إدوارد سنودن.. الصندوق الأسود لمملكة التجسس الأميركية

الجمعة 2013/11/01
سنودن.. كاشف الاسرار ومفجر أزمات واشنطن مع العالم

لم يكن الرجل ليحظى بمثل هذه الشهرة، لقد كان شخصا عاديا جدا، مجرد محلل للمعلومات لدى وكالة الاستخبارات المركزية، لكن إدوارد سنودن سيملأ اسمه الآفاق بعد أن أقدم على الكشف عن وثيقتين لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية وصحيفة "الغارديان" البريطانية، توضح ممارسات الوكالة في مجال التجسس على الحياة الشخصية للأفراد.

ذلك الكشف جعل باراك أوباما في حرج كبير قد يساهم في تدني صورته لدى الأميركيين ويهدد مستقبله السياسي. مما دفع الولايات المتحدة لتقرر ملاحقة كاشف الأسرار هذا وتضغط حتى لا يتمكن من الحصول على اللجوء لأي دولة مما يسهل محاصرته والقبض عليه تمهيدا لمحاكمته. سنودن يعرف أن عودته لأميركا يعني نهايته الحتمية في أحد سجونها هذا إذا لم يكن الإعدام مصيره المحتوم ويدرج ما قام به ضمن لائحة خيانة الوطن بكشف أسرار الدولة وتهديد الأمن القومي الأميركي.

سنودن تحصل على اللجوء إلى روسيا لمدة سنة بعدما كان عالقا في مطار موسكو آتيا من هونغ كونغ إثر تقديمه بطلبات لجوء إلــى الكثير من الدول التي رفضت معظمها استقباله.

فضائح التجسس الأميركي على بعض دول أوروبا والتي أثيرت هذه الآونة جعلتنا نعود إلى شخصية سنودن للتعرف على أكثر التفاصيل عنه، ولأنه تجرأ وفضح تجسس بلاده على حياة الأفراد الشخصية قبل أن تدوي فضائح تجسسها على الدول الأوروبية وعلى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.

تتبادر إلى الأذهان أسئلة عدة عن أهمية هذا الشخص ومن يكون وعن خطورة العمل الذي قام به وكيف تجرأ على زعزعة ثقة الشعب الأميركي بإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، كل ذلك يحفزنا على العودة إلى بداية سنودن و مسارات حياته.

ولد إدوارد جوزيف سنودن في 21 يونيو 1983، وهو أميركي ومتعاقد تقني وعميل موظف لدى وكالة المخابرات المركزية، عمل كمتعاقد مع وكالة الأمن القومي قبل أن يسرب تفاصيل برنامج التجسس "بريسم" إلى الصحافة.

في شهر يونيو سرب سنودن مواد مصنفة على أنها سرية للغاية من وكالة الأمن القومي، منها برنامج "بريسم" إلى صحيفة الغارديان البريطانية وصحيفة الواشنطن بوست الأميركية.

وكان ذلك دافعا قويا ليوجه له القضاء الأميركي رسميا تهمة التجسس وسرقة ممتلكات حكومية ونقل معلومات تتعلق بالدفاع الوطني دون إذن والنقل المتعمد لمعلومات مخابرات سرية لشخص غير مسموح له بالاطلاع عليها.

ترعرع سنودن في منطقة إليزابيث سيتي التابعة لولاية كارولاينا الشمالية في أميركا، وانتقل مع عائلته في وقت لاحق إلى منطقة ماريلاند بالقرب من المقر الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية، ويقول إنه لم يشعر خلال كبره بأن الحكومة الأميركية يمكنها أن تشكل تهديدا لقيمـــــه السيـــاسية.

واعترف سنودن بأنه لم يكن من الطلبة المتميزين خلال مرحلته الدراسية، ولكي يحصل على علامات تؤهله للحصول على شهادة الثانوية العامة قام بالالتحاق بكلية مجتمع في منطقة ماريلاند ليدرس علم الكمبيوتر، لكنه تركها وحصل على شهادته في وقت لاحق.

لم يتمكن أبدا من إنهاء تعليمه، لكنه انخرط في الجيش سنة 2003.

وبعد تعرض رجليه لكسور أثناء التدريبات العسكرية، ترك الجيش ليتم توظيفه داخل وكالة المخابرات المركزية في مجال الأمن المعلوماتي.

أدى صعوده المتسارع في تحمل المسؤوليات دهشة جميع الخبراء، وذلك بالرغم من عدم حصوله على شهادة إنهاء الدراسة بالمستوى الثانوي كما أنه مازال صغير السن مقارنة بأصحاب التجارب والخبرات.

