إذا انكمش الاقتصاد الروسي فالحرب كافية لرفع أسعار النفط

أكّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في خطابات عديدة، أنه لن يسمح بسقوط النظام في سوريا، لكن يبدو أن تصريحاته ليست سوى شعارات حرب، حيث يتوقع الخبراء أن تتخلى روسيا عن الأسد في حال وجدت بديلا له يحافظ على مصالحها؛ خاصة وأن الصراع في سوريا وصل ذروته حين بدأ يؤّثر بشكل كبير على أسعار الطاقة، بل ويهدّد بإشعال حرب أسعار في سوق النفط سيكون لها تأثير كبير على كل القوى العالمية.
الخميس 2015/10/08
النفط والمشاكل الداخلية وراء التصعيد العسكري الروسي في سوريا

لندن - يتضح مع تعمق الصراع في سوريا أن التصعيد الروسي لا يعني بالضرورة فرصا أكبر لنظام الأسد ليسترجع ما خسره من أراض، أو ليرسّخ أقدامه أكثر في السلطة، بل بالعكس تؤكّد مختلف التقارير والتجارب التاريخية أن موسكو مستعدّة للتخلي عن حليفها السوري إذا ما وجدت بديلا يضمن لها مصالحها، خاصة وأنها نجحت إلى حدّ الآن في تحقيق الكثير من أهدافها الاستراتيجية منذ ان استخدمت الفيتو ضدّ قرارات مجلس الأمن المتعلّقة بالأزمة السورية.

والتدخل العسكري في سوريا، الذي يمثل أكبر انتشار للقوات الروسية في المنطقة منذ التدخل السوفييتي في أفغانستان، ولئن بدا في ظاهره دعما لنظام الأسد، فإنه بالأساس ينطلق من نقطة مفصلية بالنسبة لحسابات موسكو الاستراتيجية تتعلّق بسياسة الطاقة ورهاناتها؛ لذلك لا يمكن فصل سياسة روسيا في سوريا عن سياستها في أوكرانيا، كما أنها مرتبطة أيضا بكيفية تموقع روسيا الدولي ودينامية وأهداف تأمل تحقيقها بعد أن همّشها النظام الدولي إثر انتهاء الحرب الباردة.

ولأن الطاقة أصبحت، منذ القرن العشرين أبرز روافد القوة والتوجهات الجيوسياسية، يؤكّد مخلتف الخبراء، ومن بينهم أندرو كريتشلو، المحلل الاقتصادي في صحيفة “ديلي تلغراف” البريطانية، أن تدخل روسيا لا يتعلق فقط بدعم حليفها بشار الأسد، لكنه مثلما كان من قبل في الثمانينات عندما تدخلت في أفغانستان، فإن النفط يلعب جزءا كبيرا من قرار الكرملين. فروسيا التي فقدت، ولأكثر من ربع قرن نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في الشرق الأوسط، لا يمكن أن تغامر بدعم نظام ينهار، وتقف في صف الأقلية المناصرة له دون أن يكون لها حسابات استراتيجية كبرى، قد تدفعها إلى التخلّي عن الأسد إذا ما توفّر حلّ بديل يسمح لها بالحفاظ على مصالحها في سوريا والمنطقة عموما.

في عام 1979، عندما دخلت الدبابات الروسية إلى كابول، كان سعر برميل النفط يقترب من 110 دولارات للبرميل. وقد شجعت أسعار النفط المرتفعة القيادة السوفيتية على تمويل الحرب الباردة ضد الغرب، بالإضافة إلى شحن المواطنين في الداخل. وكما هو الحال الآن، كانت صادرات النفط الحيوية توفر للخزينة الروسية حوالي 70 بالمئة من عائدات العملة الأجنبية في البلاد.

وعبر التدخل في الأراضي الأفغانية هدد الاتحاد السوفييتي ممر الطاقة الحيوية الغربي، مجموعة من دول الخليج العربي المستقلة حديثا في المنطقة الغنية بالنفط، والتي تعد من زبائن الولايات المتحدة.

وكان السوفييت يأملون في أن يؤدي تواجدهم العسكري في المنطقة إلى المحافظة على ارتفاع أسعار النفط بما يكفي، لتتمكن البلاد من تحقيق مكاسب في الحرب.

