إذا أردت أن تصرخ لا بد أن تكون جريئا

ما زالت عوالم القصة القصيرة تنتظر من يكتشف مناطقها السردية الغائرة، ففي كل تجربة قصصية يضيء مكانٌ لم يكن مكتشفاً من قبل، فلكل جيل من الأجيال الأدبية في السعودية وغيرها همومه وأسئلته وأدواته التي يحفر بها المعرفة. “العرب” توقفت مع القاص السعودي معاذ آل خيرات في حوار حول مجموعته القصصية الأولى وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.
الجمعة 2017/06/02
القرى السعودية منبت الحكايات (لوحة للفنان إبراهيم الزيكان)

صدرت مؤخراً عن نادي جازان الأدبي، بالتعاون مع الدار العربية للعلوم – ناشرون في لبنان، المجموعة القصصية “جريمة طاهرة” للقاص السعودي معاذ آل خيرات ضامةً بين جنبتيها ثلاثاً وخمسين قصة قصيرة تعبّر عن لحظات تأملية لمشاهدات يومية مؤطرة بهموم الإنسان وسط الأسئلة الملحة للحياة والوجود والدين.

وبين يدي معاذ حاليّا مجموعة قصصية غير مكتملة ومهملة نوعاً ما، فهو منشغلٌ منذ سنة تقريباً بكتابة روايته الأولى، ولكن بتأنٍ تام لأنّ العمل الروائي -حسب قوله لـ”العرب”- يحتاج سقفاً عالياً من النضج ومرحلة معينة من الحكمة والخبرة اللغوية وجمع المعرفة اللازمة. يقول “لا أحد سيلتفتُ أو يعطيكَ جائزةً على مغامرةٍ ركيكة أو مزيفة أو لا تنتجُ نوعاً من الجمال”.

جريمة طاهرة

هذا الهم الإنساني دفع معاذ آل خيرات إلى الكتابة موزّعاً مناخاته عبر نصه القصصي الأول ليؤكد على حقه في مشاطرة الألم الشخصي والسؤال الوجودي مع قارئه الافتراضي. ورغم تفاوت مستوى الدلالات بين قصة وأخرى إلا أنه متمسّك بحق القارئ في قراءته الحرة دون أن يجبره على تخليق المعنى المراد.

ففي بعض قصص المجموعة، مثل “جريمة طاهرة، وسام، الطبيب العليل، وغيرها” نواجه ترميزاً يحتاج إلى التفكيك والتأمل، بينما تأتي بعض القصص مثل “شرك، حركة لا إرادية، أمي لماذا نسي أبي، وغيرها” واضحة الدلالات غير محتاجة سوى إلى القليل من الجهد الذهني لتفكيك رموزها.

وفي هذا السياق يحدثنا ضيفنا عن بداية تشكّل تجربته القصصية قائلاً “عندما كنتُ طفلاً اعتدتُ حين يؤلمني أو يحزنني شيءٌ أو حين أفعل ‘مصيبة‘ ما، أن أحبس ردة فعلي وأنطلق إلى مكان لا يجدني فيه أحد، كما يفعل أغلبنا في صغرهم. غالباً أبكي أو أكسّر الأشياء وربّما أفكّر بالانتحار وفي ختام خلوتي أضحك. حينها أفيق وأعود إلى مسرح الحياة. كبرتُ وسافرتُ، قبل عشر سنواتٍ تقريباً أكملت دراستي الجامعية في جامعة أمّ القرى بمكة.

ثم عندما تنتقل من قريةٍ هادئةٍ على ضفاف الوادي جنوب جازان وتعيش في مدينة تخنقكَ بالزحام والصخب المستمر مثل مكة، عندها ينعدمُ توفّر ذاك المكان الذي اعتدتُ الهروب إليهِ في طفولتي واستسلمتُ لطقسِ المدينة في صراعٍ لأقتنصَ ساعةً واحدةً أصف فيها مشهداً ما بطريقةٍ مغايرة له بدفتري الجامعي.منذُ ذلك الحين بدأ معاذ كتابة القصة دونَ فهمٍ لها، فقط ينقلُ المشاهدَ المؤلمة بوصفٍ أخفّ حدّة”.

السرد بعمومه في عالمنا العربي هو مرآة للواقع الذي ينشأ فيه ونادرا جدا ما يحاول أن يخلق عالمه الخاص وكائناته

وعن مناخات “جريمة طاهرة” يعلّق معاذ “نشأتُ في أسرةٍ فقيرةٍ، وفي قرية أول بيتٍ بُنيَ بها ‘عُشّة’ جدّ أبي -رحمهما الله- فأغلبُ القاطنين هم عائلتي الكبيرة والجوّ العام كان محافظاً في أغلبه دينيّا واجتماعيّا وسياسيّا، إذ كان أجدادنا ممّن حكَموا في جازان أثناء حكم الحجاز وبعده ببضعة عقود، أي كان لدينا إرث ومكانة بين القبائل هنا، الأمر الذي أدى إلى وجود عادات وتقاليد ومبادئ أيضاً يجبُ أن نحافظ عليها. وكما أسلفتُ نشأتُ فقيراً في خضمّ هذا كلّه، فالحال مُربكٌ تماماً بين الفقر والمكانة القبلية، إذ في مجتمعٍ متحرّكٍ مشحونٍ بالحركة والقلق والصراعِ والصّدام كان كلّ ما يكفيني التقاط موقفٍ أو حدثٍ منفرد وربّما حدس أبتكره فأدوّنه لأتخلّص من أسئلتي عن الحياة وعاداتٍ تفعل ما يفعله الدين أو أكثر، وأهربُ إلى المرأة تارةً وأشاكس الوجود تارة أخرى”.