كما اندهش نفس الخبراء لحظة إرساله في مهمة إلى جنيف سنة 2007، حاملا معه جواز سفر دبلوماسي.

سياسيا، ينتمي سنودن لمذهب مؤيدي مبادئ الحرية، الحركة التي تستهوي فئات عريضة من الشبان اليوم، كما اتضح ذلك من خلال الإعجاب الشديد بمتزعم المذهب الجمهوري، رون بول، أثناء الانتخابات الداخلية للحزب الجمهوري سنة 2012. إدوارد سنودن، الذي ساهم بمبلغ 250 دولارا في تمويل حملة رون بول، يوضح بأنه لم يصوت لصالح أوباما سنة 2008. بعد إجراء الانتخابات، قام بدعمه لكنه أصيب بالخذلان لدى رؤيته عدم قيام أوباما بكبح وكالة الأمن القومي.

اتجه سنودن نحو هونغ كونغ، لكن حكومتها وقتها قالت إنه غادر دون إكراه لبلد ثالث ملتزما بالطرق الشرعية والطبيعية، وذلك بعد يوم واحد من تقديم الولايات المتحدة طلبا إلى حكومة هونغ كونغ لتسليمه بسرعة.


مبررات ذاتية


القرار الذي اتخذه إدوارد سنودن بفضح ما تقوم به وكالة الاستخبارات المركزية لم يكن قرارا مرتبطا بجهات خارجية تمكنت من توظيفه واختراق الأجهزة الأميركية، بل كان قرارا ذاتيا انطلق من قناعات خاصة يحملها الرجل. وذلك ما تبين من خلال التصريحات التي أدلى بها وعبرت عما يختلج داخله.

سنودن عبر عن تنديده ببرنامج المراقبة هذا الذي تعتمده الوكالة والذي تم إطلاقه في السر من قبل جورج بوش واستمر العمل به من قبل باراك أوباما، بعد إدخال تعديل تشريعي عليه.

يقول إدوارد "وأنا جالس بمكتبي، كنت أتمتع بدون أي نقاش بكافة الصلاحيات لأجل مراقبة أي شخص، سواء كان ذلك الشخص أنت، أو المحاسب الذي يعمل لصالحك، وصولا للقضاة الفيدراليين وحتى الرئيس، إذا كان لدي عنوان بريد إلكتروني شخصي".

فالرغبة إذن في فضح البرنامج التجسسي كانت لقناعات ذاتية بحتة، ففي منتصف شهر ماي، شرع الرجل الشاب في الإعداد لما سيقوم به. قام بنسخ آخر الوثائق التي أراد كشفها أمام الرأي العام، انطلاقا من مقر وكـــــالة الأمن القومي بهاواي.

كما قام بإخطار رئيسه في العمل بأنه سيحصل على إجازة لعلاج علة في الجهاز العصبي تم تشخيصها سنة 2012. وقال لرفيقته بأنه سيتغيب لبعض الوقت من دون أن يمدها بأي تفاصيل.

وفي 20 ماي، توجه نحو هونغ كونغ. يقول سنودن: "إنه لمحزن أن يضطر أميركي للذهاب لمكان له سمعة سيئة في مجال الحرية".

وتحول سنودن بعد ذلك إلى بطل يريد أن يقدم تصورا آخر للعلاقات التي يحبذها أن تسود العالم فهو يقول: "أتمنى أن أتمكن من إثارة النقاش بين مواطني العالم حول نوعية العالم الذي نود أن نحيا فيه".

ووضح إدوارد بصفة جلية الأسباب وراء تصرفه في مقابلة صحفية أجريت معه بهونغ كونغ، المكان لجأ إليه حتى يفلت من المتابعات في الولايات المتحدة الأميركية: "لا أستطيع، حسب ما يمليه علي ضميري وشعوري، أن أدع الحكومة الأميركية تدمر الحياة الخاصة، وحرية الإنترنت، والحريات الأساسية بالنسبة للناس في العالم بأسره من خلال الاستعانة بهذا النظام الضخم من المراقبة التي هي بصدد تأسيسه بشكل سري."

وبعد مرور مدة على نشر صحيفة "الغارديان"، ثم صحيفة "واشنطن بوست"، لوثائق حساسة توضح حجم المراقبة الكونية التي تمارسها الوكالة الأمريكية للأمن القومي، أكد إدوارد سنودن، أنه من يقف وراء التسريبات.

يقول "ليست لدي أي نية لأجل إخفاء هويتي لأنني أعلم أنني لا أقوم بأي شيء سيء.

