إذا انخفضت أسعار النفط ستنهار الدولة العراقية

الاثنين 2014/02/17

أغرق التخبط وقلة خبرة الحكومة، الاقتصاد العراقي في وضع لم يسبق له مثيل له في دولة تصل عوائدها النفطية الى أكثر من 100 مليار دولار.

وفي ظل الانهيار الشامل للاقتصاد والصراعات السياسية، أصبح العراق يأكل ويشرب من عوائد النفط. أمة كاملة عاطلة تعيش على ريع النفط وتقف على حافة هاوية سحيقة.

النشاط الوحيد الذي يشهده العراق هو الصراع على الثروة واستخدامها في الصراعات الطائفية وشراء الاصوات والذمم وكسب المؤيدين، ويحاصرها الفساد المفترس الذي يستأثر بنصيب كبير من الموازنة.

السلاح الوحيد الذي تملكه الحكومة، التي لا تبدو معنية بمستقبل الاقتصاد، هو التوسع في الانفاق للتعامل مع الحرائق التي يشعلها تخبطها واصطفافاتها الطائفية.

ومع اتساع حجم الصراع وعدد المتنافسين على غنائم العوائد النفطية تزايد الانفاق الحكومي العشوائي وتشغيل الموظفين الوهميين الذين يزيد عددهم اليوم على 4 ملايين موظف، وهي نسبة الى عدد السكان الاعلى في العالم بلا منافس.

وتتحدث أطراف من الحكومة وليس من خارجها عن فقدان آثر عشرات المليارات في خرابة وفوضى الدولة، التي ترجح الأرقام الشحيحة التي تصدر عنها أنها على حافة الانهيار.

فبحسب الأرقام المتحفظة لصندوق النقد الدولي فإن عوائد النفط شكلت أكثر من 93 بالمئة من عوائد موازنة العام الماضي، وأن الحكومة أصبحت تتطلب سعرا للنفط يبلغ أكثر من 106 دولارات للبرميل لتتمكن من تغطية حجم الانفاق، في وقت تستند فيه موازنات جميع دول المنطقة النفطية إلى 85 دولارا للبرميل لتجنب المفاجآت غبر السارة.

وقد نما حجم الموازنة بطريقة انفجارية قد لا تستطيع عوائد النفط مواكبتها. يكفي أن نشير الى أن حجم موازنة العام الحالي يبلغ نحو 150 مليار دولار مقارنة بنحو 118 مليارا في العام الماضي.

في هذه الموازنة تتوقع الحكومة أن يبلغ العجز 18 مليار دولار، وهو الفرق بين حجم الانفاق وحجم العوائد التي تنتظرها، حتى في ظل سعر للنفط يزيد على 106 دولارات للبرميل.

وتبدو الحكومة بأمس الحاجة الى رفع انتاج النفط لتواصل تربعها على عرض الغنائم. وقد أعلنت مرارا عن طموحات لرفع الانتاج الى مستويات فلكية تصل الى 12 مليون برميل يوميا، لكن اصطدمت على الدوام بصعوبة تحقيق ذلك في ظل فوضى إدارتها للثروة النفطية.

وهي لا تدرك أن رفع الانتاج ليس قرارا مطلق السراح وبلا عواقب، وأنه يمكن أن يؤدي الى انهيار أسعار النفط العالمية. فها هي السعودية تملك طاقة إضافية تزيد على مليوني برميل لكنها لا تستخدمها حفاظا على أسعار النفط الحالية.

ماذا سيحدث لو تراجعت أسعار النفط العالمية بشكل كبير، وهو أمر متوقع في ظل وفرة الامدادات، خاصة إذا عادت الصادرات الايراني والليبية الى سابق عهدها وفي ظل طفرة النفط الصخري في أميركا الشمالية؟

قبل أن يحدث ذلك وقبل أن نتأمل السيناريوهات المظلمة التي يمكن أن تؤدي إليها، تبدو الحكومة حاليا على حافة العجز، وتنقل الأخيار يوميا استقطاع جانب من رواتب الموظفين أو عدم تسديد رواتب آخرين لعدة أشهر، وبطريقة عشوائية، بسبب انفجار الموازنة التشغيلية التي يقدر بعض المراقبين بأنها تأكل ما يصل الى 90 بالمئة من الموازنة.

وفي ظل انعدام المهنية وعدم وجود أي خطط لإصدار سندات للاقتراض من السوق المحلية أو العالمية (ربما لأنها تدرك عدم وجود ثقة بما يمكن أن تصدره) فإن الحكومة يمكن أن تسقط في فوضى عارمة إذا ما تراجعت أسعار النفط.

وقد تلجأ لتسريح واسع للعاملين في القطاع العام أو تقليص رواتبهم، أو تلجأ لطباعة العملة على نطاق واسع مثلما حدث في زمن الحصار الاقتصادي، وهو سيناريو كفيل بانهيار قيمة الدينار العراقي.

تبدو الحكومة بميزانيتها الباذخة عاجزة عن تحريك الاقتصاد الراكد، إن لم نقل الميت، وهي لا تلجأ سوى للهروب الى الامام، بحلول ترقيعية، تزيد تعميق الحفرة التي سقط فيها الاقتصاد العراقي.

هذه السياريوهات لم تعد بعيدة وهي يمكن أن تحدث خلال وقت قريب إذا انخفضت أسعار النفط العالمية بنحو 20 بالمئة، وهو أمر غير مستبعد خلال العام الحالي. حينها ستعجز الحكومة عن الوفاء بالتزامات الميزانية التشغيلية، ولن تستطيع دفع جميع الرواتب.

أخيرا لنتخيل لو لم يكن لدى العرا قذلك الريع النفطي الهائل؟ هل كنا سنشهد بلدا منهارا في صراعات بدائية قاسية، أم كانت غريزة البقاء ستحرك قوى الحياة والاقتصاد الحقيقية لقيام اقتصاد يعتمد على الانتاج والمنافسة القائمة على مقومات الحياة الكثيرة في العراق؟

11