إذا أنت خاسـر

الأربعاء 2014/11/12

لا اُريد أن اُزايد على أحد.. وأعتذرُ مقدماً من كل إخوتي وأهلي من كل الشعوب العربية.. وأخصّ منهم الفلسطينيين.. فأنا لا اُفكر باحتكار الألم وليس هذا من شيمي.. لكنني فقط أدرى بوجعي وأعلم بألمي من سواي.. ولذا سأتحدث عنه حصرياً.. وليتحدث من يشاء عن آلامه ومعاناته.. فقد تبدو أوجع وأمر.. ليكن ما يكون.. فأنا لن اُصادر حقّ أحدٍ في الشكوى أو في التعبير عن الغضب والحسرة وتعداد الخسائر في الأرواح والبلاد.. أنا فقط اُحاول أن أقول ما يجول بخاطر الكثيرين من أبناء بلدي.. العراق

وأول حديثي وآخره عبارة تقول:..”أنت عراقي.. إذاً أنت خاسر!”.. فهو شعارنا الوحيد منذ عقود.. نردّدهُ ونحن نئنّ إحتضاراً وانتظاراً لفرج قريب.. وما من فرج.. نحمد الله على كل مكروه ونعزي القلق بإيماننا إننا أفضل حالاً من سوانا.. لكننا لا نكفّ لا احتضاراً ولا انتظارا.. نذوي.. ونحن نتعايش مع الموت والترقب أو التشرد في البلاد.. نبكي زمناً مضى ولن يعود وأرضاً فقدتْ هويتها ولبست ألف ألف جلدةٍ سوى جلدتها مثل حرباء تتلون بحسب ما يكون لا بحسب ما ينبغي أن يكون..

نضيع مراراً وننظر للسماء تساؤلاً: إلى متى؟.. نقرأ الغيب ونعلّل النفس بآلاف التعلات.. ونتضرع للأمل أن يكون حنوناً ولو لمرة فيـُصدقنا الفعلَ لا القول.. ونوشك أن نعلن يأسنا المطبق لولا النفس الأمّـارة بالفرح إذ تباغتنا دون قصد أو عامدة.. فقط لتذكرنا بأننا نحيا ونتنفس.. فتفرحنا ضحكة طفل أو قصة عاشقين أو حتى اُغنية عابرة تمرّ بنا سراعاً.. لنعودَ فنغرفَ من قهر واقعنا الذي ظل يتفاقمُ بفعل التقادم.. ويزدادُ ما ازدادت كوارثه.. ليتجدد يوماً في إثر يوم حتى لا نكاد نحسّ تكراره.. فنراه طازجاً حيـّاً متبرعماً متشعباً لا يكفّ ولا يدعنا لنكف..

نكتفي بطموحاتنا الصغيرة لنؤثث وحشة أيامنا فتغدو قابلة للاحتمال.. وإذ تتراكم الأثقال فوق كاهل صبرنا يربّتُ الوعظُ فوق غضوننا مبرراً بأنه امتحان.. رغم أن الملايين منـّا لا يحبّون الامتحانات ولا يطيقون قاعات الاختناق!..

نصفنا جـُنّ.. واكتفى نصفنا الآخر بالصمت.. نصفنا قتلته الشكوى.. واكتفى نصفنا الآخر بالسخرية اللاذعة وبابتكار طرائقَ حاذقة لترويض الصبر واستيفائه حتى آخر قطرات الثمالة..

“إذا رأيت النكتة شاعت في قوم فأعلم بأنهم تعساء”.. قالها ابن خلدون ولم نكن لنعلم يوماً بأنها ستصفنا نحن العراقيين.. الشعب الذي كان مادّة التندر بوصفه الشعب الأكثر وقاراً والأكثر جدية.. مازَحَنا الموتُ حتى صرنا نراوغه ونلعب معه.. وتخلّت الدهشة عن ضفائر أحلامنا وأردَتْ عصافيرَ أرواحنا شهداءَ أو موتى وهم أحياء..

لكل فرد منا قصة تصلح أن تحتضنها دفتا رواية من كتب الخيال العلمي.. والكل فينا خاسر!.. حتى اللصوص والبغايا ومحترفو العهر السياسي والانتهازيون والمراؤون والمهرّجون والمنحرفون.. فما الذي يمكن أن يجنيه هؤلاء سوى ربحٍ بسيط أمام عمر خاسر؟ ولو كان بينهم من عاش عيشة بشر لما انحرف!

كلنا منفيون في بلدنا ومشرّدون خارجه.. كلنا مستلبون منخورة أيامنا.. ضاق بنا حتى الأمل ورحل عنـّا مع الراحلين.. إنها حكاية أرضٍ حبلى بالخراب.. ولا أضنها ستلد يوماً سوى المزيد المزيد من الخراب.. ونحن لا نملك لا أن نحيد ولا أن نتنصلّ منها..صباحُ أطفالنا وطن آخر وأهل آخرون..

21