إذا تخلينا عن الحقيقة سينهار العالم

الأخبار الزائفة ونظرية المؤامرة وما بعد الحقيقة ظواهر خطيرة تنخر المجتمعات.
الخميس 2020/06/25
ثلاثة مشككين عجيبين (لوحة للفنان سيوران باران)

لا جدال أن هذا العصر شهد ثورة أنثروبولوجية ثالثة، وقطيعة انتقل فيها الـ”هومو سابينس” من عالم إلى آخر، ولئن حملت هذه الثورة معها مستحدثات غير مسبوقة فتحت له أبواب الاكتشافات والاختراعات المذهلة، فقد جاءته أيضا بظواهر قد تلغي كل ما تحقق.

رافقت الثورة الأنثروبولوجية الثالثة العديد من الظواهر التي تتعارض مع الحقيقة التي هي جوهر كل شيء، فإلغاء الحقيقة الساطعة يجعل كل شيء نسبيّا، لتصبح الحقائق العلمية والمعادلات الرياضية والاختراعات الفيزيائية وجهات نظر، يمكن لأي شخص تصديقها أو الطعن فيها.

من هذه الظواهر التي تنخر مجتمعات هذا العصر الأخبار الزائفة ونظرية المؤامرة وما بعد الحقيقة.

الأخبار الزائفة

الظاهرة الأولى أي الأخبار الزائفة، أو الأخبار الكاذبة، قديمة قدم البشرية، ولكنها التصقت في الأعوام الأخيرة بدونالد ترامب، أكبر رئيس كذّاب في تاريخ الولايات المتحدة، فقد دأب على وصف كل ما ينسب إليه من أفعال وأقوال وتصرّفات بالأخبار الكاذبة، حتى وإن أثبتتها قرائن وشهود، فهو لا يلغي الحقيقة فحسب بل يضع بينها وبين الكذب نوعا من التشويش المقصود، حتى باتت الأحداث الفعلية أحداثا بديلة، وبذلك أصبح من الممكن إنكار الواقع بحضور من كانوا شهودا عليه، فالأشياء على اختلافها غير حقيقية ما لم تكن في صالح الرئيس الأميركي.

ولم يقتصر الأمر على الحقيقة الحدثيّة الفعلية بل تعدّاه إلى الحقيقة العقلانية التي ترجع بالنظر إلى العلم، فقد رافق صعود التطرف عبر العالم، وفي الغرب بصورة خاصة، أزمة تصديق وتكذيب للحقائق العلمية كالاحتباس الحراري، والحقائق الطبية كاللقاحات، ووسائل الإعلام التي تشكل بصدقيتها سلطة في حدّ ذاتها كصحيفة نيويورك تايمز مثلا.

إلغاء الحقيقة يجعل كل شيء نسبيّا، لتصبح الحقائق العلمية والمعادلات الرياضية والاختراعات وجهات نظر

هذا الانفصال بين وجهة النظر والواقع يمكن فهمه بالرجوع إلى أرسطو وتمييزه بين الحقيقي والمرجَّح في ما يخص العمل الديمقراطي، لأن المداولة تهدف إلى إثبات حقيقة المقترحات حتى يصحّ تقريرها، عملا بما أسماه الإغريق الإيزيغوريا (أي الحق الشرعي لأي فرد

في التعبير عن رأيه) لأن الحوار، الذي يفترض وجود تباين في المواقف والآراء، هو جوهر الديمقراطية، ومن دونه تصبح المدينة فارغة. ولكن بعد الجدل ينبغي أن يتفق الفرقاء على حقيقة يقرّ بها الجميع، كان يمكن أن تكون عكس ذلك، لأنها بخلاف الحقيقة الإبستيمولوجية تخضع للضرورة، ومن ثمّ فهي جائزة. وإن كان من الأفضل الوصول إلى حكم يلتقي فيه الجميع ويسمح ببناء شيء مشترك. وهذا ما عنته حنة أرندت في حديثها عن ضرورة التمييز بين البحث عن الحقيقة المطلقة، حقيقة الفلسفة الأفلاطونية، وظروف الحكم السياسي الذي يجري في العالم المشترك في ممارسة التعددية وبواسطتها.

والخطر هنا يكمن في تحول الحقائق الحدثية الفعلية إلى وجهات نظر، ما يفتح الباب أمام سيطرة التكافؤ وعدم التمييز. وفي عالم يمّحي فيه الفصل بين الحقيقي والكاذب، ينتفي الجدل وتختفي الديمقراطية. وبما أن الفكر الأيديولوجي مستقل عن الواقع القائم، فكل ما هو حدثي فعلي في نظر ذلك الفكر مصطنع عارض، وبالتالي فهو لا يملك معيارا موثوقا به يسمح له بالتمييز بين الحقيقة والزور.

