية وكذا تنوع المنظورات النقدية مثل منظورات مدرسة فرانكفورت، ونظرية النظام العالمي، والدراسات الثقافية فضلا عن المرافعات التي تدافع عن كتابة تاريخ الذوات المهمشة وكذا المساعي المبذولة لإنزال الفكر الفلسفي من برجه العاجي إلى الحياة اليومية الشعبية.

على أساس ما تقدم فإنه ينبغي القول بأن تسمية “دراسات التابع” بهذا الاسم بالذات لا تعود فقط إلى مجموعة الدارسين والنقاد الأسيويين منهم راناجت دوها، وغياتري سبيفاك، بل هناك دور مفصلي للمفكر أنطونيو غرامشي الصانع الطليعي لمصطلح “التابع” في مدونته الشهيرة “ملاحظات دفتر السجن”، كما يلاحظ ذلك كثير من مؤرخي الأفكار منهم الدارس الناقد الحبيب لاوي الذي أوضح أن “فكرة التابع” يعود ذكرها إلى “غرامشي في مقاله الموسوم ملاحظات حول التاريخ الإيطالي” الذي ظهر في ما بعد في مدونته الفكرية والنضالية “دفاتر السجن” المذكورة آنفا أما المقصود بالتابع بشكل عام، حسب الدارس الحبيب لاوي، فهو كل يفرض موقع المهمش والمرتبة السفلى في أي مجتمع وفي أي ظرف زماني.

في المقدمة اللامعة التي كتبها لكتاب “مختارات دراسات التابع”، الذي أشرف على تحريره الأب الروحي لهذا التخصص المعرفي وهو رناجيت دوها وشارك فيه عدد من المتخصصين والمتخصصات الهنود في كتابة تاريخ المهمَشين في المجتمع الهندي، أوضح الناقد المفكر إدوارد سعيد أن “التاريخ الهندي قد كتب حتى الآن من منظور المستعمر (بكسر الميم) ووجهة النظر النخبوية، بينما الجزء الأوسع من التاريخ الهندي قد صنعته الطبقات التابعة، ولذلك هناك حاجة ملحة إلى تأريخ جديد يزمع هؤلاء الدارسون أن يكتبوه”.

 هنا تتضح الصورة أكثر وهي أن حقل دراسات التابع يهتم أساسا بنقد وخلخلة التاريخ الكلي الذي يروي سرديات النخب أو الطبقات والشرائح المسيطرة من جهة وبكتابة نقيض وهو سرديات/ تواريخ الشرائح التي تقصى المدونة التاريخية الرسمية من جهة أخرى.

وفي تقدير إدوارد سعيد فإن كلمة “التابع” ذات دلالات سياسية وفكرية، ويبيّن أن المعنى المضاد لها هو المسيطر أو النخبة أي “المجوعة الموجودة في السلطة”، وتعني “في الحالة الهندية الطبقات المتحالفة إما مع البريطانيين الذين حكموا الهند على مدى 300 سنة، أو عددا من التابعين المختارين، والطلاب وإما البشر المنتمين إلى الصف الثاني والذين تعاونوا مع البريطانيين”.

ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن إدوارد سعيد يبرز أن المرجعيات النظرية لجماعة دراسات التابع تتميز “بالهجنة” بمعنى أنها ليست هندية فقط وإنما هي مزيج من روافد “أوروبية/ غربية، وآسيوية، وكاريبية، وأميركية لاتينية وأفريقية، ويستنتج بالتالي أن كل هؤلاء الدارسين المنخرطين في حقل دراسات التابع هم تلاميذ ماركس النقديون مثلما يلاحظ تأثرهم “بالبنيوية وما بعد البنيوية وبمفكرين مثل دريدا، وفوكو، وبارت وألتوسير، وإدوار طومسون وإريك هوبسبون وغيرهم”. ولكنه يستطرد معلنا أن هؤلاء الدارسين ليسوا بناقلين خانعين، وإنما هم يشتركون مع المفكرين المذكورين في النماذج النظرية الكلية لا أكثر.

15