كما كشف سنودن أن الوكالة استعانت بآلية التجسس لتجعل العالم تحت أعينها، يقول: "أسست وكالة الأمن القومي بنية تحتية تمكنها من الناحية العملية من الانتباه لأي شيء يقع". ويضيف: "إذا أردت معاينة بريدك الإلكتروني أو الهاتف الشخصي لزوجتك، فما علي سوى الاستعانة بآليات التجسس.

أستطيع الحصول على كلمات المرور الخاصة بك، وكشوفات الهاتف، والبطائق البنكية (…). لا أود أن أعيش في عالم يتم فيه تسجيل كل شيء أقوم به وكل شيء أقوله."


الملاحقة والحصار


العديد من الدوافع التي تجعل الإدارة الأميركية تلاحق سنودن وتضغط حتى تتمكن منه. فقد قام الرجل حسب ما تقول بخيانة المؤسسة التي يشتغل فيها وقام بترويج معلومات تمس بالأمن الأميركي وتفضح سياستها مع العديد من الدول.

ويذهب عدد من المحللين أن العمل الذي قام به سنودن قد يهز من مكانة أوباما، خاصة أن الولايات المتحدة الأميركية انتظرت مع مجيئه لسدة الحكم أن تستعيد هالتها وإشعاعها العالمي، لكن التسريبات الجديدة حول ممارسات وكالة الأمن القومي من شأنها تقويض السلطة الناعمة التي حاول الرئيس الأميركي تلميع بريقها.

فقد أبان ما كشف عنه إدوارد نوايا واشنطن تجاه دول العالم والتي أرادت إضافة إلى إحكام قبضتها العسكرية عليه أن تضع حركاته وسكناته نصب أعينها.

ولفداحة ما فضحه المستشار السابق في وكالة الأمن القومي الأميركية قامت الولايات المتحدة بمحاصرته أينما حل وطالب البيت الأبيض موسكو ألا تقدم له "منبرا للدعاية" عبر السماح له بالبقاء في أراضيها.

كما ركزت واشنطن على القضية من خلال تحركات على مستوى عال.

وقالت الإدارة الأميركية إن منح روسيا اللجوء لسنودن يمكن أن يلحق الضرر بالعلاقات مع موسكو. وقال البيت الأبيض إنه يتعين على روسيا طرد سنودن وأدان منحه الفرصة للتحدث بشكل علني.

وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني "إن توفير منبر دعاية للسيد سنودن يتناقض مع إعلان روسيا السابق عن حياد روسي". وأكد كارني أن منح موسكو اللجوء السياسي لسنودن: "لا يتفق مع تأكيد روسيا على عدم رغبتها في أن تسوء العلاقات مع أمريكا بسبب سنودن".

ولعل ما يفسر هذا القلق والحرص الأميركي على تتبع خطوات إدوارد سنودن هو ما يملكه الشخص من معلومات أخرى قد تكشف حقائق تسبب أزمة لواشنطن مع العالم .

لذا فهي تحرص على أن تعزله عن الإعلام ووسائله حتى وإن تمكن من الاستقرار في مكان ما .


اللجوء والموقف الروسي


بالرغم من الموقف الروسي الذي ألقى باللوم على واشنطن في استمرار وجود مسرب المعلومات الاستخباراتية الأميركي الهارب إدوارد سنودن في مطار بموسكو وأن الولايات المتحدة عرقلت جميع خيارات السفر أمامه، وبرغم من الاتهامات التي وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لواشنطن بـ"حبسه" ومنعه من مغادرة روسيا بعد وصوله إليها من هونغ كونغ في 23 يونيو، فإن روسيا طلبت من سنودن التوقف عن تسريب أي معلومات جديدة وبعدها يمكنه طلب اللجوء إليها.

ويذهب العديد من المتتبعين لقضية سنودن أنه في ظل تبدل العلاقات بين واشنطن وموسكو فإن ملف التجسس الذي أثاره لن يكون له التأثير الكبير خاصة تحت تداعيات السياسية للأزمة السورية.

غير أن البعض الآخر يرى أن سنودن يمكن أن يكون ورقة ضغط في أيدي الروس بما يملكه من أسرار وبسعيه للحد من آلة التجسس التي تريد من خلالها الولايات المتحدة جعل العالم تحت أعينها وقبضتها.

في حين رأت صحيفة "برافدا" الروسية أن إدوارد سنودن قد أسدى صنيعا عاما إلى الولايات المتحدة على صعيدي الرئاسة والكونغرس.

