إدوار الخراّط: برومثيوس الخيال

الأربعاء 2013/10/30
إبراهيم: الخراط، هنري ميللر العربي

قد لا نتجنّى إن قلنا إن لإدوار الخراط، وقد اكتملت رسالته، سمة لن تفارقه، وهي أن اللغة تاج على رأسه، يحنّي بها نصوصه، ويزين بها رواياته، ويوشّي بها أشعاره، وحتى في نقده لا يتنازل عنها قيد أنملة.

لا نقول اللغة كبيان مطلق، فكلّ نصّ لغة، في الأساس، لكن في حالة إدوار هي لغة ظاهرة منمّقة حاجبها مسنّن وعيونها مكحّلة ووجهها محلّى بالجمال الذي لا تخطئه عين ولا ينكره سمع ولم يسمع به من قبل قارئ أو ناقد أو حتى كاره أو مجرد ممتعض.

أقول هذا، وفي قلبي غصّة، لأننا لن نعاصر المزيد من إبداعات الروائيّ الحداثيّ، والناقد المحايث لإبداعات مجايليه، حيث بلغته رحمة الله بالمرض، فلم يعد قادراً على كتابة حرف جديد، أو تسويد نصوص كنا ننتظرها على مدار الأيام، خاصة في سنيّه الأخيرة، قبل خمس سنوات تقريباً أو يزيد، منذ منّ الله عليه برحمة المرض، وصار يعيــش بين ظهرانينا (يا للمرارة!) جسداً بلا كتابة، وهو من كان كتابةً من جسد.

يمكننا اليوم القول إن رسالته اكتملت، وبيانه انتهى إلى غير رجعة، وهو ينتظر مثلنا أن نراه، نــراه وهـو حيٌّ لا يزال بينــنا، نراه ويرانــا مــاذا نفـعل بــه ومعــه ومــن أجلــه.

إدوار الخراط كتب مؤخراً، في سنيه الأخيرة، أضعاف ما كتب في سنينه الأولى، فربما شغلته الوظيفة عن انهماكه في الكتابة، حيث لم يبرز كروائيّ كبير إلا مــوازياً لجيــل السبعينيات تقريباً، حيــث يعدّه بعــض مــن النقاد سبعينياً مثلهم، وهو ما لــم يكن يأنف منه، وقد حــاول أن يقدّم الكثيــر منا نقدــياً، بل وخصّص كتابيــن أو أكثر لشرح ميزته اللغويــة التي رأى ومارس تجليــاتها مع كثيرين، أصغــر منــه، وكان محباً رائداً في قراءته ونقــده لكثير من النصوص، مع وقوعه في الخطــإ أو الخطيئة أحياناً، ونقول هــذا بوضــوح لا مراء فيه، أنه كتب عن مبدعين لــم يكونــوا فــي صــفّ تجلياتـه الأدبية ولا تجليــات غيره ممن كان يُفترض أنه يدعــو إلى نصوصهــم، ويُبيّن بيانهم، ويستميل النـــاس إليهـــم. لكـــن "كــلّ ابــن آدم خطّـــاء"!

كتب الخراط روايات، وقصصاً، وأشعاراً، ونقداً فنياً، ونقـــداً أدبياً مؤسساً، بل ورسم، كما ترجم نصوصاً تليق به وبأدبه وخياراته الجمالية. وهو لذلك ترسّم خطى الأولين في موسوعية إبداعية، كانت جديرة بثقافته، وحقيقيــة مــن خبرتــه، ويكمن فيها منجزه عبر السيرة الذاتية الإبداعية، فكأنه هنري ميللر العربيّ، مضافاً إليه جيمس جــويس المصريّ، في بوتقــة واحدة، أو ما يمكن أن أطلق عليه "برومثيــوس الخيال" الذي خطف النار من العُلى نازلاً بها دنيا الأدب. وله منا المحبة على ما قد خطّت يداه، والتقدير لما أصدره من إبداعات، والمرحمة أن يهوّن الله عليه أيامه القادمات!

14