إذا اختفى مقتدى، أين يذهب الصدريون

الثلاثاء 2014/02/18

بعد اليوم ستكون للصدريين في العراق حجتهم، إمامهم الغائب، ذريعتهم للانتظار المسلي. فها هو زعيمهم مقتدى الصدر يعلن انسحابه من الحياة العامة، لا من الحياة السياسية وحدها. لقد اختار أن ينفصل عن تاريخه القديم لينزوي بعيدا.

رجل الدين الفتيّ الذي لم تكن شعبيته الساحقة إلا دليلا على ما انتهت إليه الحياة السياسية في العراق من تدهور في مفهوم الزعامة السياسية والدينية على حد سواء، قرر أخيرا أن لا يكون زعيما لأحد، رغم أنه كان دائما الرقم الأصعب في ما يسمى بالعملية السياسية، التي هي التسمية المجازية لنظام المحاصصة الطائفية الذي أقامه الأميركان في العراق، بديلا للدولة التي حطموها عام 2003.

كرهه الجميع دون استثناء. أقصد أفراد الطاقم السياسي الذي هيأه المحتل الأميركي لإدارة وتصريف شؤون العراق، غير أنهم كانوا مضطرين إلى مسايرته، لأن الملايين كانت قد أحبته واعتبرته بسبب يأسها المتوارث أملها في التغيير.

لقد ورث مقتدى الصدر شعبا. لا تنطوي الجملة السابقة على أي نوع من المبالغة. يقال إن عدد أنصاره والمؤيدين له قد فاق السبعة ملايين، وهو الذي لم يكن خطيبا مفوها ولم يطرح مشروعا سياسيا واضحا للتغيير الوطني، ولا يملك سمات شخصية تميزه عن سواه من المعمَّمين الذين تكاثر عددهم في العراق في حقبة ما بعد الاحتلال بما يغطي حاجة سكان قارة آسيا بأكملها إلى الوعظ الديني.

ولأنه لم يبدأ حياته السياسية من لحظة تواطؤ نفعي مع الآخرين، أقصد أفراد المعارضة السابقة الذين وزعوا غنائم الحرب في ما بينهم قبل أن تغزو القوات الأميركية العراق، فقد كان وجوده يزعجهم، ويثقلهم بعبء استفهامي هو أشبه بالفضيحة.

فرغم أنه قد دعا في أيام الاحتلال الأولى إلى طرد السيستاني، وهو مرجع الشيعة الديني الأعلى من الأراضي العراقية باعتباره إيرانيا، واتهم في ما بعد جزافا بتحريض جماعته على قتل عبدالمجيد الخوئي، المعمّم الذي كان قادما لتوه من لندن إلى النجف في حوامة بريطانية، فإن أحدا لم يجرؤ على الاقتراب منه وتقديمه إلى القضاء لإدانته.

حتى حين دخل في حرب مباشرة مع القوات الأميركية، فإن سلطة الاحتلال لم تكن راغبة في إنهاء تلك الحرب بهزيمته. ألم تكن قادرة على إنهاء دوره في الحياة السياسية؟

كانت تلك الحرب قد أكسبته شعبية مضاعفة تجاوزت محيطه الطائفي، لتشمل كل أطياف الشعب العراقي. غير أن دوره في الحرب الأهلية التي شهدها العراق بين عامي 2006 و2007 لا يزال يطرح الكثير من علامات الاستفهام حول علاقته المريبة بالمخطط الأميركي الذي كان يهدف إلى القضاء على المقاومة العراقية.

لقد قتل جيش المهدي، وهو الميليشيا التابعة للتيار الصدري من العراقيين عددا يفوق ذلك العدد الذي سقط على أيدي القوات الأميركية وشركاتها الأمنية، فهل جرى كل ذلك القتل من غير التنسيق مع سلطة الاحتلال؟

كانت الجرائم التي ارتكبها جيش المهدي في حق الشعب العراقي كافية لإحالة ملف مقتدى الصدر إلى محكمة دولية مختصة بالجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية. ألا يشير ذلك الصمت الأميركي إلى نوع من التواطؤ الخبيث؟

الآن وقد قرر الصدر بنفسه أن يغادر المسرح السياسي، فماذا ستكون عليه حال الصدريين، ممن استفادوا من وجوده في الواجهة، مساهمين في نهب ثروات العراق وتدمير القيم المدنية لمجتمع ساهموا في تمزيق نسيجه الاجتماعي؟

سيغضبون بالتأكيد.فهم بغيابه سيفقدون كل امتيازاتهم. كان الرجل فزاعتهم وأيقونتهم. تمثالهم وخرافتهم. نكتتهم ومصدر قوتهم. من غير مقتدى لن يكون هناك صدريون.

لقد ادعى أحد الكتاب اليساريين ممن احترفوا السياسة كاذبا أن هناك فكرا صدريا. وهي كذبة لن يصدقها الصدريون أنفسهم. كان مقتدى الصدر غطاء لعدد هائل من الأتباع الذين لن ينفعهم نفاقهم القديم في ظل غيابه.


كاتب عراقي

9