إدوار فيليب رجل المتناقضات الذي يواجه ثورة الطبقة الوسطى

اسم إدوارد فيليب يعود بعد عام ونيف من توليه منصب رئاسة الحكومة الفرنسية لينتشر كالنار في الهشيم، حيث كان وبلا منازع نجم الإعلام مع انطلاق حركة "السترات الصفراء".
الثلاثاء 2018/12/11
إدوار فيليب رئيس الحكومة الفرنسية بين مصيدة ماكرون وغضب السترات الصفراء

السؤال الذي يسأله العالم اليوم، وهو يتابع المشاهد التي تقع في شوارع باريس وغيرها من المدن الفرنسية؛ من المقصود بهذه الثورة أساسا؟ هل ثارت الطبقة الوسطى ضد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أم ضد رئيس الحكومة إدوار فيليب؟ كثيرون يعجزون عن فهم وتحليل ما يحدث في فرنسا. حتى أن البعض بدا شامتا من الحكومة ومن الإليزيه ذاته، وهو يكابد ما عانته الأنظمة العربية خلال السنوات الماضية، مصوّرا الأمر وكأنه “هبّة رعاع”، أو تمرّد في الشارع أو فوضى لا أساس لها.

لكن من يرصد أوضاع الطبقة الوسطى في فرنسا، وفي عموم أوروبا، لن تفوته ملاحظة أنها لم تعد قادرة على البقاء مشلولة كما كان يطلب منها في العهد الديمقراطي المعاصر. فالطبقة الوسطى، تاريخيا، هي القادرة على التغيير. ولكن الثورات يقوم بها عادة أبناء الطبقات المسحوقة، وعند هذا الالتباس تعقّدت الصورة أمام محللي ظاهرة “السترات الصفراء”.

أما فيليب فلم يكن يخطر بباله أن يواجه مشكلة تعد الأبرز والأخطر في تاريخ الديمقراطيات الغربية المعاصرة، على الأقل في السنوات التي مضت من القرن الحادي العشرين. ولم يكن عمدة مدينة لوهافر الفرنسية أساسا، اسما سياسيا معروفا خارج فرنسا، لكنّ نجمه سرعان ما سطع وأصبح من أكثر الأسماء تداولاً هنا في عموم البلاد، مع تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة في اليوم الأول من تسلّم ماكرون الرئاسة بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية.

كان قرار تعيين فيليب رئيسا للحكومة، القرار السياسي الأول الذي يصدره ماكرون في أول يوم له كرئيس منتخب لفرنسا. وبالرغم من عدم تناغم عقليهما، إلا أن ماكرون وفيليب وعلى ما يبدو، أرادا العمل معا من أجل المصلحة السياسية لفرنسا بعيدا عن الانتقادات الشخصية التي أبداها فيليب بحق ماكرون. فقد اعترض على ماكرون قبل فوزه في الانتخابات الرئاسية، ورفض تشبيه البعض له بأنه الابن الروحي للرئيس الأميركي جون كينيدي ورئيس وزراء فرنسا الاشتراكي بيار منديس، لكن موقفه تغيّر بعد ذلك 180 درجة ليتولى فيليب رئاسة حكومة ماكرون ذاته.

اليوم وبعد عام ونيف من توليه لمنصبه الكبير في فرنسا، يعود اسم فيليب لينتشر كالنار في الهشيم، داخل وخارج فرنسا، فلا تكاد تخلو نشرة أخبار في التلفزيون الفرنسي أو خبر صحافي أو تقرير إعلامي من ذكره، فهو كان وبلا منازع نجم الإعلام في الأسابيع الأخيرة الماضية مع انطلاق حركة “السترات الصفراء”، والتي تولى خلالها فيليب مهمة الظهور الإعلامي والتصدي لتبرير قرارات الحكومة والرد على مطالب المتظاهرين.