ويتوقّع خبراء أن يتكرّر المشهد اليوم في سوريا، حيث يأمل بوتين، الذي يواجه اليوم نفس المعضلة التي واجهها أسلافه السوفييت في أفغانستان، في أن تساهم الضربات الروسية وتعقيد الأمور بالشرق الأوسط في زيادة أسعار النفط وإفشال سياسة واشنطن لإفلاس موسكو. ويبدو أن الجزء الأول من الخطة في طور التحقق حيث كشفت التقارير الاقتصادية أن أسعار النفط شهدت، أمس الأربعاء، ارتفاعا ملحوظا، حيث وصل البرميل من 46 دولارا إلى 53 دولارا.

جون ماكين: روسيا عادت اليوم إلى الشرق الأوسط بسبب ضعف القيادة الأميركية

وأكّدت التقارير أن الارتفاع مردّه بالأساس التدخل الروسي في سوريا، والذي أثار حرب أسعار النفط بين موسكو والرياض بالأساس. وتوقّع أندرو كريتشلو أن يؤدّي تدخل موسكو العسكري في سوريا إلى توترات في أسعار النفط الخام؛ على غرار ما حدث خلال التدخل في أفغانستان.

تنمية الشعور القومي

تاريخ العلاقات الروسية السورية لم يكن دائما متينا، مثل اليوم، حتى عند وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الحكم؛ فقد شهدت العلاقة بين دمشق وموسكو فترات ركود على امتداد التسعينات واستمرت حتى سنة 2005؛ وهي السنة التي فاز حزب روسيا الموحدة الحاكم في الانتخابات المحلية ليرتفع صوت المعارضة ويتعمق الانقسام وتشتدّ الاضطرابات في البلاد، فيما سعى الرئيس بوتين إلى التغطية عن هذه المشاكل بأن وجّه الاهتمام الروسي نحو الخارج، مسطّرا صفحة جديدة لسياسة الكرملين الخارجية عكسها قوله إن “انهيار الاتحاد السوفييتي كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”.

بعد ذلك، تعدّدت التصريحات التي تؤكّد توجه بوتين، الذي لم يكن أمامه في ذلك الوقت إلا سوريا، الموالية لإيران، بما أن الدول العربية الأخرى كانت في الصف الأميركي، وعلى رأسها مصر الحليفة السابقة للاتحاد السوفييتي.

وفتحت موسكو الطريق نحو عودة الدفء إلى العلاقات مع دمشق عبر شطب 80 بالمئة من ديون سوريا لدى روسيا. وتشكّل الآن التبادلات التجارية بين البلدين 3 بالمئة من التجارة الخارجية السورية؛ في حين أن حجم التبادل التجاري بلغ قبل الثورة أقل من مليار دولار؛ كما نشطت التحركات الدبلوماسية، التي كانت محدودة قبل 2011.

يقول خبراء إن بوتين، الذي كان رئيسا سابقا لجهاز المخابرات الروسية كي جي بي، وهو نتاج الحرب الباردة، يدين بنجاح عودته إلى الشرق الأوسط إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي أدّت سياسته إلى توتر العلاقة بين واشنطن وحلفائها في المنطقة بما فتح المجال أمام الروس، الذين نجحوا في استثمار هذا التوتر وحققوا صفقات هامة، خصوصا مع مصر؛ كما فتحت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط الباب أمام عودة التحالف الروسي الأميركي، على غرار ما جرى خلال الحرب العالمية الثانية، حيث بلور الكرملين والبيت الأبيض اتفاقا تحالفيا يدعم تدخل روسيا في سوريا، تحت ستار محاربة داعش.

تعيش روسيا فترة ركود للمرة الأولى منذ عام 2009. وقد تراجعت قيمة الروبل بنحو 43 في المئة مقابل الدولار الأميركي خلال الإثني عشر شهرا الماضية، وتضخم مؤشر أسعار المستهلك ليبلغ أعلى مستوياته منذ 13 عاما في وقت سابق من هذا العام. وإذا ما استقرت أسعار النفط في حدود 50 دولارا للبرميل في العام القادم، فمن المرجح أن يبدأ الشعب الروسي الذي يعاني منذ فترة طويلة في مساءلة قيادة بوتين، والتي وضعت البلاد على مسار تصادمي مع الولايات المتحدة.