في سؤال لقاصنا عما إذا كان قد أقلقه الرقيب بمعناه العام (السياسي، الاجتماعي القبلي، الديني) فلجأ إلى الترميز العالي في بعض قصصه؟

يجيب “في الحقيقة، الرمزية كانت تُشغل قرّائي مذ بدأتُ أكتب وكانت حاضرة في استفهاماتهم دائماً، ومما يجدر قوله أنّ الترميز والتضمين كانا في بداية كتاباتي لأنّي لا أكتب عادةً إلاّ عن شيء قاسٍ أو صادمٍ لي وهنا أقصد ما يتصادم مع القيم والمبادئ والنظام والأخلاق التي تشرّبناها منذ أن عقلنا، فلا بدّ من شيءٍ مستفزّ كي تخرج من صمتك وتصرخ بأيّ طريقة إما كتابةً أو رسماً أو رقصاً، وهكذا.

كما قلتُ سابقاً نشأتُ تحت عدة قيود من مجتمعٍ محافظٍ وقبليةٍ صارمة فمن الطبيعي والعقلانيّ أيضاً أن تكونَ رمزياً وإيحائياً وموارياً في أغلب تصرفاتك، وهنا لا بدّ أن تكون ذكياً إن أردت أن تصرخ وأن تكونَ شجاعاً كي تُخرجَ ما يشغلك. لكن دونَ أن تخلط بين الشجاعة والتعجرف، أي أنّي بدأتُ رمزياً في كتاباتي وهي كانت مرحلة لا أقلّ، والرمزية ليست عيباً وإن جاءت كمرحلةٍ بسيطة في حياة الكاتب بل إنّها تستغرقه وتستنفد أخيلته ليكونَ قادراً على اختراع وقائع ومشاهد لا تستند إلى واقعٍ محدّدٍ أو تعبّر عنه بصورةٍ مباشرة”.

مشاهدات يومية مؤطرة بهموم الإنسان

مرآة الواقع

في معرض حديثنا عن العوالم التي يفترض أن يقتحمها القاص السعودي في هذه المرحلة الزمنية المسكونة بالحرب وبأزمة الحريات والتعبير عن الرأي يرى آل خيرات أن السّرد بعمومه في عالمنا العربي هو مرآة للواقع الذي ينشأ فيه ونادرا جداً ما يحاول أن يخلق عالمه الخاص وكائناته، فهو كائن يتأثر بفعل البيئة التي نشأ فيها تماما كما يحدث لأي فردٍ، والقاص السعودي أو القصة السعودية -بحسب تصوره- ليست بدعًا من القول في ذلك. يقول آل خيرات “أخلاقيّا لا يمكن أن ينشغل القاص بموضوعات الجمال والإبداع بقدر ما يجب أن يصور الراهن المعيش من منظوره.

هذا أقصى ما يمكن للقاص أو الكاتب أن يفعله، وبالحديث عن الحريات يكفي أن أٌقول لك إنّه من الصعب جداً الرّهان على طير يولد وينشأ في قفص لأنه لن يستطيع الطيران، كذلك المنجز الإبداعي بصفة عامة، لو لم يستطع أن يتنفس كما يحب فإن جوهره لن يصمد أمام التاريخ ولن يكون إلا محض ورق بالٍ”.

ويذهب ضيفنا إلى أنه لا توجد فلسفة في السعودية ولم تعتمد المؤسسة التعليمية مسارات لها. يقول “الصحوة عطلت كل شيء جميل، فهي تدعو للغيبوبة أصلا. حضور الخطاب الظلامي لا شكّ أنّه حاضر في تجاربنا في سياقها التاريخي ولكن التخفف منها يكاد يعد الاختبار الأبرز لمضامين الكتابة السعودية المعاصرة”.

وعن جيله الذي لم يحضر معركة الصحوة مع التيارات الليبرالية السعودية يعلّق معاذ “لا أعتقد أننا لم نعاصر الصحوة، فنحن كذلك جيل الأشرطة المظلمة. أعتقد أنه كلما ابتعد السؤال الإبداعي بعيداً عن التفاعل مع خطاب الظلاميين امتحن فضاءات أجدّ، تجعله أقرب إلى الفعل الأدبي العالمي بدل انشغاله بالمحلي الذي أغرقنا به من قبل أولئك الظلاميون”.

وفي سؤال أخير عن مدى انشغاله بأسئلة الربيع العربي ومآلاته على المستوى الإنساني والقصصي، يجيب “تهمني رؤية الواقع وما وراءه أيضاً واستشراف القادمِ ونتائجهِ المحتملة، لكنّ الأمر لا يتطلّب مني أن أكونَ مؤرخاً فيما هي مهنة آخرين”.

15