وأوضحت، في تعليق على موقعها الإلكتروني، أن الكونغرس مدين لسنودن، إذ نبهه ودفعه إلى تقويم وكالة الأمن القومي وتقليص تمويلها.

وتساءلت الصحيفة عما إذا كانت تسريبات سنودن قد نبهت الرئاسة الأميركية ودفعت باراك أوباما إلى الاعتذار لقادة العالم من أنه لم يكن يعلم بانتهاك خصوصيات نظرائه.

ورصدت في هذا الصدد إشارة صحف أميركية إلى جهل الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن وكالة الأمن القومي لبلاده كانت تتجسس على 35 رئيسا عبر العالم.

كما تساءلت الصحيفة عما إذا كان في استطاعة أوباما أن يقول لسنودن، الذي أسدى كل هذه الصنائع إلى الولايات المتحدة، أن باستطاعته العودة إلى بلاده، وأنه يضمن له عدم ملاحقته قضائيا، وأنه على استعداد لمنحه عفوا رئاسيا إذا تطلب الأمر ذلك.

وكان الرئيس الروسي قد صرح في وقت سابق أن سنودن كان محاصرا من قبل الاستخبارات الأميركية وأنه حضر إلى بلادنا بلا دعوة. ولسنا مقصده الأخير، وشركاؤنا الأميركيون، في واقع الأمر، يمنعون رحلاته الجوية.

يذكر أن عددا من دول أميركا اللاتينية إبان الأزمة التي عرفها سنودن قد عرضت اللجوء عليه ، لكنه لا يحمل أي وثائق يغادر بها منطقة المرور بمطار موسكو.

كما كان سنودن قد وجه طلبات إلى نحو عشرين بلدا بينها روسيا، لكنه عدل عن ذلك بعد أن أعلن الرئيس فلاديمير بوتين أن عليه أن يكف عن التعرض للولايات المتحدة والكشف عن تفاصيل برنامج التجسس على الاتصالات الالكترونية الذي تنفذه الاستخبارات الأميركية.

وكان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قال إنه قرر منح حق اللجوء لادوارد سنودن المتهم بالكشف عن برنامج أميركي سري لمراقبة الاتصالات.

وقال مادورو: "قررت منح اللجوء الإنساني للشاب الأميركي إدوارد سنودن ومن ثم فبإمكانه أن يأتي ويعيش في أرض الأسلاف أرض (سيمون) بوليفار و(هوغو) تشافيز بعيدا عن اضطهاد أميركا الشمالية الامبريالية".

كما كان رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا قد قال وقتها إن حكومته مستعدة لمنح سنودن، حق اللجوء إذا سمحت الظروف بذلك.

وذكر المحامي الروسي أناتولي كوتشيرينا، إن الموظف السابق في الاستخبارات الأميركية إدوارد سنودن، لا يستبعد السعي للحصول على الجنسية الروسية. ونقلت وسائل إعلام روسية عن كوتشيرينا قوله إن "سنودن يقول إنه لا يريد مغادرة روسيا، في الوقت الراهن على الأقل ".

وأضاف أنه "لا يستبعد أن يطلب في المستقبل من السلطات الروسية منحه الجنسية، لكنه لا يستبعد أيضا خيارات مختلفة لمغادرة الأراضي الروسية".

وأوضح المحامي أن سنودن ينفي أن يكون قد أعطى أية ضمانات مكتوبة بأنه لن يضر بالمصالح الأميركية في المستقبل، استجابة للشرط الذي طرحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمنحه حق اللجوء في روسيا.

هذه المواقف المتعددة من قضية سنودن ومسألة اللجوء وتوفير الحماية له تظهر التداعيات الهامة التي خلقها والتي قد تؤثر على العلاقات التي سيخلقها بين واشنطن والدولة التي ستمنحه اللجوء وتمكنه من مكان آمن بعيدا عن الملاحقة الأميركية.

تمكن سنودن من النجاة من القبضة الأميركية وحصل على اللجوء لمدة سنة في روسيا وذلك سيجنبه ولو بشكل مؤقت تتبعات البيت الأبيض ويحد بذلك من التتبع الذي فرض عليه لا لشيء إلا لأنه أراد أن يخلص العالم من هينمة بلاده على حريات الأشخاص بعد أن هيمنت عليهم ثقافيا وعسكريا.

فهل تكون روسيا المخلص لسنودن ويكون ورقة في يدها في علاقتها مع أميركا أم تتمكن الدبلوماسية الأميركية ووسائل ضغطها المتعددة بعد التقارب الحاصل بينها وبين موسكو من جلبه ومحاكمته؟

12