الغضب يتصاعد ضد بوتين فكان لا بد من تحويل الأنظار عما يجري في الداخل الروسي وفي أوكرانيا نحو سوريا

لذلك يقول خبراء إن الاتفاق مع الأميركيين خدم بوتين، حيث هدّأ من غضب الشعب، خصوصا الشيوعيين وأنصار الاتحاد السوفييتي، بينما أثارت في المقابل غضب الأميركيين، الذين رأوا في ذلك تكريسا لفشل سياسة أوباما؛ ومن التصريحات التي تعكس ذلك ما جاء على لسان السيناتور جون ماكين الذي قال “إن روسيا عادت اليوم إلى الشرق الأوسط بعد أن أخرجها أنور السادات عام 1973 من مصر، بسبب ضعف القيادة الأميركية وترددها”.

مواجهة سعودية روسية

مع بلوغ فائض العرض في أسواق النفط حوالي 2 مليون برميل على الأقل يوميا، وبما أن كلا من روسيا والمملكة العربية السعودية لم تبديا استعدادهما لخفض الإنتاج، فمن المتوقّع أن تدخل، جميع الأطراف المعنية بما فيها إيران، التي تم رفع العقوبات الاقتصادية عنها مؤخرا، إلى حرب أسعار نفط عالمية يمكن أن تؤثر نتائج معركة الاستنزاف هذه سلبا على الرياض وموسكو إذا ما استمرت لمدة إثني عشر شهرا أخرى.

ويتوقع أن يشدّد هذا الوضع من القبضة الروسية المستمرة على سوق الطاقة في أوروبا، بما يؤثّر سلبا على الاقتصاد الأوروبي الذي كان يراهن على انخفاض أسعار الطاقة ليخرج من ضائقته.

ويشير أندرو كريتشلو إلى أن هناك ثلاثة أسباب كبرى ستحدد مصير هذا الصراع النفطي المقبل:

◄ تراجع حصص المملكة العربية السعودية وحلفائها الخليجيين، الممولة للمعارضة في سوريا التي تقاتل كلا من نظام الأسد وتنظيم الدولة الإسلامية. وبالفعل اضطرت الرياض إلى سحب حوالي 73 مليار دولار من الأصول الأجنبية لدعم اقتصادها، كما ينبغي عليها تمويل الحرب المستعرة على نحو متزايد ضد المتمردين المدعومين من إيران على حدودها الجنوبية في اليمن.

خبراء: لا يمكن فصل سياسة روسيا في سوريا عن سياستها في أوكرانيا

◄ التواجد الفعلي لروسيا، التي تضررت مصالحها جراء التدخل العسكري في ليبيا في 2011، يعمق التوترات إلى درجة بلوغ حالة من الغليان في المنطقة التي توفر نحو الخمس (1/5) من إمدادات النفط في العالم وجزء كبير من احتياجاته من الغاز الطبيعي. وهذه المخاطر السياسية تنعكس حاليا على أسعار النفط التي تجاوزت، على غير المتوقع، 50 دولارا للبرميل الواحد.

◄ عززت روسيا يد الهلال الموالي لإيران والمعادي للمملكة العربية السعودية. ورغم أن الإيرانيين نجحوا في التوصل إلى اتفاق لرفع العقوبات الاقتصادية مقابل الحد من برنامجهم النووي، إلا أن القرار النهائي يبقى رهن الالتزام الإيراني بمبادئ الاتفاق. وتم ضرب إيران بتخفيض أسعار النفط إلى جانب العقوبات، التي منعتها من تحقيق أقصى قدر من دخلها من ثرواتها النفطية الهائلة.

ويسعى الإيرانيون إلى زيادة إنتاج النفط ليبلغ 1 مليون برميل يوميا، لكن تلتف عليهم المملكة العربية السعودية من خلال إحكام قبضتها على منظمة الأوبك. وبما أن روسيا تبدي دعمها لحلفاء إيران في سوريا، قد يشعر النظام في طهران أنه متحمس على اختبار تصميم السعودية عندما تعقد أوبك اجتماعها القادم في شهر ديسمبر. ومعروف أن السعودية ودل الخليج عموما من المنتجين الرئيسيين الذين يملكون مفاتيح احتياطيات إنتاج النفط لمنظمة الدول المصدرة للنفط.

بالطبع، يمكن أن يؤدي تدخل روسيا المباشر في سوريا إلى انخراط جميع الأطراف المعنية في تعميق حرب أسعار النفط العالمية أكثر من ذلك، واستمرار سياستهم الحالية التي تتجه نحو مزيد تخفيض كلفة برميل النفط.

6