إذا أحببت شخصا فاهده وقتك

الأحد 2016/01/03

بينت آخر الإحصائيات أن متوسط عمر الإنسان في المجتمعات الأوروبية والأميركية هو 83 سنة، وبعض الإحصائيات تقول إن متوسط عمر الإنسان ارتفع حتى 87 سنة، أما في مجتمعاتنا العربية فلا توجد إحصائيات دقيقة، لكن من المؤكد أن إنسان هذا العصر صار يعيش أكثر من سابقه بسبب التطور الكبير للطب وعلم الأدوية، لكن بدأت تظهر مشكلة جديدة وهي مشكلة الشيخوخة، تلك الشريحة المتزايدة من البشر الذين تقاعدوا ولم يعودوا مُنتجين، وأغلبهم يعاني من أمراض الشيخوخة ويتطلب طاقما خاصا للعناية به.

وما يهمني هو الجانب النفسي والمعنوي في المشكلة، فالشيوخ يصبحون كالأطفال ويحتاجون كثيرا إلى العاطفة والحنان، وقد لا يحتاجون غيرها، ومن خلال عملي كطبيبة عيون في المشفى الوطني في اللاذقية حيث كنت أجري عملية الساد (الماء الزرقاء) لشيوخ، روّعني في الحقيقة وضعهم الأسري المُزري من الناحية العاطفية وعدم احترامهم كبشر من قبل أقرب المُقربين إليهم، أي الأولاد والأحفاد.

ولا أريد أن أكون كالنعامة وأقول إننا في مجتمعاتنا العربية نُكرّم كبار السن، فللأسف كنت شاهدة على حالات مروّعة من كره الشيوخ والرغبة الفاضحة في موتهم، وكم من شيوخ أوصلهم أولادهم إلى المشفى كي أجري لهم عملية الماء الزرقاء ثم تركوهم لأيام ولم يحضروا لاستلامهم ولم يطمئنوا عليهم، حتى كنت أضطر إلى أن أتصل بأولادهم ليأخذوهم إلى البيت لأنه لم يعد من داع لبقائهم في المستشفى.

طبعا لا يجوز التعميم فهناك أولاد يحترمون آباءهم الشيوخ ويعاملونهم بحب وإنسانية، بل ويُضحّون من أجلهم، لكن ظاهرة كون الشيوخ يمثلون عبئا على أولادهم، وكذلك طول أعمارهم، أصبحت تشكل مشكلة عالمية تحتاج إلى حل.

ففي المجتمعات الأوروبية الغنية، والتي يتمتع فيها المواطن بالتأمين الصحي، حُلّت مشكلة الشيخوخة عن طريق بيوت أو دور رعاية للعجزة، فيعتنون بهم جسديا ونفسيا ويشركونهم في برامج مسلية موسيقية وثقافية، أما في عالمنا العربي -وهو الذي يهمني- فحال كبار السن أو الشيوخ مزر، لأنهم جزء من حياة مزرية، ولأن أولادهم وأحفادهم يعانون من الفقر وعدم الأمان وبالكاد يوفرون حاجاتهم الأساسية، أحد هؤلاء الأبناء صرخ في وجهي حين قلت له إن والده العجوز سوف يحتاج لاستعمال قطرة مدى الحياة بسبب إصابته بالماء السوداء (ارتفاع ضغط العين) وثمن القطرة الواحدة 1800 ليرة سورية! صرخ قائلا: من أين سأجلب المال وأنا بالكاد أؤمن الرغيف لأولادي الأربعة، وحين نبهته أن والده سوف يُصاب بالعمى إن لم يستعمل القطرة، رد بلامبالاة: وما ذنبي أنا، لا أملك المال، فليصب بالعمى.

قد يبدو هذا الابن عاقا، ولكن حين تتأمل وجهه الذي تفصح ملامحه عن مدى معاناته، وحين تتأمل أسنانه المنخورة البنية لأنه لا يملك مالا لعلاجها، تشعر أن كل إنسان في عالمنا العربي ضحية، الشيوخ ضحية وكذلك أولادهم وأحفادهم، فلا يوجد تأمين صحي حقيقي للمواطن العربي، ولا توجد دور عناية لكبار السن والشيوخ وإذا وجدت فإنها تحتاج إلى المال وقلّة من يتمكّنون من توفيره، وحتى الجمعيات الخيرية لا تملك الإمكانيات لذلك لا يمكنها أن تستوعب إلا عددا قليلا جدا من الشيوخ.

