إذا الشعب يوما مزق العلم

الخميس 2015/04/30

لا تحتاج سلمى اللومي، وزيرة السياحة التونسية الجديدة لمزيد من “السلخ” والتجريح، فقد “سلخها” التونسيون بما يكفي على مواقع التواصل الاجتماعي، و”بهذلوا بحالها”، كما يقول المثل التونسي، إثر تصريح لها لإحدى الإذاعات المحلية، حول اعتزامها تنظيم تظاهرة يتم فيها إنجاز أكبر علم تونسي على الإطلاق، لتدخل بذلك تونس موسوعة غينيس “من بابها الواسع”، ومن ثم يتم تقطيعه إلى أجزاء صغيرة وتوزيعه، على المحتاجين والفقراء لاستعماله كأغطية.

فكرة مذهلة لا أعرف لماذا يعترض عليها التونسيون، على الأقل لأنها ستنفع فئة كبيرة من التوانسة المساكين في توفير، قطعة قماش ضخمة بالبيت يمكن أن تستعمل لأغراض عدة من بينها على سبيل المثال لا الحصر، أفرشة وأغطية، لهم ولأطفالهم (الذين تجاوزوا سن التبول في الفراش)، و”مفارش” تمد تحت أشجار الزيتون لجمع المحصول المبارك، وهكذا تكون السياحة في خدمة الفلاحة، ونضرب عصفورين بحجر واحد، أو “خياطة” قطعة القماش المقدسة إلى “جلابيب” وفساتين تحضر بها النسوة الأعراس والمناسبات العائلية، أو أغطية على الرؤوس تقيها حر الشمس ووهج الهاجرة في نهار الجنوب القائظ، أو مناديل لمسح الأيدي والأنوف والطاولات والكراسي، وفي بعض الحالات النادرة، وكاستثناء تخص به العائلات الأكثر عوزا، يمكن استعمال قطعة القماش كحفاظات للأطفال، أو خرقا تستعملها النسوة للحيض، لأنه، وكما لا يخفى على أحد، هناك من النسوة من يعشن الفقر والخصاصة، ولا يملكن ثمن “أولويز وليبراس” المكلفة.

هذا فضلا عن استعمالات كثيرة أخرى لا تقل أهمية عما فات ذكره، صالحة للرجال والأطفال والأحمرة والنياق والنعاج وغيرها.. أضف إلى ذلك أن هذه القطعة المقدسة يمكن أن تستعمل للصلاة، إذا وافق المفتي، على ذلك.

وكما ترون فإن الفكرة رائدة، ومميزة واستعمالاتها كثيرة، ولا تقتصر على الغطاء فقط، كما ذكرت السيدة الوزيرة، ولا بد أنها لم تتفطن أن قطعة بهذه القداسة والنعومة، بعد أن ينتهي دورها كغطاء، يمكن أن تستعمل في تصفية المياه من الأتربة والحشرات وغيرها، ويمكن أن يصفى بها حليب الماعز والبقر، وبالتالي ستساهم في تنقية مياهنا وحليبنا من الشوائب والميكروبات وتساعد على تحسين صحة المواطنين. ثم إن المواطن الذي يستعمل هذه القطعة يوميا، لا شك أن وطنيته ستزداد، وحبه للبلاد سيفوق حبه لأبنائه، فهو يمسك صباحا مساء بقطعة من كبده، لا تقل أهمية عن قطعة من تراب بلاده الغالي، ووزيرتنا بذلك سترفع من وطنية التوانسة وحبهم لتاريخهم، وفضلها لن يقل عن فضل بيت الشابي الشهير الذي قاد ثورتهم، ومن يدري لربما خرج أبناء الجنوب في ثورة جديدة وكل منهم يرفع نصيبه من الخرقة التي حصل عليها، وتدخل بذلك الوزيرة باب التاريخ.

يعني باختصار، الوزيرة صاحبة الأفكار التوسعية الرائدة كانت أكثر موهبة وقدرة على استقراء الاستعمالات المتعددة من باقي أبناء الوطن، فاقدي البصر، والعاجزين عن فهم فوائد واستدامة مثل هذه الأفكار المميزة.

فرجاء توقفوا عن الهيذان والمغالاة ودعوا الوزيرة تعمل في صمت، وتقترح الأفكار الجميلة المبتكرة، دعوها تقطع العلم وتوزعه على الفقراء، لماذا تحرمونها حب مساعدة الفقراء، والرحمة التي تملأ قلبها، فهي على ما يبدو ليست مناسبة فقط للسياحة، حيث أنها بدأت من غينيس وما أدراك ما غينيس، بل أيضا مناسبة لوزارة التنمية، ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة أيضا.

وزيرة متعددة المواهب على هذا النحو لا يسعنا إلا فرش طريقها بالورود، والأخذ بيدها. فيا أصدقائي، يا أصدقائي الجميلين، لا تنسوا أنها أم حنون وربة بيت وسيدة كريمة، تشعر بما تشعر به الأم والزوجة المعوزة، من شقاء وتعب، وبرد… فدعوا المرأة تقطع العلم، وصفقوا لها بارك الله فيكم وفي أبنائكم وأنزلهم منازل الوزيرة الخارقة.

21