السترات الصفراء والقادم من اليمين

الاحتجاجات عمت سائر المدن الفرنسية الكبرى اعتراضا على زيادة الضرائب على أسعار الوقود
الاحتجاجات عمت سائر المدن الفرنسية الكبرى اعتراضا على زيادة الضرائب على أسعار الوقود

عمّت الاحتجاجات سائر المدن الفرنسية الكبرى، اعتراضا على زيادة الضرائب على أسعار الوقود، الأمر الذي انعكس سلبا على العاملين في قطاعات النقل والمكننة الزراعية العاملة على الديزل والتي تؤثر بشكل مباشر على شريحة واسعة من متوسطي الدخل في البلاد، وقد شبهها بعض الصحافيين الفرنسيين بحركة عام 1968، والتي تعتبر الرتوش الأخيرة على الثورة الفرنسية واستمرارها، والتي شكّلت أوروبا التي نراها اليوم.

لكن اللافت في ظاهرة السترات الصفراء ارتباك المراقبين لدوافعها وتطوراتها، ومن بين تلك العلامات الفارقة تعليق أحد أبرز قادة ثورة نهاية الستينات ذاتها، وهو الألماني كوهين بانديت الذي قال “كنّا نقاوم ضد جنرال في السلطة. أمّا أصحاب السترات الصفراء اليوم فهم يطالبون بجنرال كي يستلم السلطة”. فهل تغيّر فهم الثوريين للديمقراطية أم تحوّلت المطالب المعيشية إلى حالة غير مفهومة لدى المتحدثين عن ديمقراطيات غربية عريقة وراسخة برهنت على أنها غير مستقرة.

فيليب الذي بدأ مسيرته السياسية في الحزب الاشتراكي في تسعينات القرن الماضي قبل أن ينتقل إلى الحزب اليميني “الاتحاد من أجل حركة شعبية” في العام 2002 مستمرا في صفوفه إلى اليوم بعد تحوّل اسمه إلى “الجمهوريون”، كان في المقلب الآخر تماما سياسيا بعيدا عن ماكرون.

وقبل أن يلمع نجم ماكرون الشاب سياسيا، تولى فيليب إدارة مكتب آلان جوبيه في بلدية بوردو، وأدار الحملة الانتخابية للرئيس الأسبق جاك شيراك. وبقي واحدا من الحلفاء السياسيين المقرّبين من رئيس الوزراء الفرنسي السابق آلان جوبيه، فقد عمل كمتحدث رسمي باسمه خلال الانتخابات التمهيدية الأخيرة لليمين والوسط المؤهلة للرئاسيات، ورافقه في كل تحرّكاته عندما كان في حزب “الاتحاد من أجل حركة شعبية”، وهو حزب يميني وسطي، يترأسه اليوم الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي.

الاستراتيجية الفرنسية لمكافحة الاحتباس الحراري دفعت الحكومة إلى رفع ضرائب المحروقات وما يعرف باسم “ضريبة الكربون”، وفرض ضريبة مباشرة على الديزل، ما أثّر بشكل مباشر على الطبقة المتوسطة وأصحاب المدخولات المتدنية في البلاد.

وعلى إثرها بدأت احتجاجات “السترات الصفراء” اعتراضا على ارتفاع ضرائب الوقود أولا، ثم تطوّرت لتشمل الاعتراض على ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة. وقد ولدت الحركة في نهاية شهر أكتوبر الماضي، ويبدو أنّ قائمة مطالبها ازدادت مع اتساع رقعة الاحتجاجات.

لم يغب فيليب عن المشهد السياسي الفرنسي اليومي عبر تصريحات وردود نقلت وجهة نظر الحكومة للمتظاهرين ومحاولة امتصاص غضبهم، في طريق الوصول إلى حلول تُرضي جميع الأطراف. حيث وصلت أخيرا إلى إعلانه في الرابع من ديسمبر الجاري تجميد، ومن ثمّ إلغاء، زيادة الضرائب على أسعار الوقود.