نظرية المؤامرة

خلف كل نظريةِ مؤامرة أيديولوجيا تفضل التحرك في الخفاء
خلف كل نظريةِ مؤامرة أيديولوجيا تفضل التحرك في الخفاء

الظاهرة الثانية هي نظرية المؤامرة، وهي ظاهرة لا تقل خطرا عن الأخبار الزائفة في نفيها للحقيقة، وابتداع حقائق بديلة تتحدى المنطق في أكثر من وجه. في كتاب “أفيون الأغبياء”، يؤكّد رودي ريشستاد مؤسس مرصد المؤامرة ConspiracyWatch أن المؤامرتية  complotisme مصدر استدلالي وضع لخدمة صراع سياسي، وأن خلف كل نظريةِ مؤامرة أيديولوجيا تفضل التحرك في الخفاء، فهي أكثر دهاء مما نتصور، وهدفها الأول ليس الإقناع بفرضية أو نظرية وإنما تدمير المرجعية المشتركة على نحو يُنزل هو أيضا الواقع الحدثيّ الفعلي إلى مستوى وجهة نظر. ولذلك تُعدّ عبارات كـ”العملاء الأجانب” و”أعداء الوطن” و”التخابر مع قوى خارجية” من الأدوات الكلاسيكية للحكومات المستبدة، لأن غايتها نشر الالتباس وزرع الشك في الأذهان، وهو ما حدث مثلا

عقب تسميم الروسي سرغاي سكريبال عام 2018، فقد ظهرت عدة نظريات مختلفة، بل متناقضة أحيانا، روّجتها الوسائل الإعلامية والمواقع الاجتماعية الموالية لبوتين، لأن الغاية منها ليست نقل الخبر بأمانة، بل زرع الشكّ في النفوس حتى تختلط “الأخبار” في ذهن الفرد فلا يعرف أيّها يصدّق، وبذلك تغيب عنه الحقيقة، أو يغدو لكل فرد حقيقته.

وانتشار هذه الظاهرة، في نظر ريشستاد، ليس عرضا من أعراض أزمة ديمقراطية ليبرالية فقط، بل هو أيضا عامل استفحال لها أيضا. فنظريات المؤامرة يتم تبادلها بنفس الحماس الذي يُتبادل فيه التطير والعلوم المزعومة والروحانيات الجديدة والأيديولوجيات الراديكالية. وهي لا تخص مصالح الدعاية الدولية وحدها، بل تشمل أيضا أفرادا وجدوا فيها مصدرا للكسب، من خلال مواقع تدرّ عليهم موارد هامة متأتية من الإعلانات الإشهارية إذا استطاعوا استقطاب عدد وافر من المتابعين، وقد تجعل من دعاتها أعلاما كما حصل مع الفرنسي تييري ميسون. لذلك تراهم يقتنصون كل فرصة للتشكيك في الخطاب الرسمي واقتراح صيغ أخرى من نسج خيالهم، كما حصل مؤخرا مع جائحة كورونا، حيث تعددت النظريات حدّ التناقض، لأن الهدف من ورائها ليس تكذيب حقيقة بل تكذيب كل الحقائق، حتى يصيب الناس شكّ في كل ما ينشر، لغايات تقف وراءها مختبرات، وممولون، ومروجون، ومستهلكون عرضيون أو مدمنون، حتى بات الاعتقاد بنظرية المؤامرة كأفيون، ولكنه “أفيون الأغبياء”.

ما بعد الحقيقة

ينبغي أن يظل الحقيقي والكاذب صنفين إجرائيين
ينبغي أن يظل الحقيقي والكاذب صنفين إجرائيين

أما الظاهرة الثالثة، الناجمة عن الظاهرتين الأوليين، فهي “ما بعد الحقيقة” وقد ابتكر المصطلح الكاتب الأميركي من أصل صربي ستيف تيسيش (1942 – 1996) ثم شاع استعماله عقب الحرب على العراق للتنديد بثقافة سياسية تغيّب الحقيقة عن قصد، وانتقل إلى بريطانيا عند احتدام حملات الاستفتاء حول البقاء أو الانفصال عن الاتحاد الأوروبي حتى دخل المصطلح معجم أوكسفورد عام 2016 في تعريف حدّده بـ”اللحظة التي تكون فيها الحقائق الموضوعية أقل أثرا في تكوين الرأي العام من إثارة الانفعال واستحضار المعتقدات الخاصة”، ثم دخل معجم لاروس في العام الموالي بنفس المعنى تقريبا.

 وفي رأي أنصار تيسيش أن الأميركان لن يحققوا المراد إذا اكتفوا بإدانة أكاذيب ترامب أو هذيان القائلين بالمؤامرة، لأن الطرفين في النهاية لا يبحثان عن الحقيقة بقدر ما يعبران، ولو بطريقة ملتوية، عن غضب جانب من الرأي العام، ويضعان خطاب السلطات الرسمية موضع شك، لأن الغاية هي محاولة فهم هذا الاستعمال المحرّف للشكِّ والمعلومة الذي يهدد التداول الديمقراطي، وكيف السبيل إلى تداركه دون أن يضع المرء نفسه في موضع الدغمائي الذي يزعم امتلاك قول الحق عن الحقيقة.

في كتاب “ضعف الحقيقي”، تقول المفكرة الفرنسية مريام ريفو دالّون “لإنقاذ عالمنا المشترك، ينبغي أن يظل الحقيقي والكاذب صنفين إجرائيين. لأننا إذا تخلينا عن الحقيقة والموضوعية سلّمنا ما نستطيع فعله إلى أقوياء يعتبرون تلك المُثل غير ذات جدوى”.

15