وكم هو مؤلم إحساس هؤلاء الذين أطال الله في عمرهم فهم يشعرون أن أيامهم التي يعيشونها زائدة بالنسبة إلى أقرب الناس إليهم (أولادهم)، ويشعرون أن أولادهم يتأففون من خدمتهم ومصاريف علاجهم، ويتعجّبون من تصحر المشاعر البشرية حتى بين الإخوة وبين الأهل وأولادهم، لكن حين تكون الحياة بالغة القسوة على الجميع فإنه من الصعب على الإنسان أن يكون مُحبا ومعطاء، أليس المحبة هي أروع عطاء في الحياة؟ كم أحب هذا المثل الصيني “إذا أحببت شخصا فاهده وقتك”.

من يملك وقتا للشيوخ الذين غالبا ما يتذّمرون من أوجاعهم وأمراضهم ويشحذون العاطفة ويتألمون خاصة حين يتذكرون أن أولى الوصايا العشر: أكرم أباك وأمك لكي يطول عمرك، لكن يبدو أن الإنسان مسحوق الكرامة والمُهان والمُعنف والمُهمش -وهو حال معظم شبابنا العربي- لا يستطيع أن يعطي ما لا يملكه، أي لا يستطيع أن يحب ويحنو وهو مُهان ومحتقر ولا يشعر بكرامته كمواطن، ولا يحسّ بالأمان كي يستطيع أن يعطي والده العجوز أو والدته الشعور بالأمان، ففاقد الشيء لا يعطيه.

والوضع الحالي حيث أصبح العالم العربي هو العالم الذي يموت فيه الأطفال والشباب وأصبح الموت الطبيعي غريبا بل أشبه بالرفاهية، فإن مشكلة الشيخوخة وطول العمر أخذت بعدا أكبر وأصبحت أكثر وطأة على الأسرة كما لو أن لسان حال الناس يقول: أيموت كل هؤلاء الشبان في عمر الورود شهداء أو غير شهداء ويبقى العجائز أحياء، لقد سمعت هذه العبارة من كثيرين، حتى شعرت أن الشيوخ يجب أن يعتذروا لمن حولهم وخاصة للأسر التي فقدت أولادها الشبان بأنهم لا يزالون أحياء، وأحد الآباء المُكتوي بفقد ابنين في الجيش السوري قال لي: تصوري لا يزال أبي الذي بلغ التسعين حيا! وكأنه يصبّ نقمته على والده، كأن والده سرق الحياة من ابنيه الشهيدين!

يا لهول الحياة المأساوية في عالمنا العربي، حياة تحولت إلى ملحمة ألمٍ تطال الجميع، وكم أدهشني حين كنت أقرأ دراسات عن الأدب الياباني أن ثمة عادة عند بعض اليابانيين أن يأخذوا آباءهم الشيوخ حين يبلغون الثمانين إلى قمة جبل ويتركونهم هناك كي يموتوا بطريقة ما وغالبا ما يكونون طعاما للنسور! لكنّي لا أعرف أسباب هذه العادة وخلفياتها لأن الدراسة لم تشر للأسباب.

لا أستبعد أن نصل في عالمنا العربي إلى حالة مشابهة من احتقار كبار السن وصبّ جام الغضب والإحساس بظلم الحياة والحكام عليهم، فالحالات التي اطلعت عليها وسمعت عنها كانت مُروّعة، فحين يتحول وطن كسوريا مثلا إلى ساحة وغى ويصبح القتل اليومي أشبه بتعبير الخبز اليومي، وحين تحدث مجازر تحصد أطفالا وشبانا وعلى مدى أكثر من خمس سنوات، وحين تتزين جدران المدينة بصور شهداء تنضح وجوههم المبتسمة بحب الحياة، وحين تتحول كل النشاطات الاجتماعية إلى مجرد تعاز، وتمرّ الأعياد والآباء يقضون العيد في المقابر فوق أضرحة أولادهم، وقد لا يضم القبر إلا نتفا من جثة، حين تنهار الليرة السورية وتنقرض الطبقة الوسطى وتصبح نسبة غير قليلة من الأطفال والنساء تأكل من القمامة وتنام في الشوارع أو على الأرصفة أو مدخل البنايات، أمام كل هذه المعطيات يبدو الشيوخ كأنهم لعنة، كأنهم سرقوا الحياة من الشباب.

21