جعل فيليب من نفسه عدوّا للمظاهرات، حين انتقد عنفها، وفي الوقت ذاته، محتضنا لها، حين قال “لقد قرّرت تعليق الإجراءات الضريبية المفروضة على الوقود 6 أشهر”، موضحا أنه سيفسح المجال للمشاورات خلال فترة التعليق لحلّ الأزمة. كما أعلن أيضا تعليق الزيادة في تعرفة الغاز والكهرباء ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 3 بالمئة. فبدا كما لو أنه يتعاطف مع المتظاهرين في ظل تعنت ماكرون.

من منهما جوبيتير؟

، جاء قرار ماكرون إلغاء الزيادة في الضرائب بمثابة القنبلة في مبنى “ماتينيون” مقر مكتب فيليب
صراع خفي يجري بين ماكرون وفيليب، حول من يكسب الشارع الفرنسي الآن، وفي حين أيد فيليب المظاهرات بشكل أو بآخر، جاء قرار ماكرون إلغاء الزيادة في الضرائب بمثابة القنبلة في مبنى "ماتينيون" مقر مكتب فيليب

أخذ فيليب يعدُ المحتجين بأن الحكومة لن تفرض المزيد من الضرائب، إن لم تجد حلولا بديلة مناسبة، مؤكدا على أنه لا يمكن السماح لضريبة بتهديد “وحدة الأمة” على حدّ تعبيره. لكن رئيس الحكومة يرى أن الغضب في الشارع ناجم عن صعوبة تلبية الكثير من احتياجات المواطنين. غضب يعلّق عليه بالقول “بخلاف آخرين، لا أسعى لتوزيع اللوم عن هذا الغضب”.

تلك اللغة التي يحرص فيليب على استخدامها في تناول الأزمة، تعكس رغبته في العزف على وتَرَي النظام الفرنسي من جهة، والمظاهرات من جهة أخرى.

حتى أنه شعر بالغضب مثل المتظاهرين، حسبما قال. وبحكم منصبه كعمدة مدينة لوهافر، كان يرصد زيادة الغضب هناك عاما بعد عام، عقب كل انتخابات، معترفا بالحرف الواحد “كان الغضب صامتا لفترة طويلة، لأنه تم إسكاته لفترة طويلة، بسبب الخجل، وأحيانا بسبب التكبّر”.

التكبّر الذي يتحدث عنه فيليب ليس بعيدا عن خيال الشارع الفرنسي حول ماكرون الذي يسمّيه الفرنسيون اليوم “جوبيتير” ويقولون إنه نجح في ضرب فكرة الأحزاب السياسية. متفرّدا في الحكم متجاوزا مؤسسات الجمهورية. لكن ماكرون الذي يعرف أيضا في الشارع الفرنسي بلقب “رئيس الأغنياء والمدن الكبيرة” يحاول مواصلة مشروع الإصلاحي الذي بدأ حتى قبل توليه الرئاسة، من خلال التغيير في القوانين و”إدخال فرنسا في العالم” كما يقال، وكذلك استكمال خطة “مكافحة الفقر” التي أعلن عنها.

لا شك أن هناك صراعا ما يجري ما بين ماكرون وفيليب، حول من يكسب الشارع الفرنسي الآن، ففي حين أيّد فيليب المظاهرات بشكل أو بآخر، جاء قرار ماكرون إلغاء الزيادة في الضرائب بمثابة القنبلة في مبنى “ماتينيون” مقرّ مكتب رئيس الحكومة فيليب، حيث أعلن المكتب في وقت متأخر أن مصالح الحكومة تعمل في تناغم مع قصر الإليزيه وأن هناك توافقا في قرارات الرئيس مع رئيس الحكومة.

الإليزيه ومعركة الشارع

 

ظاهرة السترات الصفراء تربك المراقبين، ويبرز هنا تعليق كوهين بانديت، أحد قادة ثورة الستينات، الذي قال "كنا نقاوم ضد جنرال في السلطة. أما هؤلاء اليوم فهم يطالبون بجنرال كي يستلم السلطة"
ظاهرة السترات الصفراء تربك المراقبين، ويبرز هنا تعليق كوهين بانديت، أحد قادة ثورة الستينات، الذي قال "كنا نقاوم ضد جنرال في السلطة. أما هؤلاء اليوم فهم يطالبون بجنرال كي يستلم السلطة"

 

يتساءل الفرنسيون حول دوافع الإليزيه في اتخاذ قرار إلغاء زيادة الضرائب بتلك الطريقة المفاجئة دون تنسيق مع فيليب. فقد ألف العالم، وحتى وقت قريب، تنافسا سياسيا فرنسيّا ما بين اليسار واليمين المتطرّف،  مع تماسك في جهاز الحكم. لكن التمرّد الذي تشهده فرنسا اليوم لا علاقة له باليمين واليسار بل هو تمرّد طبقي بامتياز. فماذا يمثّل ماكرون وماذا يمثّل فيليب بالنسبة للفرنسيين في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ فرنسا؟

لقد كسب ماكرون في هذا الصراع جولة، وتمكّن من إضعاف فيليب بقرار إلغاء زيادة الضرائب. لكن بعد أن وصل عدد المتظاهرين السبت الماضي إلى 136 ألف متظاهر حسب الأرقام الرسمية الفرنسية، كرّر فيليب موقفه، ولكن هذه المرة بشكل أكثر حسما، وكأنه يرمي الكرة لماكرون، حين قال “حان وقت الحوار”، مضيفا “أصبح علينا إعادة نسج الوحدة الوطنية التي تعرّضت لهزّة”. لكن فيليب ذيّل كلامه بالإشارة لماكرون مؤكدا أنه “سيتحدث. وسيعود إليه أمر اقتراح الإجراءات ليتاح لكل الأمة الفرنسية أن تجتمع من جديد”.

المستثمرون في الأزمة يتحدرون من كافة الاتجاهات، فهاهو جان لوك ميلانشون، زعيم كتلة حزب “فرنسا المتمرّدة” اليساري الراديكالي، يطالب بـ“حل الجمعية الوطنية”، معتبرا أن ذلك سيشكّل مخرجا “معقولا”. فيما نواب حزبه، ومعهم نواب آخرون شيوعيون واشتراكيون، سيتقدّمون بمذكرة لحجب الثقة عن الحكومة وإقالة فيليب. وهو على ما يبدو هدف شهيّ أيضا لرئيسة حزب التجمع الوطني اليميني القومي مارين لوبان التي تطالب ماكرون باتخاذ “إجراءات قوية وفورية”.

ووسط تدهور كبير في شعبية ماكرون يبدو حل التضحية بفيليب حلا ممتازا يمكّن الأول من كسب تأييد المتظاهرين. لكن هناك من يقترح عليه أن يعيد تكليف فيليب من جديد، وهكذا يكون قد كسب مرة أخرى، من خلال التضحية به دون إحداث تغييرات جذرية على خطه. سيما وإن ماكرون ينتظر اختبارا وشيكا يتمثّل في الانتخابات الأوروبية في شهر يونيو القادم. والتي يرى البعض فيها استفتاءغير رسمي لأصوات الفرنسيين على شخصية ماكرون.

وضع كان من المتوقع أن يتفاقم ما بين الرجلين، منذ اللحظة التي اختار فيها ماكرون فيليب. حينها قيل إن ماكرون جاء بـ“يميني معتدل” ليفوز بتأييد أكبر قدر ممكن من أطياف الفرنسيين. فهل بات فيليب عبئاً على ماكرون الآن، أم حانت لحظة تقدّم اليميني المعتدل إلى سدّة الرئاسة بعد أن ارتفعت الآلاف من اللافتات التي تقول “ماكرون ارحل”؟

مع انطلاقة التظاهرات في باريس، لم يغب فيليب عن المشهد السياسي الفرنسي اليومي عبر تصريحات حاولت من خلالها امتصاص غضب المحتجين
مع انطلاقة التظاهرات في باريس، لم يغب فيليب عن المشهد السياسي الفرنسي اليومي عبر تصريحات حاولت من خلالها امتصاص غضب المحتجين

 

13